الرئيسية

روبورتاج| الغلاء يفرض التقشف على موائد المغاربة في رمضان

أصبح الغلاء جزءا من يوميات المغاربة في شهر رمضان، فللسنة الثانية على التوالي، يبدأ المغاربة هذا الشهر المقدس لدى عموم المسلمين، وأيديهم على قلوبهم لقلة ما في جيوبهم. ولم تعد في المغرب نقاشات أكثر حدّة من ارتفاع أسعار المنتجات الأساسية، "خاصة الحليب" يقول الحسن، شاب من الدار البيضاء .يٌضاف هذا المعطى المحلي إلى السياق العالمي، الذي طبعته الحرب الروسية على أوكرانيا، وأثر الجفاف الذي يخيم على البلاد منذ ثلاث سنوات.

“هوامش” | الدار البيضاء

أسعار فوق العادة

يغص سوق “مارشي  سونطرال”، في الدار البيضاء، بالناس الذين يسارعون لاقتناء حاجياتهم وإعداد وجبة الفطور.

وتعتبر الطماطم أكثر المنتجات طلبا، لأنها المكون الأساسي في تحضير “الحريرة”، وهو الحساء المغربي المسيطر على موائد الإفطار. وتجاوز ثمن الكيلوغرام الواحد من الطماطم عتبة 12 درهما، وهو أغلى من المعتاد بكثير.

الأسماك بدورها تعرف إقبالا متزايدا خلال هذا الشهر الذي، “يشهد أكبر كمية من المبيعات السمكية”، حسب  معاذ، صاحب محل لبيع الأسماك. ويتراوح سعر سمك السردين بين 20 و25 درهما، أما “الميرلا” (الغَوْبَر) فقد يصل إلى 100 درهم وهو نفس سعر سمك “الصول”.

هوامش : صور أيوب العسيري من أحد الأسواق المغربية

“هناك إقبال متزايد كالعادة في شهر رمضان، ومن الطبيعي أن ترتفع الأسعار في هذه الفترة ، لكنها ارتفعت بشكل غير طبيعي هذا العام، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الوقود. نحن نشتري من الوسطاء بأثمنة باهظة، ولا خيار لنا سوى رفع السعر”، يقول الشاب البيضاوي، فاتحا ذراعيه في إشارة إلى قلة الحيلة.

هذا العام أيضًا، ارتفع ثمن الكيلوغرام من التمور بنحو ملحوظ، وانخفض الإنتاج الوطني بنحو 20 بالمئة بسبب قلة الأمطار، رغم أن بعض أصحاب المحلات في العاصمة الاقتصادية أوضحوا أنهم لم يلاحظوا زيادة في أسعارها.

“لدينا تمور مغربية، ولكن لدينا أيضًا من الجزائر وتونس والسعودية”، يوضح صاحب متجر صغير في وسط المدينة.

وتعتبر التمور بدورها من المواد الأساسية على موائد المغاربة في رمضان، ويقدر أن كل مغربي يستهلك، في المتوسط​​، “أكثر من ثلاثة كيلوغرامات من التمور في السنة”.

تقول فاطمة، التي قابلتها “هوامش” في سوق المدينة القديمة، إن “رمضان هذا العام مختلف بعض الشيء، إذ أصبحت سلع الحليب والطماطم والتمور، التي يتم استهلاكها بشكل كبير في هذا الشهر، باهظة الثمن”.

فاطمة التي كانت تساوم بائع الخضر متذمرة من ارتفاع الأسعار، علّقت قائلة “لم أر قط سعر البصل يصل 15 درهما للكيلوغرام الواحد”، وأضافت أن هذا الوضع فرض على الناس “خفض نفقات مائدة الإفطار”.

تقييد الصادرات

ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك في شهر يناير بـ 9 في المئة تقريبًا، وهو رقم بلغ 16.8 في المئة في المنتجات الغذائية، وفقًا لبيانات المندوبية السامية للتخطيط.

إن لهيب الأسعار الذي وصل حدته في بداية يناير 2023، كانت قد انطلقت  شرارته منذ أبريل 2022.  ووصل أعلى مستوياته مع مطلع شهر رمضان.

 وكان تقرير المندوبية السامية للتخطيط، الذي ينشر كل سنة من أجل  قياس مستوى وتطـور أثمان التقسيط،  قد أكد أن الرقم الاستدلالي “للمواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية” عرف ارتفاعا قدره  11,3 بالمئة خلال سنة 2022 مقارنة مع سنة 2021. 

وبتحليل الأرقام والمعطيات التي كشف عنها التقرير، فإن المواطن الذي كان يشتري 5 لترات من الزيت بـ 90 درهم سنة 2021 أصبح يشتريها بـ120 درهم، وذلك وفق الزيادة التي عرفتها الدهنيات والزيوت والتي بلغت 26,4 بالمئة.

أما أثمنة الخضر التي وصلت إلى مستويات قياسية بداية السنة الجارية، فإنها عرفت زيادة بمعدل 15,7 بالمئة سنة 2022، وعرفت مواد أساسية أخرى زيادات وصلت 14,4 بالمئة، خاصة الخبز والحبوب، و 7,9 بالمئة بالنسبة للحوم، وعرفت مواد مثل الحليب والجبن والبيض زيادة بـ 6,9 بالمئة، إضافة إلى الفواكه التي وصلت إلى 5,6 بالمئة والسمك وفواكه البحر التي ارتفعت بـ 4,6 بالمئة.

هوامش : صور أيوب العسيري من أحد الأسواق المغربية

 وحسب تقرير المندوبية فقد عرفت المحروقات زيادة كبيرة، بسبب قرار رفع الدعم عنها من قبل الحكومة السابقة التي كان يرأسها عبد الإله بنكيران، والذي لم تتراجع عنه الحكومة الحالية بقيادة عبد العزيز أخنوش. ووفقا لذلك عرف الرقم الاستدلالي لقسم “النقل” ارتفاعا قدره 12,2 بالمئة.  

وتعزى النسب المرتفعة لقسم النقل إلى ارتفاع أثمان “المحروقات وزيوت السيارات السياحية” بـ 42,3 بالمئة.

وللتخفيف من ارتفاع الأسعار، أعلنت الحكومة المغربية أنها ستحدّ من صادرات الفواكه والخضر والبواكر من أجل تزويد السوق الداخلي بما يكفي من المواد. وهو الإجراء الذي تسبب في غضب بعض المنتجين خصوصًا في منطقة أكادير، جنوب البلاد.

وحسب تقارير صحافية مغربية، التقى المصدرون خلال الأسبوع الماضي بمسؤولين من وزارة الفلاحة “للاحتجاج على هذا القرار”، وأعربوا عن رفضهم له لأنه تسبب لهم في خسائر، بحجة أن سعر البيع بالمغرب أقل من كلفة الإنتاج.

منتجو الخضر والفواكه تمسكوا بتنفيذ الحكومة لوعدها بالحفاظ على الموازنة بين ما يبيعونه في المغرب وما يصدرونه، “للحفاظ على القدرة  الشرائية للمواطنين”، حسب ذات التقارير الإعلامية.

الشارع يتحرك 

على وقع هذا الغلاء، دعت “الجبهة الاجتماعية المغربية”، وهي ائتلاف يضم عدة منظمات مغربية، كل فروعها، إلى “تنظيم وقفات احتجاجية في مختلف مناطق المغرب، يوم السبت 08 أبريل، احتجاجا على غلاء الأسعار”.

وسجلت السكرتارية الوطنية للجبهة، أن الأوضاع الاجتماعية تتسم بـ”الغلاء الخطير وغير المسبوق للمواد الغذائية الأساسية وعلى رأسها اللحوم والأسماك وخاصة الخضر”، حسب ما جاء في بلاغ توصلت به “هوامش”.

واستنكرت الجبهة الاجتماعية هذا “الغلاء الفاحش وغير المبرر لأسعار المحروقات المستمر، رغم انخفاض ثمن البترول على الصعيد الدولي، في ظل استمرار الوضع بالنسبة لشركة ‘لاسامير’ بالمحمدية على ما هو عليه نتيجة غياب قرار استراتيجي واضح للدولة بخصوص الاستثمار في تكرير البترول”.

ارتفاع الأسعار أثر على مهن أخرى

المهدي العلمي الإدريسي، 50 عاماً، يعمل مدربًا للفنون القتالية في صالة رياضية بمدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط منذ 23 عامًا.

في حديثه لـ”هوامش” قال المهدي إن “الصالات الرياضية بالأحياء الشعبية تعيش حاليا وضعا صعبا للغاية، بعد أن تفاقم خلال السنوات الأخيرة”.

ويعبر هذا المدرب عن أسفه قائلًا، “لقد أصابت الأسعار المرتفعة جيوب المواطنين في مقتل، خاصة الفقراء والطبقة الوسطى، فمعظم العائلات تكافح من أجل توفير نفقاتها، لذلك توقفت عن إرسال أبنائها إلى الصالات الرياضية”.

وأوضح محدثنا أنه يضطر للعمل أحيانًا كـ”مساعد لتاجر ملابس رياضية من أجل كسب المزيد من المال، لتغطية نفقات الأسرة”. 

وأصبحت أثمنة التسوق والمعيشة اليومية مكلفة أكثر في المغرب، خاصةً الألبان والفواكه والخضروات بالإضافة إلى اللحوم والبنزين، “وهذا كله ينعكس على موائدنا في رمضان التي أصبحت شبه خالية”، يضيف المهدي.

ويوضح المتحدث أنه “منذ الوباء [كورونا] تغير كل شيء، إذ أدى الارتفاع المستمر للأسعار، في ظل تجميد الأجور، إلى تعطيل حياة المغاربة، لدرجة لم يعد المدخول الشهري للعديد من الأسر المغربية كافيا لتغطية النفقات إلى نهاية الشهر”.

الإحتكار وسوء التدبير .. الأسباب غير المعلنة 

اعتبر الخبير الاقتصادي المغربي، فؤاد عبد المومني، في تصريح لـ”هوامش”، أن “التضخم وارتفاع الأسعار عرف مستويات خطيرة في المرحلة الأخيرة، حيث أنه أعلن رسميًا أن التضخم تجاوز الـ10 بالمئة عند متم شهر فبراير الماضي مقارنة مع فبراير 2020، كما أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن هذه النسبة من التضخم تضاعفت إلى 20 بالمئة بالنسبة لما هو مرتبط بالمواد الغذائية”.

وأشار عبد المومني، إلى أن هذه “ضربة قوية لمستوى عيش الطبقات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع، لأن الدخل الفردي بقي مستقرًا ولم يعرف أي تحسن ملموس متوسط خلال السنوات الأربع الأخيرة. ويزداد الأمر سوءًا حين نعلم أن هذا الاستقرار في الدخل المتوسط مر عبر ارتفاعٍ ملحوظ في دخل أصحاب الثروات الكبرى، وتدنيًا ملموسًا لدخل الفئات المتوسطة والضعيفة”.

“السلطات العمومية تعزو هذا الارتفاع في الأسعار لإغلاق الحدود لمدة طويلة خلال جائحة كورونا، ولمخلفات حرب أوكرانيا وتأثيرها على الأثمان الدولية وسلاسل التوريد، وللجفاف والصقيع اللذين عرفتهما البلاد خلال السنتين الفارطتين بشكل أعنف من سابقاتها، إلا أن هذه الأسباب وإن كانت تفسر جزءًا من الظاهرة، إلا أنها ليست هي الأسباب العميقة لهذه الوضعية”، يوضح عبد المومني.

والأسباب العميقة، وفق الأمين العام السابق لـ”الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة”، (ترانسبرانسي المغرب) غير الحكومية؛ “هي غياب نمو ملموس للاقتصاد المغربي، بالإضافة إلى الاحتكار والمحسوبية والاستثمار في البذخ والجيش والفيلة البيضاء والإرشاء وإعطاء الأفضلية للاستيراد بدل الإنتاج في مقابل إعطاء الأولوية للتصدير بدل السوق الداخلية بالنسبة للإنتاج الفلاحي”.

هوامش : صور أيوب العسيري من أحد الأسواق المغربية

وأكد المتحدث أن ما سلف ذكره هو ما يسبب “تدهور نسب نمو الاقتصاد المغربي، وبالتالي عدم قدرته على خلق موارد محترمة للدخل بالنسبة لأغلب أفراد المجتمع، كما لا يسمح بإمكانية ربط المداخيل، وخصوصًا الأجور، بمستوى الأثمنة وتقلباتها”. 

ويرى عبد المومني أن “الاقتصاد المغربي بفعل السياسات والاختيارات المُتبعة منذ جيلين نجد 14 مليون من الكهول خارج سوق الشغل، مقابل 10 مليون ونصف المليون ممن يتوفرون على منصب شغل، من بينهم أزيد من مليونين ونصف المليون من المشتغلين غير المأجورين يعتبرون مساعدين عائليين، وأكثر من أربعة ملايين لا يتمتعون بالحدود الدنيا للعمل اللائق، وبشكل خاص من دخلٍ أدنى محترم، وعقد عمل مستقر، وتغطية صحية واجتماعية”.

“ويضاف إلى عامل البطالة، وبالتالي غياب الدخل، التوزيع غير العادل للثروة والدخل الذي يؤدي إلى تكديس المزيد من الثروات لدى أقلية ضئيلة من أصحاب الريع والقرب من مراكز السلطة، والتخلي عن الأغلبية الساحقة من المجتمع، وترك الحبل على الغارب للمضاربين الذين يتمتعون بامتيازات تدخل في كافة المبيعات” يشرح المتحدث.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram