الرئيسية

“خطاب تمييزي”.. الإعلام المغربي متهم بالتحيّز في  تناول الهجرة 

في ظل تزايد الاهتمام العالمي بقضايا الهجرة، تكشف دراسة حديثة أعدتها الشبكة المغربية لصحافيي الهجرات عن اختلالات عميقة في تغطية الإعلام المغربي لهذا الملف، مسلطة الضوء على تحيزات بنيوية تطبع الخطاب الصحفي السائد. هذه الدراسة، التي حللت 184 مادة صحفية من 31 وسيلة إعلامية خلال سبعة أشهر، كشفت عن هيمنة المقاربة الأمنية والتركيز المفرط على الهجرة غير النظامية، مقابل تهميش شبه كامل لأصوات المهاجرين، وغياب شبه تام للنساء منهم، حيث لم تتجاوز نسبة ظهورهن 2%.

“هوامش”| محمد تغروت

كشفت دراسة حديثة حول التغطية الإعلامية لقضايا الهجرات الأجنبية في المغرب، أصدرتها الشبكة المغربية لصحافيي الهجرات، عن وجود قوالب نمطية، وخطاب تمييزي، مع التركيز على الهجرات القادمة من دول جنوب الصحراء، في التغطية الصحفية لقضايا الهجرة في وسائل الإعلام المغربية.

ولاحظت الدراسة الكمية والتحليلية، التي أنجزها محمد كريم بوخصاص، وهو صحافي وأستاذ في جامعة مولاي إسماعيل في مكناس، استخدام التعميمات والإصرار على هوية الجاني وأصله عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين. مبرزا أن الخطاب التمييزي يظهر في عدد من وسائل الإعلام المطبوعة والرقمية، ويتمثل في التهويل في تصوير المهاجرين كمصدر تهديد أو خطر على المجتمع.

وكشفت الدراسة التي أعدتها شبكة RMJM بشراكة مع CCFD-Terres Solidaires، أن حضور النساء المهاجرات يكاد يكون منعدما في الإعلام. إذ من بين 184 مقالة في العينة، لم تذكرهن سوى ثلاثة مقالات فقط، وهو ما يمثل أقل من 2% من التغطية التي تم تحليلها. 

هيمنة الأجناس الصحفية الإخبارية  

وخلصت الدراسة إلى أن معالجة قضايا الهجرة الأجنبية تتم بمقاربة إخبارية وليست تفسيرية أو استقصائية، موضحة أن 85% من المحتوى الذي تم تحليله ينتمي إلى الأنواع الصحفية ”الإخبارية“، وهو رقم يعكس توجه وسائل الإعلام المغربية المكتوبة نحو النقل السريع والمحايد للأخبار، لكن دون أي معالجة صحفية معمقة. 

وفي التفاصيل، أوضحت الدراسة أن التقارير احتلت المرتبة الأولى بنسبة 33 %، مما يشير إلى أن ما يقارب ثلث التغطيات الإعلامية لقضايا الهجرة يعتمد على التقارير الإخبارية، إذ جاء الخبر المختصر في المرتبة الثانية بنسبة 28 %، يليه الخبر الموضح، بنسبة 24 %، وعند جمع هذه الأجناس الثلاثة، يتبين أنها تشكل الغالبية العظمى من المعالجة الإعلامية، بنسبة إجمالية تبلغ 85 %. 

واعتبر الباحث أن نسبة الأجناس، التي تتناول قضايا الهجرة، يعكس توجه الإعلام المغربي نحو التركيز على نقل الأخبار والأحداث الجديدة بشكل سريع ومحايد، من خلال الإجابة عن الأسئلة الخمسة الأساسية: من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ وكيف؟، وفي بعض الحالات السؤال السادس: لماذا؟، وبإضافة 5 % من المعالجات التي اعتمدت على القصة الصحافية، التي تهدف إلى أنسنة الموضوع، وتقديم المعلومات بطريقة أكثر قربا للجمهور، ينتقل إجمالي المعالجات الخبرية للموضوع إلى 90 %.

في حين تتوزع النسبة المتبقية، المتمثلة في 10 %، بين الأجناس الصحفية الأكثر عمقا والتي تعتمد على البحث والملاحظة الميدانية، مثل الربورتاج، والحوار، والتحقيق الاستقصائي، إذ بلغ استخدام هذه الأجناس الصحافية الكبرى نسبة 7 % فقط، توزعت بين 3 % للحوار، و 2 % لكل من الربورتاج والتحقيق الاستقصائي، ليأتي في المرتبة الأخيرة مقال الرأي، بنسبة 3 % من إجمالي المعالجات الإعلامية.

هيمنة المصادر الرسمية وتهميش المعنيين والخبراء

وأبرزت الدراسة أن المصادر، المستشهد بها في المحتوى، غالبًا ما تقتصر على المتحدثين الرسميين، ويقل وجود مصادر متنوعة (منظمات غير حكومية وخبراء)، إذ تُظهر الدراسة أن المصادر الرسمية (المسؤولون والوثائق الصادر عن الجهات الرسمية) تشكل غالبية المتحدثين في تغطية قضايا الهجرة (45%)، يليها الخبراء (13.5%) وأخيرًا المهاجرون المستشهد بهم بنسبة 3% في المحتويات التي تم تحليلها. 

وأضافت الدراسة أن المصادر الرسمية تشكل النسبة الأكبر من المتحدثين في تغطية قضايا الهجرة، حيث تبلغ نسبتهم 35 %، وتتمثل في الاعتماد بشكل رئيسي على البلاغات والإحصاءات والمعطيات الصادرة عن المؤسسات الرسمية والأمنية والعسكرية، خاصة فيما يتعلق بتقديم معلومات حول توقيف المهاجرين، أو إحباط عمليات التسلل، والهجرة غير النظامية، أو إنقاذ مهاجرين في عرض البحر. 

في حين يحتل الخبراء المرتبة الثانية بين المتحدثين، بنسبة 13.5 %، وتشمل تصريحات الأكاديميين والحقوقيين والنشطاء التي يتم إدراجها في المواد المنشورة، يليهم المسؤولون الرسميون، بنسبة 10 %، وهم يشملون صناع القرار والمسؤولين الحكوميين الذين يتعرضون لقضايا الهجرة من موقعهم في السلطة.

ولفتت الدراسة الانتباه إلى أن المهاجرين/المهاجرات، الذين يعدون محور التغطيات الإعلامية يتواجدون في ذيل قائمة المتحدثين، بنسبة لا تتجاوز 3 %، وهو ما اعتبر الباحث أنه “يعكس محدودية منح الإعلام المغربي الكلمة للمهاجرين أنفسهم”، مضيفا أن الأمر نفسه ينطبق على شهود العيان، الذين يشكلون نسبة ضئيلة مماثلة تبلغ 3 %. 

وسجلت الدراسة أن نسبة المصادر المجهولة أكبر من نسبة المهاجرين أنفسهم وشهود العيان معا، في تغطيات الصحافيين، حيث تصل إلى 6.5 %، في حين تمثل المنظمات غير الحكومية 7 % من المتحدثين، وتشكل وسائل الإعلام نسبة 4 %، والمنظمات الدولية  3.5 %، فيما تستخدم الدراسات كمصدر بنسبة 3 % فقط.

أما المصادر المتنوعة التي تعتمد على أكثر من مصدر واحد، فتستحوذ على 11.5 % من التغطيات، مما يعكس تنوعا في الاعتماد على مصادر متعددة في بعض الحالات.

الهجرة غير النظامية نصيب الأسد في التغطية الإعلامية

أوضحت الدراسة أن التغطية الإعلامية تركز بشكل أكبر على الهجرة غير النظامية، مشيرة إلى أن 72% من المقالات خصصت لهذا الموضوع. وأن وسائل الإعلام تركز على محاولات الهجرة غير النظامية عبر الحدود، سواء عن طريق البر أو البحر، وهو ما اعتبرته نظرة اختزالية للهجرة بكل تنوعها.

وخلصت الدراسة إلى أن “الأمن ومراقبة الحدود” هما الموضوعان الأكثر شيوعًا في التغطية الإعلامية المغربية، حيث يمثلان 49% من المقالات التي تم تحليلها. وتمثل الموضوعات التي تربط بين حقوق الإنسان والهجرة 17% من التغطية، يليها موضوع إدماج المهاجرين بنسبة 9%.

منهجية مركبة لتحليل الظاهرة

وغطت الدراسة، وفقا لبلاغ صادر عن الشبكة، فترة رصد مدتها ستة أشهر (من 1 يناير إلى 30 يونيو 2024)، مع إضافة شهر دجنبر 2023، نظراً لأهمية الاحتفال باليوم الدولي للمهاجرين في 18 دجنبر. وتم تحليل ما نشرته 31 وسيلة إعلام مغربية: 27 وسيلة إعلام رقمية، و4 وسائل إعلام مطبوعة (صحيفتان يوميتان وصحيفتان أسبوعيتان).

وباعتماد البحث في المحتوى، خلال فترة الدراسة، على قائمة واسعة من الكلمات المفتاحية، اختار منها معدو الدراسة 24 كلمة مفتاحية، باللغات الثلاث (العربية والفرنسية والإنجليزية)، تتعلق بالهجرة الأجنبية في المغرب. وتم تحليل عدة آلاف من المقالات، قبل أن يتم تحديد 184 مقالة صحفية رقمية ومطبوعة خلال الفترة المدروسة، وشكل المحتوى الذي تم تحليله باللغة العربية نسبة 72% منها. وأشار البلاغ إلى أن وسائل الإعلام المغربية عمومًا لم تنتج سوى القليل جدًا عن هذا الموضوع، موضحا أن 47% من المحتوى الذي تم تحليله أنتجته تسع وسائل إعلام رقمية. 

 واعتمدت الدراسة استراتيجية منهجية مركبة، تجمع بين الوصف والتحليل، لجمع معلومات دقيقة حول الظاهرة المدروسة كما هي في الواقع، وذلك من خلال رصد ما نشرته وسائل الإعلام المغربية حول الهجرة الأجنبية، وتحليل طرق معالجتها لهذه القضايا، وفهم ديناميكيات التحيزات المحتملة في التناول الإعلامي لقضايا الهجرة، وتحليل المعطيات الإحصائية وتفسيرها ومناقشتها، لاستخلاص النتائج المتعلقة بمستوى تأثير المتغيرات المختلفة على المعالجة الإعلامية.

وتأمل الشبكة المغربية لصحافيي الهجرات أن تكون هذه الدراسة نقطة انطلاق لتزويد الصحافيين، وفاعلي المجتمع المدني، وصناع القرار، بأدوات تشجع على تغطية أكثر توازنا وتنوعا واحتراما لحقوق المهاجرين. كما تدعو إلى تبني النتائج جماعيا، لتعزيز التفكير نحو تمثيل أفضل لقضايا الهجرة في المشهد الإعلامي المغربي.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram