الرئيسية

محمد زيان.. رحلة محامٍ من أضواء السلطة إلى ظلام السجون

قضية المحامي، والنقيب السابق محمد زيان، تسلط الضوء على تقاطع المسار المهني والسياسي لشخصية تقلدت مناصب داخل الدولة، قبل أن تتحول إلى طرف ناقد لسياساتها، ثم أحد المغضوب عليهم. توبع زيان بمجموعة من التهم التي أثارت جدلًا واسعًا، خاصة في ظل اعتراضه على مسار المحاكمة، والحديث عن غياب ضمانات الدفاع. ترافقت هذه التطورات مع ردود فعل حقوقية دولية طالبت بضمان المحاكمة العادلة، في وقت تتباين فيه المواقف بشأن دلالات هذه القضية وحدود حرية التعبير في السياق المغربي الراهن.

“هوامش”| سعيد المرابط: 

الحكمُ الجديد الذي صدر عن محكمة الاستئناف في الرباط، خلال الأسبوع الأول من ماي الجاري؛ والذي خفّض عقوبة محمد زيان، إلى ثلاث سنوات نافذة بدل خمسٍ، لم يُخفّف من ثقل الأسئلة المعلقة في الفضاء العام.

الرجل الثمانيني، لم يكن ناشطًا راديكاليا معروفا بمعارضة النظام، ولا خصمًا هامشيًا سرعان ما يغيب، بل كان محامي الدولة سابقا، ووزير حقوق الإنسان في عهد الحسن الثاني، قبل أن يتحول إلى أكبر المعتقلين سنّا ووزنا في المغرب بعد انتقاداته الحادة لنظام الحكم. 

لذا، يعتبر الكثيرون أن محاكمته واعتقاله لم يكونا مجرد حدث قانوني، بل لحظة مفصلية في علاقة السلطة بالمخالفين، خاصة أولئك الذين خرجوا من رحم الدولة نفسها.

محمد زيان.. من دوائر السلطة إلى خط المواجهة

تدرج محمد زيان، المولود سنة 1943، في مساره المهني محاميًا ونقيبًا للمحامين ثم وزيرا، محققًا حضورًا قانونيًا وسياسيًا وازنًا داخل المنظومة، حيث تقلد منصب وزير حقوق الإنسان بين 1995 و1997، واشتهر بلغة خطاب جريئة حتى وهو في موقع المسؤولية، لكنه في سنوات ما بعد المنصب الوزاري انقلب إلى معارض شديد لنظام الحكم، متهمًا مؤسسات أمنية واستخباراتية بتسيير الدولة من خلف الستار، وهو ما أطلق عليه لاحقًا مصطلح “البنية السرية” في أكثر من تصريح علني، نفس المصطلح كرره المؤرخ المغربي المعطي منجب في تصريحاته بعد خروجه من السجن.

لم ينخرط زيان في المعارضة الحزبية التقليدية، رغم أنه أسس “الحزب المغربي الليبرالي”، بل اتخذ من مهنة المحاماة والإعلام منبرًا سياسيًا مغايرًا، يدمج بين النقد الحقوقي والخطاب الصدامي، وذلك ما أكسبه شهرة في الأوساط الإعلامية، لكنه جعله في نفس الوقت هدفًا لحملات قضائية متلاحقة.

في تصريح لـ”هوامش”، يقول الناشط الحقوقي ومنسق “الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين”، فؤاد عبد المومني، إن “مواقف زيان تدل على أنه حتى محيط المخزن التقليدي أصبح يمتعض من سياسات القصر، وبأن هذا المحيط قادر على بناء خطاب مزعج بل وأحيانا جارح تجاه سلوكات هذا الوسط”.

ويضيف المومني أن قضية زيان “تبين أن الماسكين بالسلطة، يستشعرون خطورة أن تلتقي أوساط مختلفة، بما فيها أشخاص من المخزن التقليدي، على خطاب نقدي لاذع، ولذا يريدون إبلاغ رسالة حادة جدا لمن هم في محيطهم بأن الارتداد ضدهم غير مقبول”.

القضية والاتهامات.. محاكمة أم تصفية سياسية؟

في نوفمبر 2022، صدر حكم قضائي بالسجن ثلاث سنوات نافذة في حق محمد زيان، بعد إدانته في إحدى عشرة تهمة جنائية، شملت “التحرش الجنسي”، و“الخيانة الزوجية”، و“نشر صور بدون إذن”، و“إهانة هيئات منظمة”، و”التحريض على خرق قرارات قضائية”. 

تلك التهم جاءت على خلفية دعوى رفعتها وزارة الداخلية، بعد تصريحات لزيان اتهم فيها أجهزة الأمن بفبركة فيديو فاضح له بغرض تشويه سمعته، نُشر على موقع إخباري معروف بـ”التشهير”، ضد المنتقدين والصحافيين والنشطاء، وكذلك بقربه من أجهزة الاستخبارات الأمنية. 

المحاكمة أثارت جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب مضمون التهم، بل بسبب الشكل الذي جرت به، فقد أكد زيان، قبل اعتقاله، أنه “لم يُبلغ بموعد جلسة الاستئناف”، وأن الحكم صدر غيابيًا دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه. 

من جهتها، اعتبرت النيابة العامة أن “المسار القضائي سليم”، وأن الحكم “يستند إلى دلائل واضحة”. لكن المنظمات الحقوقية رأت في ذلك “محاكمة صورية”، معتبرة أن زيان “يُحاكم بسبب مواقفه السياسية لا لأسباب جنائية بحتة”.

طريق زيان.. من المحكمة إلى الزنزانة 

لم يتوقف محمد زيان عن التعبير عن رأيه في كل الظروف. ففي تصريح سابق لوكالة “فرانس برس” قال: “أُحاكم بسبب آرائي، لم يتم استدعائي ولم أتمكن من الدفاع عن نفسي”. 

وبعد اعتقاله، كتب من داخل السجن رسالة شديدة اللهجة، اعتبر فيها أن اعتقاله جاء نتيجة مقابلة صحفية طالب فيها الملك محمد السادس بـ”التنازل عن العرش أو إثبات أهليته للحكم”، وهو ما فُسّر على أنه تجاوز للخطوط الحمراء. 

وفي الرسالة ذاتها، قال زيان إن حالة حقوق الإنسان في المغرب اليوم “أسوأ من تلك التي شهدها المغرب خلال نهاية نظام الحسن الثاني”.

صوت العائلة والدفاع 

علي رضا زيان، نجل محمد زيان ومحاميه، وصف المحاكمة بأنها “انتهاك غير مسبوق”، وقال إن الحكم صدر دون أن يُستمع إلى والده أو دفاعه. 

واعتبر زيان الابن بعد  الحكم على والده بخمس سنوات “حكمًا مقنّعًا بالمؤبد”، موضحًا، في تصريحات لوسائل الإعلام، أن والده تجاوز الثمانين عامًا وأنه “قد لا يخرج حيًا من السجن”. مستنكرا ما يتعرض  له رجل شارف على نهاية عمره، وهو يُعامل كخصم سياسي خطير، لا كرجل متقدم في السن وصاحب رأي.

الجانب الحقوقي والصمت الرسمي

في الوقت الذي التزمت فيه الحكومة المغربية بالصمت حيال القضية، أصدرت منظمات حقوقية بيانات تدين ما وصفته بـ”الاعتقال التعسفي”، معتبرة أن زيان لم يُحاكم محاكمة عادلة.

“الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين” (همم)، ذكرت أن الجلسة الاستئنافية الوحيدة “لم تُمكّن الرجل من الحديث ولا الدفاع من المرافعة”. 

كما طالبت منظمات دولية، منها “منظمة العفو الدولية” (أمنستي) و”هيومن رايتس ووتش”، بفتح تحقيق في ظروف المحاكمة والاعتقال، خاصة أن الرجل يعاني من أمراض الشيخوخة.

هل انتهى زمن الصوت الخارج عن النص؟

في تصريح لـ”هوامش” يقول المؤرخ المغربي المعطي منجب، إن زيان اعتقل في نونبر 2022، “بعد تهديده بالاعتقال عدة مرات، وفي عشرات المقالات على مواقع وجرائد قريبة من السلطات، إن هو لم يتوقف عن إدانة النظام السياسي والحكومة في ما يخص قضايا الاعتقال السياسيّ والفساد”.

ويضيف منجب، أن النقيب زيان “كان معروفًا عنه أنه ينهي الكثير من التصريحات الصحفية بالمطالبة بإرجاع ‘ذهب طاطا’ و’سمك الجنوب’ و’أموال الفوسفاط’ التي يسرقونها من جيوب المواطنين، ليتم في الأخير اعتقاله خارج القانون، وفي خرق سافر من مكتبه وسط الرباط”.

وأشار منجب إلى أن “المعروف عن زيان أنه دافع عن معتقلي حراك الريف، ودافع كذلك عن الصحافي توفيق بوعشرين، ليعتقل ابنه ناصر سنة 2020 انتقامًا منه، بتهمةٍ مختلقة تقول بأنه شارك في بيع كمامات مزورة للوقاية من فيروس كوفيد-19”.

“أفضل الموت في السجن على الانبطاح  للظلم”

في تطوّر جديد، يتعلق بالمسار القضائي للنقيب محمد زيان، أفاد بلاغ صادر عن دفاعه، بتاريخ 14 ماي 2025، أن الأخير “تقدّم رسميًا بطعن بالنقض أمام محكمة النقض في الرباط، ضد القرار الصادر عن غرفة الجنايات المالية الاستئنافية، القاضي بسجنه ثلاث سنوات نافذة”.

ويُؤكّد البلاغ، الموقّع من طرف ابنه المحامي علي رضا زيان، والذي توصلت “هوامش” بنسخة منه، أن هذا الإجراء القضائي يأتي في إطار تمسّك النقيب زيان ببراءته، ورفضه القاطع لما اعتبره “إقرارًا ضمنيًا” بالحكم الصادر ضده، لو أنه اختار عدم الطعن. 

وأضاف النقيب، في تصريح نقله دفاعه، “أفضل الموت في السجن على أن أنبطح للظلم، وأفضل أن أموت واقفًا على قدميّ على أن أعيش جاثيًا على ركبتيّ”.

وعبّر زيان عن إدراكه التام لتبعات هذا القرار، خاصة ما يرتبط بحرمانه من إمكانية دمج العقوبات وتمديد فترة اعتقاله، لكنه شدّد على أن “التمسّك بالحقيقة والعدالة يسمو على اعتبارات الحرية الشخصية”.

بينما كان المغرب يترأس مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، في لحظة دبلوماسية أريد لها أن تعكس صورة بلدٍ ملتزم بالحريات والعدالة، ظلَ محمد زيان يقبع في “سجن الشيخوخة”، لا بتهمٍ واضحة، بل “بأحكم ثقيلة بسبب انتقاده” وفق ما يؤكده ابنه في مقابلات صحفية، ليكون عبرة تظهر أن الدولة “لا تتسامح مع الخارجين عن النص”.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram