الرئيسية

33 يومًا بلا طعام.. معطلون يواجهون الموت في قرية با محمد

على الرصيف المقابل لمقر الجماعة الترابية قرية با محمد، يسند عثمان ورفاقه ظهورهم إلى جدار وكالة بنكية، حيث يقضون ليلهم ونهارهم. ثلاثة شباب يحملون شهادات جامعية، لكنهم يحملون أيضاً 33 يوماً من الإضراب عن الطعام. أجسادهم تذوب، لكنهم مصرون على الاستمرار في معركتهم من أجل "الشغل أو الشهادة". عائلات قلقة وأجساد تذوي والحوار لم يفض إلى أية نتيجة، منصة "هوامش" تنقلت إلى هناك وقابلتهم لتكشف قصة إنسانية مؤلمة لشباب اختاروا الموت بطيئاً على حياة بلا كرامة.

“هوامش”| أيمن سلام

يرتدي عثمان سترته بمساعدة أحد رفاقه، ويرفع ذراعيه إلى أعلى ليسحبه هذا الأخير وهو يساعده على النهوض، يتكئ عليه عثمان ليبلغ الكرسي المتحرك، حيث ينتظره رفيق آخر ليأخذه إلى مكان يستحم فيه، فالشاب قضى برفقة آخرين شهرا كاملا، مسندين ظهورهم إلى حائط وكالة بنكية، على الرصيف المقابل لمقر الجماعة الترابية قرية با محمد.

عثمان الشواطي، 33 سنة، حاصل على شهادة الإجازة في الفلسفة، وهو واحد من أربعة معطلين مضربين عن الطعام، منذ شهر كامل، للمطالبة بالحق في الشغل، بعد “سدت الأبواب” في وجوههم، وتعبوا من “انتظار الوعود والزحف عليها” حسب تعبيره.

إلى جانب عثمان، وعلى الرصيف، يتمدد اثنان آخران يخوضان معه نفس “المعركة”، إضراب عن الطعام تحت شعار “الشغل أو الشهادة”، ومعهم يعتصم رفاق آخرون لهم في الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب – فرع قرية با محمد، قرر الفرع خوض معركة حاسمة لتشغيل منخرطيه.

يتمدد جنب عثمان كاتب فرع قرية با محمد للجمعية الوطنية (الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب)، محمود البوطريكي، 27 سنة، حاصل على الإجازة في شعبة الكيمياء، وعلى نفس الرصيف أيضا محمد امريش، 39 سنة، عضو بالفرع المحلي للجمعية، وهو مضرب عن الطعام منذ ثلاثين يوما.

الإضراب عن الطعام الذي يلتهم أجساد هؤلاء الشباب ليس قرارا هينا، فقد جربوه السنة الماضية حين خاضوا إضرابا عن الطعام في يوليوز 2024 دام أسبوعين، فتح على إثره حوار مع المسؤولين وانتهى بتعهدات ووعود منهم، لكن “بعد مرور مدة، وجدنا أنفسنا أمام وعود تم الزحف عليها بالكامل، وفاجأنا كيف سُدت الأبواب علينا مرة أخرى، مما دفعنا للعودة إلى الشارع عبر وقفات واعتصامات ومسيرات، ثم قررنا خوض الإضراب المفتوح عن الطعام للمرة الثانية”؛ يقول عثمان الشواطي.

يتواجد فرع الجمعية الوطنية بقرية با محمد منذ سنة 1993، حقق مجموعة مكتسبات متعلقة بالحق في الشغل، كما خاض محطات ومعارك نضالية، بأشكال احتجاجية متعددة؛ اعتصامات، وقفات، مسيرات وإضرابات عن الطعام، وما يعيشه في الحاضر، لم يشهده من قبل، بالرغم من كونه غير منفصل عن سياقات الماضي.

نوبات حراسة وقلق

تنتمي قرية با محمد إلى الجهة الشمالية الوسطى للمملكة، جهة فاس-مكناس، وتقع ضمن تراب إقليم تاونات، للوصول إلى هناك، انطلقنا من مدينة الرباط باتجاه مدينة فاس، ثم من مدينة فاس اتجهنا شمالا نحو “القرية”، تمر الطريق بين منحدرات ومرتفعات ومساحة شاسعة من الأراضي الفلاحية، تنتج مختلف أنواع الخضر والفواكه، والحبوب والقطاني، وتتميز المنطقة بموارد مائية مهمة، يمر عبرها وادي سبو ووادي ورغة، وبها أكبر سد مائي في المغرب، سد الوحدة.

وصلنا إلى المعتصم ليلا وكان الجو باردا، المضربون كانوا نائمين على الرصيف، فراشهم غطاء بلاستيكي فوقه البطانيات التي ينام عليها المعتصمون، مدت البطانيات بين شجرتين أصبحتا مشجبين يعلقون عليهما ستراتهم، أمام المعتصم دراجة نارية ثلاثية العجلات علقت عليها لافتة الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين فرع قرية با محمد، وعلى الجدار الذي يستندون إليه ملصقات وصور لرفيق لهم اعتقل سابقا.

حين وصلنا كان كاتب الفرع، محمود البوطريكي مستيقظا، حوله رفاق آخرون يشاركون في الاعتصام بدون إضراب عن الطعام، مهمتهم العناية بالمضربين، وتوزيع نوبات الحراسة والمراقبة بينهم، فمع مرور الوقت يزداد الخوف من تردي حالتهم، خصوصا أثناء النوم حيث لا يعرف إن كان الشخص نائما فعلا أم دخل في غيبوبة بسبب تطور وضعه الصحي، لذلك المراقبة والمتابعة أمر ضروري.

عائلات المعطلين المضربين عن الطعام تعيش قلقا، صادف وصولنا وجود والدة عثمان الشواطي، كان بوسعنا مشاهدة لحظات يحاول فيها عثمان طمأنة والدته وتقبيل كفها، بينما لم تخف خوفها عليه، حين كانت تغادر لم تتوقف عن الالتفات والنظر إليه، غادرت بخطوات بطيئة كأنها تدفع نفسها للابتعاد عن المكان بصعوبة.

لا يُفلت محمود قنينة الماء من يده وهو يتحدث إلينا: “استأنفنا هذه المعركة يوم 24 أبريل 2025، نظمنا شكلا نضاليا أمام مقر جماعة قرية با محمد، هذا الشكل عرف تطويقا أمنيا وقمعا رهيبا منذ بدايته، لذلك عقدنا جمعا عاما قررنا فيه خطوتي الاعتصام المفتوح، والإضراب عن الطعام في أجواء قمعية، قُطعت خلالها ثيابنا وتم تكسير هاتفي”.

ثلاثة ورابعهم مضرب عن الطعام في السجن

حين توصلت هوامش بخبر الإضراب عن الطعام، كان مضمونه أن أربعة معطلين يخوضون إضرابا عن الطعام، وحين وصلنا لم نجد سوى ثلاثة، استفسرنا عن الرابع لنعلم أنه معتقل حاليا ويقضي عقوبة سجنية مدتها 3 أشهر بتهمة “إهانة هيئة منظمة”.

قضى القرار الذي اتخذه الفرع بإقدامه على هذه الخطوة، بالدخول في الإضراب عن الطعام بشكل متدرج، في البداية بدأ محمود البوطريكي وعثمان الشواطي خطوة الأمعاء الفارغة، وفي اليوم الثالث انضاف إليهما محمد امريش، وفي اليوم السابع التحق بهم يوسف شركي كنوني.

يبلغ يوسف من العمر 26 سنة، كان يعمل أستاذا للتعليم الأولي وتم توقيفه، فالتحق بالجمعية وقرر خوض المعركة مع رفاقه، بدأ الإضراب عن الطعام “في اليوم السابع للمعركة” كما يوضح مسؤولو الفرع، حينها عرف شكلهم الاحتجاجي تدخلا عنيفا للقوات العمومية انتهى بتوقيف ثلاثة منهم، أحدهم يوسف الذي أعلن مواصلة إضرابه عن الطعام داخل السجن.

“منذ بداية الخطوة، كان القمع والترهيب هو السمة الأساسية البارزة من طرف السلطة المحلية والأجهزة الأمنية، بلغت حد اعتقال كل من عثمان الشواطي ويوسف شركي كنوني وبثينة شركي كنوني، أُطلق سراح بثينة وعثمان، واحتُفظ بالرفيق يوسف في حالة اعتقال في سجن عين عائشة” يقول محمود البوطريكي في حديث لهوامش. 

ويؤكد محمود أن يوسف “وصل ليومه التاسع عشر (يوم 19 ماي) وهو في زنزانة انفرادية، مع استمرار الحصار على الرفاق في معركتهم النضالية، وكذلك نهج سياسة الآذان الصماء والهروب من المسؤولية ونشر الإشاعات الزائفة في حقنا”.

وضع يستنكره عبد الواحد الناوي، رئيس فرع قرية با محمد للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الذي أكد أن “كل ما تعرض له المعطلون بقرية با محمد، من انتهاكات وتدخلات قمعية وكذلك من اعتقالات؛ لا يشكل استثناء بالنظر لما تناولته جمعيتنا في بياناتها منذ سنوات، المغرب يعيش حالة تسمى بالردّة الحقوقية، أي أننا في مرحلة الهجوم الكاسح على كافة الحقوق سواء السياسية أو المدنية أو الاجتماعية أو البيئية”.

الناوي الذي أعلن مؤازرته للمعطلين في خطواتهم الاحتجاجية، أضاف في حديث لـ “هوامش” “نحن نعتبر الحق في التشغيل كما تعتبره المنظمات الدولية، سواء العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ هو حق من حقوق الإنسان التي لا يمكن تجاوزها أو خرقها”.

حوار ووعود وحلول معلقة

في لقائنا به، دعا عبد الواحد الناوي “المسؤولين محليا أن يجلسوا إلى طاولة الحوار مع قيادة الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين هنا في القرية، بعيدا عن أي سمسرة وعن أي ضجيج، ونحمل الدولة في شخص مؤسساتها محليا كل المسؤولية فيما يمكن أن يحدث من وفاة أو استشهاد لأحد المعطلين المضربين عن الطعام”.

من جانبه، أكد رئيس المجلس الجماعي لقرية با محمد، عبد الحق بن حميدو، المنتخب عن حزب التجمع الوطني للأحرار، أنه منفتح لمعالجة ملف المعطلين، وأكد في لقائه مع “هوامش” أنه عقد لقاءات سابقة معهم “في إطار التفاعل الإيجابي مع حاملي الشواهد العاطلين عن العمل ومحاولة منا لإيجاد حلول ناجعة لهذه الفئة”.

وأكد بن حميدو في تصريح لـ “هوامش”، أنه “تم عقد لقاء بمقر جماعة قرية با محمد بتاريخ 08 ماي 2025، بحضور رئيس المجلس الجماعي، واثنين من نوابه، كما حضره فاعل جمعوي، وممثل عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وممثلي الفرع المحلي للمعطلين”.

وأضاف بن حميدو “قرر ممثلو المجلس الجماعي تخصيص ثلاثة مناصب شغل آنية كعمال عرضيين، مع الاحتفاظ بمنصب عامل عرضي كان قد استفاد منه سابقا أحد أعضاء الفرع المحلي للمعطلين، أي أربعة مناصب، وكذلك دراسة إمكانية عقد لقاء موسع مع رؤساء الجماعات المجاورة والسلطات المحلية المعنية، من أجل البحث عن إمكانية خلق فرص مماثلة بالجماعات الأخرى، بالإضافة إلى دراسة إمكانية عقد لقاء مع رؤساء الجمعيات المسيرة للمراكز الاجتماعية المحلية للنظر في إمكانية تشغيل هذه الفئة، في حال وجدت لديهم مناصب شاغرة”.

الرئيس يزعم والجمعية تنفي

رئيس المجلس الجماعي الذي كان يتلو تصريحه من ورقة أثناء لقائنا به، اتهم المعطلين برفض هذه الاقتراحات، وقال: “رفض بعض ممثلي ما يسمى بجمعية حاملي الشواهد العاطلين عن العمل كل هاته المقترحات وطالبوا بـ (..) عقد لقاء مع السيد الباشا يضمن لهم من خلاله مناصب في التعليم الأولي، وإخلاء سبيل المعتقل يوسف الشركي الكنوني”.

وأوضح الرئيس أنه “بعد أخذ ورد، تبين أن القضاء جهاز مستقل بذاته، ولا دخل للرئيس بشؤون القضاء، كما أن إبداء حسن النية والتعاون سيكون له وقع إيجابي”، وأضاف “تبين أنهم (المعطلين) غير إيجابيين في التعاطي مع المقترحات المقدمة، والمجلس يترك أبوابه مفتوحة متى كانت النية حسنة”.

وينفي الفرع المحلي للجمعية الوطنية عقد أي لقاء تفاوضي، يوم 8 ماي، كما جاء في تصريح رئيس المجلس الجماعي، ويوضح محمود البوطريكي أن الأمر يتعلق بلقاء لم يتم “في الأسبوع الأول من شهر ماي، أرادوا ترتيب حوار لنا مع المسؤولين، لم نرفض الحوار، لكننا رفضنا لعدم وجود الباشا على طاولة الحوار، بعد أن أكدوا لنا بأنه سيكون حاضرا، ولم يكن هناك أي لقاء بعد لقاء 30 أبريل بصفة قطعية”.

وبالمقابل يؤكد محمود رفض مقترح العمل كعرضيين، يقول: “رفضنا اقتراحهم للعمل كعمال عرضيين، لأن مطلبنا هو الشغل القار، وهذا العمل ليس كذلك، وأجره هزيل لا يتجاوز ألفي درهم، ما معنى أن يكون المعطل حاصلا على شواهد عليا، يقوم بنفس عمل الموظف العمومي، ثم يحصل على راتب ألفي درهم. ومن جهة أخرى مطالبنا هي مطالب جماعية، ومعركة الإضراب عن الطعام ليست معركة المضرب وحده، بل معركة الفرع المحلي للجمعية”.

من جهته، نفى رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان توصل الفرع بأي مراسلة بخصوص حضور الجمعية كطرف على طاولة الحوار، وأكد “بشدة عدم مشاركتها في أي حوار أو لقاء يتعلق بملف معطلي قرية با محمد”، مشيرا إلى أن الحوار يجب أن يُفتح بشكل مباشر مع مكتب فرع المعطلين بقرية با محمد”.

منذ وصولنا إلى مكان اعتصام المعطلين في قرية با محمد، يوم 18 ماي الجاري، عاينا عدة حالات إغماء في صفوف المضربين عن الطعام، فقد تم نقل محمد امريش مرتين الى المركز الصحي بقرية با محمد، في المرة الثانية استدعى وضعه الصحي تحويله إلى مدينة فاس على وجه السرعة، بينما بلغنا أن محمود البوطريكي نقل إلى مدينة فاس بعد تدهور وضعه الصحي.

اليوم يبلغ الإضراب عن الطعام 33 يوما بالنسبة لمحمود وعثمان، و30 يوما بالنسبة محمد امريش، و25 يوما بالنسبة ليوسف الذي يؤكد الفرع أنه يواصل إضرابه داخل سجن عين عائشة، يضاف إلى ذلك مشاكل صحية يعاني منها المضربون عن الطعام، فعثمان يعاني من القولون العصبي وجرثومة أصابت جهازه البولي، بينما اكتشف ظهور بثور والتهاب جلدي على ظهره لم يعرف مصدره.

حين غادرنا قرية با محمد، تركنا كثيرا من القلق في صفوف المعطلين، الذين يشاهدون أجساد زملائهم وهي تذبل، والأمهات اللواتي يحاولن التماسك أمام أبنائهن وأمام الآخرين حتى لا يضعف ذلك عزيمة المضربين عن الطعام؛ وبالمقابل أحضرنا سؤالا كبيرا: متى ينتبه هذا الوطن لأبنائه ويستفيد من طاقاتهم جميعا؟

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram