الرئيسية

مؤسسة رسمية تؤكد “تراجع الفقر في المغرب”: نجاحات حقيقية أم تفاوتات مُستدامة؟

تظهر خريطة الفقر متعدد الأبعاد التي أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط مؤخراً تناقضاً صارخاً بين التحسن العام في مؤشرات الفقر على المستوى الوطني، واستمرار الفوارق الكبيرة بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الجهات المختلفة. هذا التناقض يكشف عن قصور في السياسات التنموية وعدم قدرتها على معالجة الاختلالات الهيكلية والمجالية بشكل متوازن.

“هوامش”| محمد تغروت

وفقا للمندوبية السامية للتخطيط، شهد المغرب خلال العقد الأخير (2014-2024) تراجعاً ملحوظاً في معدلات الفقر متعدد الأبعاد، حيث انخفضت نسبة السكان في وضعية الفقر من 11.9% إلى 6.8% على المستوى الوطني. وبالقيم المطلقة، تقلص عدد الفقراء من حوالي 4 ملايين إلى 2.5 مليون نسمة. كما تراجع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد، الذي يعمم أشكال الحرمان على مجموع السكان، تقريباً بالنصف، حيث انتقل من 4.5% إلى 2.5% خلال هذا العقد.

تراجع عام في معدلات الفقر يخفي فوارق عميقة

جاء ذلك في آخر تحديث لخريطة الفقر متعدد الأبعاد، أصدرته المندوبية السامية للتخطيط، استنادًا إلى معطيات الإحصاءين العامين للسكان والسكنى لسنتي 2014 و 2024، وعنونته بـ:” خريطة الفقر متعدد الأبعاد المشهد الترابي والديناميكية”.

وعلى الرغم من النبرة الإيجابية التي افتتحت بها المؤسسة الرسمية دراستها، غير أنها أبرزت أن الأرقام تخفي وراءها فوارق مجالية عميقة. فالفقر متعدد الأبعاد لا يزال ظاهرة قروية بالدرجة الأولى، حيث يقيم حوالي 72% من الفقراء في الوسط القروي، مقابل 79% سنة 2014. 

ورغم تراجع معدل الفقر في المناطق القروية من 23.6% إلى 13.1%، وفقا لنفس المصدر، إلا أنه لا زال يفوق بأكثر من أربع مرات المعدل المسجل في المناطق الحضرية، الذي بلغ 3.0% سنة 2024، مقابل 4.1% سنة 2014.

هذه الفجوة الكبيرة بين المجالين القروي والحضري تطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة السياسات العمومية في تحقيق التنمية المتوازنة، وتكشف عن استمرار التهميش الذي تعاني منه المناطق القروية رغم الخطابات الرسمية المتكررة حول التنمية القروية.

الهشاشة: قنبلة موقوتة في المناطق القروية

استنادا إلى خريطة الفقر متعدد الأبعاد التي أصدرتها المندوبية السامية، لا تقتصر المشكلة على الفقر المباشر فحسب، بل تمتد إلى الهشاشة إزاء الفقر متعدد الأبعاد. فرغم تراجع معدل الهشاشة من 11.7% سنة 2014 إلى 8.1% سنة 2024، إلا أن حوالي ثلاثة ملايين شخص لا يزالون في وضعية الهشاشة، من بينهم 82% يقيمون في الوسط القروي.

هذا التركز الكبير للهشاشة في الوسط القروي يشكل قنبلة موقوتة، حيث يكفي أي تغير مناخي حاد أو أزمة اقتصادية لدفع هذه الفئات الهشة إلى دائرة الفقر. وهو ما يعني أن التحسن المسجل في مؤشرات الفقر قد يكون هشاً وقابلاً للانتكاس في أي لحظة.

فوارق جهوية صارخة: جهات تتقدم وأخرى تراوح مكانها

على المستوى الجهوي، رغم أن جميع جهات المملكة سجلت انخفاضاً في معدل الفقر متعدد الأبعاد، خلال العقد الأخير، وفقا لمندوبية بنموسى، إلا أن الفوارق بين الجهات لا تزال قائمة وعميقة. ففي سنة 2024، سجلت ست جهات معدلات فقر تفوق المتوسط الوطني (6.8%)، حيث بلغت أعلى هذه المعدلات 9.8% في جهة بني ملال-خنيفرة و9.0% في جهة فاس-مكناس.

وفي المقابل، سجلت جهة العيون-الساقية الحمراء (2.4%) وجهة الداخلة-وادي الذهب (2.5%) وهي أدنى المعدلات على الصعيد الوطني. هذا التفاوت الكبير بين الجهات يعكس غياب العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات والمشاريع التنموية، ويكشف عن استمرار تركيز الثروة والموارد في مناطق معينة على حساب مناطق أخرى.

الأخطر من ذلك هو تركز الفقراء في عدد محدود من الجهات، حيث يتركز في خمس جهات ما يقارب 70% من مجموع الفقراء: جهة فاس-مكناس (16.2% من الفقراء)، وجهة مراكش-آسفي (15.7%)، وجهة الدار البيضاء-سطات (13.5%)، وجهة الرباط-سلا-القنيطرة (11.9%)، وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة (11.5%).

جيوب الفقر المستعصية: أقاليم تعاني من الإقصاء التنموي

على المستوى الإقليمي، تظهر الصورة أكثر قتامة، حيث سجل إقليمان قرويان معدلات فقر مرتفعة تجاوزت 20%: فجيج (24.1%) وتاونات (21.1%). وسجلت خمسة أقاليم أخرى معدلات فقر تفوق ضعف المعدل الوطني: أزيلال (17.0%) وشيشاوة (15.1%) والصويرة (14.8%) وتازة (14.4%) ووزان (13.6%).

هذه الأقاليم السبعة تضم لوحدها نحو 20% من مجموع الأشخاص في وضعية فقر متعدد الأبعاد، رغم أنها لا تمثل سوى جزء صغير من سكان المغرب. وهو ما يعني أن هناك جيوباً للفقر مستعصية على الحلول التقليدية، وتحتاج إلى تدخلات استثنائية ومقاربات مبتكرة.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: نجاح نسبي وقصور هيكلي

خلصت وثيقة المؤسسة الرسمية المكلفة بالإحصاء والتخطيط، إلى أنه لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي لعبته المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تخفيض معدلات الفقر، موضحة أن معدل الفقر متعدد الأبعاد انتقل في 702 جماعة قروية، مستهدفة في المرحلتين الأوليتين من المبادرة، من 27.8% سنة 2014 إلى 15.5% سنة 2024، أي بانخفاض قدره 12.3 نقطة مئوية، مقابل انخفاض قدره 8.4 نقطة في الجماعات التي لم تشملها المبادرة.

غير أنه رغم هذا التحسن النسبي، فإن معدل الفقر في الجماعات المستهدفة (15.5%) لا يزال مرتفعاً جداً مقارنة بالمعدل الوطني (6.8%)، وهو ما يعني أن المبادرة لم تنجح في القضاء على الفوارق الهيكلية، بل خففت فقط من حدتها. كما أن استمرار ارتفاع معدلات الهشاشة في هذه المناطق يجعل المكاسب المحققة غير مستدامة على المدى الطويل.

إقرأ أيضا: تحقيق بيانات – الـ INDH بالمغرب.. بناء الجدران على حساب الإنسان

أبعاد الحرمان: التعليم والصحة في قلب المشكلة

تكشف البيانات أن الحرمان المرتبط بالتعليم والصحة لا يزال يشكل تحدياً كبيراً، خاصة في المناطق القروية. فرغم التحسن العام في مؤشرات الولوج إلى الخدمات الأساسية، إلا أن جودة هذه الخدمات لا تزال متدنية، وهو ما يعني أن الحرمان الفعلي أكبر مما تظهره الأرقام.

فالمدارس موجودة، لكنها تعاني من الاكتظاظ ونقص التجهيزات والموارد البشرية. والمراكز الصحية متوفرة، لكنها تفتقر إلى الأطباء والأدوية والمعدات الضرورية. وهو ما يجعل الولوج الفعلي إلى خدمات التعليم، والصحة ذات الجودة، حكراً على الفئات الميسورة، ويكرس التفاوتات الاجتماعية.

ووفقا للمنهجية المعتمدة في دراسة المندوبية السامية للتخطيط حول الفقر المتعدد الأبعاد، يقيس المؤشر “نسبة السكان الذين يعيشون في حالة فقر متعدد الأبعاد، أي الأشخاص الذين يعانون من عدد من أوجه الحرمان يتجاوز العتبة، التي تم تحديدها بـ 33% من أوجه الحرمان الأساسية التي تتعرض لها الأسر، ويتم حسابه كنسبة إجمالي عدد الأشخاص في حالة الفقر متعدد الأبعاد إلى إجمالي السكان، مما يتيح تقدير الحجم الكلي لهذه الظاهرة”. ما يعني أن الأسرة تُصنف على أنها فقيرة إذا كانت تعاني من تراكم حرمان يمثل ما لا يقل عن 33% في أوجه الحرمان المدروسة.

نجاح كمي وفشل نوعي

تظهر خريطة الفقر متعدد الأبعاد أن المغرب حقق تقدماً ملموساً في تخفيض معدلات الفقر، خلال العقد الأخير، لكن هذا النجاح الكمي يخفي وراءه فشلاً نوعياً في تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية. فالفوارق بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الجهات المختلفة، لا تزال عميقة وهيكلية، وتعكس قصوراً في السياسات التنموية، وعدم قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية.

كما أن استمرار ارتفاع معدلات الهشاشة، خاصة في المناطق القروية، يجعل المكاسب المحققة غير مستدامة، ويهدد بانتكاسات مستقبلية في حال حدوث أزمات اقتصادية أو مناخية. وهو ما يستدعي إعادة النظر في المقاربات التنموية المعتمدة، والانتقال من منطق الإحسان والمساعدة إلى منطق التمكين والتنمية المستدامة.

إن تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية يتطلب سياسات جريئة ومبتكرة، تستهدف الأسباب الهيكلية للفقر والتهميش، وتضمن توزيعاً عادلاً للثروة والموارد بين مختلف مناطق المملكة. كما يتطلب إشراكاً حقيقياً للسكان المحليين في تصميم وتنفيذ وتقييم المشاريع التنموية، بدل فرض حلول جاهزة من المركز لا تستجيب للخصوصيات المحلية ولا تلبي الاحتياجات الحقيقية للسكان.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram