الرئيسية

لعريف، منجمي يواجه “نفق إميضر” بالأمل والشعر

في تناولها لموضوع المناجم، عادة ما تتجه عدسات الصحافة وأقلامها إلى كمية الإنتاج ونسب المردودية، وقيمة المعادن المستخرجة وجودتها، وتندر المواد الإعلامية التي تسلط الضوء على الحياة الخاصة بالعمال، هؤلاء الذين يخترقون الصخر بحثا عن معدن ثمين لا يجنون من قيمته سوى دريهمات وكثير من التعب والإرهاق … لكن أيضا قد يجدون فيه إلهاما وتأملا […]

في تناولها لموضوع المناجم، عادة ما تتجه عدسات الصحافة وأقلامها إلى كمية الإنتاج ونسب المردودية، وقيمة المعادن المستخرجة وجودتها، وتندر المواد الإعلامية التي تسلط الضوء على الحياة الخاصة بالعمال، هؤلاء الذين يخترقون الصخر بحثا عن معدن ثمين لا يجنون من قيمته سوى دريهمات وكثير من التعب والإرهاق … لكن أيضا قد يجدون فيه إلهاما وتأملا عجيبين.

منصة “هوامش”، غاصت في الحياة اليومية لعادل لعريف، عامل بمنجم إميضر، بإقليم تنغير، جنوب شرق المملكة، ووجدت فيها معادن تستحق العرض.

الدخول إلى “النفق”

عادل لعريف بن إبراهيم بن أيكو بن أولخير، من مواليد 4 غشت 1982، أب لثلاثة أولاد، حاصل على شهادة البكالوريا سنة 2001، لم يفلح في إكمال دراسته في الجامعة لظروف “متشابكة”، لكنه قارئ نهم وكاتب مبدع، خاصة وأنه كان يعشق الكتابة والتدوين منذ نعومة أظافره، بالضبط منذ أيام دراسته بالإعدادية، حينها كان “كاتب رسائل غرامية للأصدقاء وللزبناء مقابل سجائر سوداء، أو بضع دراهم بيضاء لشراء الحشيش، الذي كان يمنحه تأشيرة سفر نحو الأعماق”، على حد تعبيره.

يقول عادل لعريف في حديثه ل “هوامش”:

“لم أتوقع يوماً أنني سأصبح عاملا في منجم، فالمكان الذي أخذ منه السند والعائل لا يمكن أن تفرح بولوجه، لكن قلت بما أنه مكان أرخ مسيرة إنسان عزيز غادر حياتي دون أن أتعرف عليه، وجب علي دخول غماره واكتشاف أغواره، حيث إن سبب وجودي في المنجم كان نتيجة وفاة والدي بحادثة شغل سنة 1985، هذا سبب عميق، أما السبب المباشر فهو بروتوكول تشغيل أبناء العمال والذي جاء بعد إضراب ستة أشهر نهاية 1991، أما معاناة المنجمي فلا تعد ولا تحصى، فالإنسان يحلم بالطيران، ويولي اهتمامه لكل شيء يسبح في الأفق، لا يمكن أن يتقبل، أي كان، أن يدنو بجسده، أن ينزل بكيانه نحو مكان تحت الأرض، أن يعمل في مكان بعيد عن الشمس وعن الأرض، ورغم ذلك لا يمكن أن نرفض المكان لأن هناك شيء أقوى وأعظم، هي الحاجة، معاناة كل البشر تجتمع في ذلك المكان، والخطر والتهديد الأعظم هو ذلك الذي يقتلك ببطء، كالإصابة بالأمراض المهنية  كالسيليكوز والروماتيزم والصمم، أو مواجهة أخطار حوادث الشغل التي تتعدد أسبابها كسقوط صخرة أو صعق كهرباء أو انفجار أو الهواء المضغوط  أو المياه.”

ينفث عادل دخان سيجارته ويرتشف قهوته السوداء، ثم يصمت.

حياة في القبو

عادل لعريف، ليس منجميا عاديا، إنه مبدع يؤسس لأدب المناجم بالجنوب الشرقي المغربي، فكما يحفر وينقب بين أنفاق منجم إميضر بحثا عن الفضة، يحفر وينقب بجد في مكنونات وجواهر القصص والشعر والخواطر.

يقول لعريف واصفا حياة العامل المنجمي “لما يجب علينا أن نتقبل حياتنا؟ لأننا لا نملك غيرها، يستحي البعض من مقارنة حياته بحياة الصرصور، ذاك الذي يعيش في القبو، رفقة المخلوقات التي تهوى الندى، الرطوبة، لكن لا شيء مخالف للواقع، ولا يختلف من يعيش في القبو، العالم السفلي، عن الصرصور سوى بميزة واحدة، الطموح،  إن الحياة التي نقدرها هي تلك التي لم نحصل عليها، فليس غريبا أن نتمنى حياة أفضل، أن نخجل عندما يتداخل وصف نسق أيامنا بأطوار حياة الصراصير، قاطني الأقباء، أوفياء العالم السفلي، ولا يحق لي أن أستحي، فأنا صرصور يستطيع العيش، ويحافظ على حياته وهو مستلق على ظهره … إن العالم السفلي أو القبو يجعل الصرصور يتأمل، ويحلم، يتألم، ويتمنى، يقارن بين شكله وشكل العنكبوت، يحاكي نسق أيامه بخيوط بيت العنكبوت، ومصيره بمصير الذباب الذي يقع في الشّرَك… عندما كان الانسان صرصور القبو كان له شغف وحيد، سعادة وحيدة، وسلوك أحادي، وهو أن يستمتع بالبلوعة، أن يتحاور مع العناكب، أن يحزن لوقوع ذبابة في الكمين؛ وحينما تطور السلوك الانسان، أصبح صرصور الطابق الأول، يعشق المطبخ، يحب التسكع، السفر، يتحاور مع النمل ويتمنى أن يصبح نحلة، ولما ظهرت القيم وبانت مفاهيم جديدة، ترقى الإنسان من صرصور الطابق الأول ليلتحق بالطابق الثاني، المكان الذي يعيش فيه بقيود، وبدون حرية، حيث تكبله عقبات كثيرة، … وما إن يصل صرصور الطابق الثاني للطابق الثالث يجد نفسه أمام واقع التحول الجذري، كأن يطير نحو الاجواء أو أن ينظر الى السطح نظرة ازدراء واشمئزاز، ويصبح كل من في السطح مجرد حبات رمل، كائنات مجهرية”.

طقوس ما قبل النزول إلى العالم السفلي

عندما سألناه عن كيفية استعداده للذهاب للعمل ومعاناتهم في العمل، قال “للذهاب إلى العمل هناك طقوس، تقبيل يد الأم ورأسها، مصاحبة دعواتها وبركاتها، والإحساس يبقى نسبيا وحسب الظروف، أحيانا نفرح وأحيانا نتألم، فربما لن نعود وينتهي كل شيء، يمكن أن نرتدي ما يجعلنا نحس بالدفء، بالرطوبة لكنه في آخر المطاف مثل كفن يغطي جسداً”

ثم استرسل في كلامه “بالنسبة لمعاناتنا فمثلها مثل معاناة أي إنسان، إلا أنها كانت تنتهي دائماً برفع شارة النصر، وأحيانا بفقدان أحد الرفاق، خصوصاً في الآونة الأخيرة، فقد كثرت حوادث الشغل، وأصبحنا نخاف كثيراً، نخاف فقط على فقدان أرواحنا، كانت الطرائف والعراك الودي من بين الطقوس التي نزاولها في نهاية الفوج أو بدايته، لم يكن يوماً الحياء صفة فنحن عمال المناجم، لا نستحي إلا من إغراء الباطرونا، أو العمل على تبجيل الرأسمالية، ممكن أن تكون هذه المصطلحات كبيرة، لا يستوعبها أغلب عمال المنجم، لكنها مبادئ ترسخت وتوارثها الأحفاد والأبناء بوعي وحس”.

يلقب عادل زملاءه المنجمين بـ “المنتظرين”، إذ يقول “نحن العمال، ألفنا الانتظار، انتظار وقت التفجير، انتظار وصول الحافلات، انتظار معانقة الأهل، انتظار الأجر، انتظار خروج دخان المتفجرات، أتعلم أننا قوم بصمت في جبهتهم – نحن المنتظرون – ، لا يمر يوم دون أن ننتظر أربع أو خمس مرات أو يزيد، طبعا لسنا قوم ينتظر “المهدي” أو “غودو” ، بل ننتظر سلامتنا، خلاص أرواحنا، صحة أبداننا”.

حكي عادل لمنصة “هوامش” مواقف عديدة ظهر فيها تضامن عمال المنجم فيما بينهم وصداقتهم وحبهم لبعضهم البعض، ونضالاتهم النقابية العديدة، ويضيف “تعتبر الأنفاق مكانا يسع همك ويحتضن أحلامك، فهو مكان لا يمكن أن ننسى فضله، فهو الذي منحنا الوجود والأمن والأمان رغم الأخطار والصعاب، يبقى مكان وفر لنا كل ما يصبو إليه الإنسان، عمل، أسرة، استقلالية، امتيازات لا يمكن أن نحظى بها في مكان آخر، والفضل يعود للجيل الأول الذي ناضل من أجل الحقوق والمكتسبات، وكان أولها توقيع الاتفاقية الجماعية والتي جاءت بعد ستة أشهر من الإضراب والنضال”.

البعث من القبو

“الخروج من المنجم يكتسي صبغة خاصة، رونق خاص، جمال مبارك، كمن ينتصر ويعود إلى أهله بكأس التتويج أو ميدالية، الإنجاز الكبير الذي يفتخر به كل عامل منجمي هو أن يعود إلى بيته بسلام، ويحضن أبناءه بدون ألم، وحضن زوجته المسكن للوجع، وأن يرى وجه أمه البشوش وهي تستمتع بملامحه، خصوصاً تلك الأمهات اللواتي فقدن أزواجهن، فبعد الانتظار قد يأتي الخبر الحزين، لقد أصبحت أرملة، أبناؤك أيتام، تعازينا الحارة، إنها الهواجس التي ترافق أمهاتنا وزوجاتنا كل يوم” هكذا رد على سؤال “هوامش” حول مشاعره عند الانتهاء من العمل داخل المنجم.

ثم يستطرد قائلا،

“كمنجمي يعمل تحت الأرض، كإنسان يبدأ يومه بالنزول الى أعماق الجبال من أجل لقمة العيش، يجب أن تبدع عندما تصعد إلى السطح، لتمضي ما تبقى من يومك فوق الأرض، أكيد أنك ستبدع في ملء الفراغ الذي تركته على سطح الأرض؛ عندما تنهي عملك بإتقان، وتغادر إلى بيتك في أمان، في الطريق يرافقك شغفك في رؤية ما ينتظرك وما يحترق من أجله شوقك، كلما اقتربت من معالم الحياة بدون مصباح إلا وبدأت تفقد صبر صبرك، تنظر بوضوح، ترى بدقة، وجوه الزملاء، تسمع كلام الرفاق، حديث شيق، يحمل في طياته فرحة إنهاء المهمة، وسرور العودة إلى الحياة الاجتماعية بسلم وسلام، دردشات حول أجواء العمل تنتهي عند باب الحافلة، ليبدأ الحديث حول أهم الأحداث التي وقعت على الصعيد المحلي والوطني والدولي“.

شاعر تحت – أرضي

حديثنا مع عادل لعريف، جعلنا نكتشف فيه عاملا عضويا يؤرخ ليومياته وللأماكن والوجوه، لكن هو أيضا شاعر، لكنه شاعر من عمق الأرض، أهدى لنا في آخر اللقاء هذه القصيدة:

تحت سماء زرقاء

كل العباد أشقياء

فلا ترى شقائي

هناء.

ولا تعتبر عنائي استيلاء

استاء الباطل من الحق

وحسب أنه على حق

وكاد الإنس على الإنس

وظن أنه في الأنس

حسب أنه ينعم بطيب العيش

وبرغده ينبت جسده الريش

لا يدري ان كل يوم يمر كالجيش

عجزت عن وصف أبسط الأيام

وفي عيون من حولي يذكرني أني مغتصب ارتكب آثام

أرشدوني إلى دار تنعم بالخلاص

قودني إلى شعب

يرضى بشعب

لكل شيعته

ونحن مع من يخلص شيعته

من الإفك

و ما الوسواس إلا إفك.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram