الرئيسية

بعد مأساة مليلية.. إسبانيا والمغرب يشيدان باحتواء الهجرة.. وشهادات الناجين تدين الطرفين

يستعيد من التقيناهم من الناجين تفاصيل ما حدث قرب السياج وعند البوابة وعلى أرض مليلية، من تمكنوا من العبور يحكون التفاصيل بتدقيق يوشكون أن يذكروا من خلاله حتى عدد قطرات العرق والدماء التي نزّت من أجسادهم في تلك الساعات المريرة.

خاص- “هوامش”:

بينما كان وزيرا داخلية المغرب وإسبانيا، يجتمعان في الرباط، بعيدًا عن أعين الصحافة، كانت “هوامش”، تجوب دروب مدينة الدار البيضاء، بحثًا عن المهاجرين الذين أبعدتهم السلطات من مدينة الناظور، كنا وإياكم نبحث عن تفاصيل وخبايا أحداث الجمعة الدامي.

قادنا الشغف الصحفي، والسعي وراء الحقيقة إلى ضواحي العاصمة الاقتصادية، إلى احياءها الهامشية، إلى حيث الفقر المدقع، الصارخ والبادي للعيان، وهناك حيث “البيضاء” مجازًا، سوداء واقعًا، التقت “هوامش” بالمهاجرين المبعدين من الناظور، استمعت إلى شهاداتهم التي تروي ما جرى تحت ظلال سياج مليلية، والتي تتهم إسبانيا إلى جانب المغرب بارتكاب خروقات لحقوق الانسان وحقوق المهاجرين.

“لا نستحق هذا المصير”

داخل مدرسة مهجورة، قرب محطة المسافرين الشهيرة “أولاد زيان”، التقت “هوامش”، بعض الناجين، الذين جعلوا من هذا المكان الهامشي والمتسخ، ملجأ لهم، لجراحهم، ولذكريات حزينة نقشت في البال، في الجسد وفي ثنايا المشاعر؛ ذكريات قاتمة معشقة بالحزن الكابي الذي خلفه الجمعة الأسود.

“هذا ليس المصير الذي نستحق، ليس لنا عمل ولا يعطوننا وثائق إقامة، وبالكاد نتمكن من الحصول على قطعة خبز وماء”، يوضح السوداني أحمد حامد، ذو الـ23 عامًا، التي قضى منها ثلاثةً وهو يرتحل فرارًا من الحرب والبؤس في السودان، يحاول العبور إلى الفردوس المنشود، ولكنه لا يزال الآن يتجول في شوارع دولة افريقية.

تواجد أحمد، هنا بمعية الآخرين؛ على الأرصفة الصماء ووسط المباني الخرِبة في هذا البلد يعني سلامة الأوروبيين أنفسهم من مواطني أفريقيا جنوب الصحراء، ولكنه حقيقةً يظل وصمة عار على جبين الانسانية، ويتساءل حقًا “هل للإنسان حقوق يراد بها باطل؟”.

هنا في “مدرسة المقبرة” المهجورة والمتسخة يستلقون وينامون بعيدًا عن صخب وضجيج العاصمة الاقتصادية المغربية، بل “نحن هنا بأمان”، كما يقول أحدهم.

ويضيف، السوداني الشاب، “المشكلة هي عندما نغادر من هنا، تقف الشرطة على أظافرها”. 

الغريب في الدار البيضاء أنها مليئة بالقصص المفعمة بالصبر المطلوب في بلد عبور مثل المغرب، إذ دائما تتكرر القصص رغم اختلاف الأفراد، “المفتاح هنا…  لا نحدد موعدًا، لكننا لا نتوقف عن المحاولة، فنحن نريد أن نصل إلى أوروبا”، يقول أحمد.

المهاجرون.. سيزيف جديد

هولاء الناجون من مأساة الجمعة الأسود، هؤلاء المبعدون الآن، المترحّلون سابقًا على مدى آلاف الكيلومترات من جغرافيا القارة السمراء، والمرشحون للهجرة مستقبلا، يريدون أن يقولوا الكثير عما حدث يوم الجمعة، الـ24 من حزيران/ يونيو عند سياج مليلية. 

إنهم لا يريدون غير آذان صاغية لقول كل شيء، “إن لم نتحدث ولم نحك قصتنا سيظل كل شيء مبهما ولن يتم فهم أي شيء” يقول أحد الناجين من مأساة سياج مليلية.

فهم يتحدثون عن الحروب، عن عائلات القتلى، وعن التعذيب والاستغلال في ليبيا، عن فشل الوصول منها إلى إيطاليا ، عن الظروف السيئة التي عاشوها في الجزائر والتي أجبرتهم على عبور صحرائها، وعن العنف والاضطهاد على الحدود المغربية.

العديد منهم قاصرون، والسواد الأعظم معطوبون وجرحى، والكثيرون منهم أكدوا لـ”هوامش” أن الحرس المدني الإسباني ضالع في الاعتداء عليهم، يقول محمد “الحرس الاسباني أعادنا بسرعة وبجراحنا ودون مساعدة”، كما يحكون أنهم تمكنوا من تجاوز جميع الأسوار التي تحيط بمليلية، وأنهم “لمسوا الأراضي الإسبانية بأقدامهم ونزيف جراهم”، وأنهم اعتقدوا أنه بعد كل “هذا الجهد، الضربات والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي” قد نجحوا، ولكن الصخرة كانت أقوى من عضلات “سيزيف”، كما كانت القوات الإسبانية أقوى من رومانسية الأحلام.

يحكي هؤلاء السودانيون، فيما يحكون، كيف سقطت “صخرة سيزيف”، كيف تدحرجت حتى خلف السياج الحدودي الفاصل بين مليلية والناظور، وكيف ظلت تتدحرج حتى انتهى بها المطاف في مدينة بعيدة في أقصى البلاد، وكيف بدأ سيزيف/ المهاجر رحلة البدء من جديد.

العودة السريعة

في دول جنوب الصحراء، يلعلع الرصاص، يقعقع السلاح، يحوم الموت ويزأر الفقر والجوع والمآسي، تنتفي الحياة تحت وقع بؤس الحال في بلدان فروا منها ولا يريدون العودة إليها.

حسب الله، من بينهم، كان قادرًا يوما في من قدروا على عبور السياج، لكن ذلك لم يفده في شيء عند سياج مليلية، مثل أكثر من عشر مرات حاول فيها القفز فوق سياج سبتة، كما محاولاته للوصول إلى أوروبا انطلاقا من شواطئ ليبيا، ظل السياجان والشواطئ الليبية عائقا في طريقه لإسبانيا برًا وبحرًا في قارب موتٍ متجه إلى إيطاليا، “حظٌ سيء يتعقبني منذ مغادرتي السودان، عندما كان عمري 16 عامًا”.

يوم الجمعة، انطلق حسب الله ومن معه من السودانيين من جبل “سلوان”، وهو جبل قرب الناظور، وحين وصل إلى السياج، “رأيت أنه كان هناك بالفعل باب مفتوح وكثير من الناس، أنا آسف… لكن كان علي أن أعبر فوق الآخرين، لم يكن هناك بديل، كانت الأبواب مفتوحة”.

“كاد الحلم يتحقق، القنابل الصوتية، والاختناق بالغاز المسيل للدموع الذي كان يتطاير في كل جانب، لكني عبرت الباب الثاني”، يحكي حسب الله.

“ركضت وركضت قدر المستطاع، وصلت إلى حقل من أشجار الزيتون، شعرت بالفعل أنني عبرت، وأنني في مليلية، رأيت منازل وملاعب كرة قدم، تنفست الصعداء… لكنني لا أعرف من أين ظهر  رجال الشرطة الإسبان، لم أشعر حتى ضربوني بهراوتهم، أمسكوني وسلموني للمغاربة… والباقي تعرفونه”.

من الجانبين.. “لا رعاية طبية”

من مدن بعيدة، عادوا إلى الدار البيضاء، على بعد أزيد من 600 كيلومتر من الناظور، عادوا بالمئات ليعيشوا في شوارع ومباني مهجورة في العاصمة الاقتصادية المشهورة بالتناقضات، حتى يحاولوا مرة أخرى بلوغ الحلم المنشود. 

يستعيد من التقيناهم من الناجين تفاصيل ما حدث قرب السياج وعند البوابة وعلى أرض مليلية، من تمكنوا من العبور يحكون التفاصيل بتدقيق يوشكون أن يذكروا من خلاله حتى عدد قطرات العرق والدماء التي نزّت من أجسادهم في تلك الساعات المريرة.

لا يزال السوداني نور الدين، البالغ من العمر 24 عامًا “سيزيفًا” على طريق حلمه منذ أكثر من عامين، كما لا يزال يغطي عينه اليسري المصابة برصاصةٍ مطاطيةٍ مغربية بنظارته الشمسية الزرقاء، وبقطعة من ورق المحارم الرخيص.

تمت إصابته برصاصة مطاطية عندما حاول العبور من المغرب إلى مليلية، أسفل العين بمقدار سنتيمترين، ومع ذلك “غطيت عيني بقميصي وأكملت الطريق، كان علي المقاومة للوصول”.

ويؤكد نور الدين، أن صديقه الذي اقتحم الباب وفتحه مات أمام عينيه، “رأيته يموت، كان الأمر محزنًا للغاية… قتله المغاربة عن عمد، لأنه فتح الباب، قاموا بضربه بالعصي حتى سقط؛ ومن ثم دهسه الجميع  للعبور”.

“عندما عبرت، حاولت التقدم، لكنهم ضربوني على صدري بالهراوة وقيدوا يدي خلف ظهري، وضعوني على ركبتيّ وعيني في الأرض… وفي وقت لاحق اصطحبني ضابطا شرطة إسبانيان رفقة مغربي من مليلية الى بوابة السياج المغربي، وسلماني إليهم”.

يواصل محدثنا استرجاع ما حدث، ويقول “ألقاني المغاربة مع عشرات الأشخاص وضربوني لمدة طويلة”، لا يستطيع نور الدين تحديد المدة التي ضرب خلالها، فهو يعلم فقط “أنهم توقفوا عندما رأوا أن عيني ما زالت تنزف”، حسب شهادته لـ”هوامش”.

ومكث هناك عدة ساعات، “كانت كثيرة وطويلة وثقيلة”، حتى اقتيد بـ”القوة إلى حافلة تقلّه على بعد أكثر من 600 كيلومتر من السياج والجبال”، حسب قوله. 

ولم يتلق رعاية طبية، لا من الجانب الإسباني ولا من الجانب المغربي، بل يؤكد أن الإسبان لم يعيروه اهتمامًا، “رأى الإسبان أنني مصاب، لكنهم رغم ذلك أعادوني إلى المغرب مع آخرين في حالة أسوأ مني”.

إشادة إسبانية

أشاد وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، الجمعة، بالدور الذي يلعبه المغرب كشريك “موثوق” لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وذلك بعد لقاء جمعه بالرباط مع نظيره المغربي عبد الوافي لفتيت.

وقال مارلاسكا، الذي سافر إلى المغرب برفقة المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون، أن “المغرب يقوم بعمل مهم لاحتواء الهجرة السرية، وهو أمر يجب الاعتراف به”.

وهذا هو أول اجتماع تعقده السلطات الأوروبية والإسبانية والمغربية بعد مقتل 23 مهاجرا على الأقل قبل أسبوعين، في ظروف غامضة أثناء محاولة دخول غير نظامية إلى مدينة مليلية.

وأعرب مارلاسكا، عن أسفه على تلك الوفيات، لكنه تجنب التعبير عن أي انتقاد لأفعال القوات العمومية المغربية.

وقال ما لا يقل عن 12 مهاجرا سودانيا لوسائل إعلام إسبانية إنهم شاهدوا عناصر القوات العمومية المغربية يضربون رفاقهم حتى الموت في 24 حزيران/ يونيو.

واتفقت السلطات الثلاث على تجديد الشراكة بين المفوضية الأوروبية والمغرب في مجال الهجرة، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، رغم أنها لم تحدد ما إذا كان هذا التجديد يعني زيادة في المساعدة المالية التي ترسلها بروكسل إلى المغرب منذ عقود.

وأكدت مصادر دبلوماسية إسبانية، أنه من الآن فصاعدًا “ستكون الوكالات الأوروبية قادرة على الإشراف بشكل أفضل على مكافحة الهجرة”.

وكان من المأمول لدى المنظمات غير الحكومية، أن “تؤدي زيارة مارلاسكا والمفوضة الأوروبي إلى إزالة بعض الشكوك حول مأساة 24 حزيران/ يونيو في مليلية”.

لأنه حسب رأيهم، “لا الوزير لفتيت ولا خالد الزروالي، الوالي مدير الهجرة ومراقبة الحدود، أدلى بأي تصريح منذ ذلك اليوم، ولا توجد أجوبة حول ما حدث في ذلك الجمعة”.

ولا يُعرف؛ حتى في المغرب؛ ما إذا كانت “الجثث الـ23 قد دفنت”، ولا “نتائج التشريح قد خرجت”، والواقع أن هناك تناقضا ملحوظا بين الرواية الرسمية المغربية التي “تعزو الوفيات إلى التزاحم”، وشهادات المهاجرين، الذين “يتهمون الشرطة المغربية بالقتل بشكل مباشر”.

ولم تسلط زيارة مارلاسكا أي ضوء، على “المأساة”، ولم تسمح السلطات المغربية بوجود وسائل إعلام دولية، واكتفى مارلاسكا بالرد على ثلاثة أسئلة من خلال مكتبه الصحفي، وتم تسجيل الرد على شريط فيديو أرسل إلى الصحفيين.

فعندما سئل “عما إذا كان يخشى، بعد ما حدث في مليلية، أن تكون هناك محاولات جديدة للقفز، وإذا كان على المغرب، في هذه الحالة، تغيير بروتوكولات الإجراءات الحدودية”.

أجاب الوزير الإسباني قائلًا، “نحن هنا من أجل تجنب أي اعتداء عنيف آخر على حدود الاتحاد الأوروبي، وهي حدودٌ إسبانيا أيضًا “. 

وردا على سؤال حول عمليات التشريح وظروف الوفيات، أوضح أن، “هناك تحقيقات تجري في كل من المغرب وإسبانيا”.

محاكمة المهاجرين

بالتوازي مع هذه الزيارة، تتوالى شهادات المهاجرين السودانيين الذين كانوا مشاركين في “القفزة” التي أودت بحياة 23 من زملائهم، وكذلك المحاكمات في حق 62 مهاجرا سودانيا كانوا من بين من حاولوا عبور السياج، فيما “لم يفتح تحقيق قضائي في المغرب ضد رجال الشرطة”، وفق مصدر أمني حدثته “هوامش”، من الناظور عبر الهاتف.

ولم تعلن وزارة الداخلية المغربية عن أي تحقيق داخلي، وحدها المؤسسة الرسمية المكلفة بحقوق الانسان بالمغرب، “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، قامت بـ”مهمة استكشافية” في الناظور.  لكن مصادر من تلك الهيئة قالت إن هذا ليس “تحقيقًا” في الحقيقة.

وجاء في البيان المشترك الذي وقعه مارلاسكا ولفتيت وجوهانسون أن “التحقيقات لا تزال جارية”. 

والثلاثة هنأوا أنفسهم على “المهمة الاستطلاعية” للمجلس الوطني لحقوق الإنسان من أجل “توضيح الحقائق”. 

ويشدد بيانهم على أن “احترام الحقوق الأساسية قيمة مشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي”.

ولم توجه المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية أي انتقاد إلى الرباط أيضًا، رغم أنها أعلنت في 26 حزيران/ يونيو أن أحداث مليلية “مقلقة للغاية”.

محمد السادس “قائد إفريقيا في قضايا الهجرة”

في البيان المشترك، لم يتم تخصيص كلمة واحدة لأسباب وفاة 23 مهاجرا، المؤكدة في الرواية الرسمية المغربية، ولا حتى سبب “تكدس الجرحى والمتوفين تحت الشمس لساعات وضربهم وهم ملقون على الأرض”، كما يتضح من الفيديوهات الموثقة والتي تؤكدها شهادات المهاجرين.

نعم، هناك حديث عن “الخطر الشديد والعنف” الذي قام به مهاجرون “مدفوعون من الجزائر وشبكات الاتجار بالبشر”، ولكن الجواب عما يراه الحقوقيون “جريمة ضد الإنسان”، لم يصدر في البيان.

البيان يذكر فقط في خلاصته، أن العاهل المغربي محمد السادس قد عين من طرف “رؤساء الدول”، “زعيما للقارة في قضايا الهجرة”.

وعلى الرغم من أن السلطات المغربية لا تتحدث كثيرًا في العادة، إلا أن معظم الصحف الرسمية، تعيد إنتاج رواية الحكومة، رغم أن أحداثًا، خيوطًا وشهاداتٍ أخرى من جميع الجهات نشرتها هذه الصحيفة في الثاني من تموز/ يوليو الجاري، تميط النقاب عن الكثير من تفاصيل الجمعة الأسود.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

crosschevron-down linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram