الرئيسية

كيف تجسّس المغرب على حليف إفريقي

في خضم أزمة الخلافة السياسية في الغابون، استهدفت أجهزة الاستخبارات المغربية، في مارس/آذار 2019، الدائرة المقرّبة من الرئيس الغابوني السابق علي بونغو، باستخدام برنامج التجسس «بيغاسوس» (Pegasus).  يرد اسم نور الدين بونغو فالنتين، نجل علي بونغو، واسم بريس لاكروش علي هانغا، مدير ديوانه، على قائمة أهداف محتملة لبرنامج التجسس «بيغاسوس». كما تتضمن القائمة رقمَي هاتف اثنين من أبرز معارضي علي بونغو، اللذين ترشّحا للانتخابات الرئاسية لعام 2016: جان بينغ وديدوني مينلاما مينتوغو. ووفقاً لمصدر من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربية (DGST)، جرى هذا الاستهداف رغم العلاقات الوثيقة بين البلدين، بل إن المصدر تحدث عن تدريبات مشتركة بين الجهازين الاستخباراتيين المغربي والغابوني.

 

بقلم إيلواز لين وهشام منصوري وفينياس روكيرت 

صورة الغلاف: ميلودي دا فونسيكا

مارس/آذار 2019: أسئلة ملحّة تؤرق أروقة ليبرفيل، عاصمة الغابون، الدولة الصغيرة الغنية بالنفط. ما مصير الرئيس علي بونغو أونديمبا، الذي أمضى عشر سنوات في السلطة؟ وهل سيتعيّن تعيين رئيس جديد للدولة؟ ومن سيكون؟

 اندلعت معركة الخلافة قبل أربعة أشهر. ففي 24 أكتوبر/تشرين الأول 2018، أُصيب الرئيس بونغو، نجل الدكتاتور عمر بونغو، بجلطة دماغية. وبعد فترة نقاهة استمرت شهراً في المملكة العربية السعودية، نُقل إلى الرباط في المغرب في 28 نوفمبر/تشرين الثاني.

 وبعد أقل من شهرين، زاد انقلاب فاشل من إضعاف السلطة. فقد قاد الملازم كيلي أوندو أوبيانغ، أحد أفراد الحرس الجمهوري، محاولة الانقلاب التي أُحبطت، وأُلقي القبض على أوبيانغ. غير أن استعادة زمام الأمور لم تكن كافية لإخماد التساؤلات حول مستقبل بونغو، الذي لم يكن يظهر إلا نادراً، إلى درجة انتشار نظرية مفادها أن الزعيم قد يكون توفي فعلاً وتمّ تعويضه بشخص يشبهه.

وفي الغابون، بدأ المتنافسون على الخلافة يحدّدون مواقعهم: باسكالين بونغو أونديمبا، شقيقة علي بونغو والمديرة السابقة لديوان والده عمر بونغو؛ وفريديريك بونغو، أحد إخوة علي بونغو غير الأشقاء، الذي كان على رأس جهاز الاستخبارات الغابوني؛ ثم ماري-مادلين مبورانتسو، رئيسة المحكمة الدستورية وعشيقة عمر بونغو. لكن برزت شخصيتان بشكل خاص: نور الدين بونغو فالنتين، الابن الأكبر لعلي بونغو، وبريس لاكروش علي هانغا، الشاب الفرنسي-الغابوني ومدير ديوان الرئيس. فبعد أن تلقى تعليمه في أفضل المدارس الإنجليزية وخاض مسيرة مهنية في القطاع الخاص، نشأ نور الدين أساساً خارج البلاد، ولم يتولَّ دوراً سياسياً إلا في عام 2018، عقب إصابة والده بجلطة دماغية. أما بريس لاكروش علي هانغا فيعتبره بعضهم «الرجل القوي الحقيقي في الغابون». وفي خضم أزمة الخلافة هذه، برز طرف يراقب المشهد بصمت من خلف الكواليس.

 وفقاً لمعلوماتنا، أُدرجت في 5 مارس/آذار 2019 أرقام هواتف نحو عشرة غابونيين على قائمة أهداف محتملة لبرنامج التجسس «بيغاسوس»، من بينها رقما نور الدين بونغو وبريس لاكروش. ويستطيع هذا البرنامج، الذي تبيعه شركة «إن إس أو غروب» (NSO Group) الإسرائيلية إلى دول، إصابة هاتف محمول عن بُعد من دون علم الضحية. ويُشتبه في أن المغرب كان وراء عملية الاستهداف هذه، إذ ترد هذه الأرقام ضمن نحو 13 ألف هدف محتمل لبرنامج «بيغاسوس» نُسبت إلى المملكة المغربية، وفق القائمة التي حصلت عليها منظمة “قصص ممنوعة” Forbidden Stories ومنظمة العفو الدولية (أمنستي) في إطار «مشروع بيغاسوس» (Pegasus Project).

ولم يكن نور الدين بونغو وبريس لاكروش علي هانغا وحدهما محل اهتمام الجانب المغربي؛ إذ تضمنت القائمة أيضاً أسماء أفراد من الدائرة المقربة من المتنافسين الاثنين، المعروفة بـ «young team» (الفريق الشاب). كما استُهدفت المعارضة، ولا سيما مرشحان سابقان للرئاسة هما جان بينغ وديدوني مينلاما مينتوغو (من دون إجراء تحليل تقني للهواتف، لا يمكن لـForbidden Stories تأكيد ما إذا كانت الأهداف المحتملة قد أُصيبت فعلاً ببرنامج التجسس.)

 جاءت محاولات الإصابة بالبرنامج في فترة حاسمة بالنسبة إلى الغابون. ويقول خبير في الشأن الغابوني، طلب عدم الكشف عن هويته، محلّلاً وضع نظام بونغو: «إنها لحظة ضعف شديد لنظام بونغو»، مضيفاً: «لذلك لا يفاجئني كثيراً أن يكون المغرب قد راقب الوضع، محاولاً معرفة من كان يفعل ماذا، ومن كان يتآمر مع من، ومن كان يتحالف مع من».

«كنّا نُشرف على تدربياتهم»

لفهم دوافع اهتمام المغاربة بالتجسس على نظرائهم الغابونيين، لا بد من العودة بضعة عقود إلى الوراء. يقول خبيرنا: «المغرب هو، إلى حد ما، الراعي بالنسبة إلى الغابون»، موضحاً: «أعني بذلك علاقة “الراعي بالعميل”، أي أن المغرب هو حامي النظام الغابوني».

 يوضح لنا سفير (إسم مستعار)، العميل السابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) الذي قرر الفرار من بلاده، أن هذه العلاقة المتميزة تعود إلى عهد الملك الحسن الثاني. يقول سفير: «كان هناك دائماً أشخاص من المغرب في الغابون»، ويضيف: «كانوا يذهبون إلى هناك للعمل، ولذلك كانوا ينفذون عمليات تعقّب ومراقبة، وكل ذلك في إطار مكافحة الإرهاب: مراقبة المساجد؛ ومراقبة الأشخاص الذين تربطهم، على سبيل المثال، علاقات مع إيران، لأن غرب إفريقيا كان يشهد مشكلة تسلل الإيرانيين».

ووفقاً لسفير، كان المغرب يرسل بانتظام عملاء استخبارات في مهام إلى الغابون، حيث يقول هؤلاء إنهم كانوا يتقاضون أجوراً جيدة رغم أنهم لم يستسيغوا الطعام هناك. ووفقاً لمصادر مفتوحة اطلعت عليها Forbidden Stories، كان أحد هؤلاء العملاء، يُدعى فريد س.، كثير السفر حول العالم، ولا سيما إلى هرتسليا، المدينة الإسرائيلية التي كان يقع فيها مقر شركة «إن إس أو غروب» المطوّرة لبرنامج «بيغاسوس» حتى عام 2024، وإلى ليبرفيل عاصمة الغابون. ويقول سفير خلال أحد لقاءاتنا: «نحن من ندرّب الغابون»، مضيفاً: «نستقبل  نحو عشرين شخصاً [الغابون] كل ستة أشهر، ويتناوبون على ذلك».

 لقاء بين الملك محمد السادس وعلي بونغو في 3 ديسمبر/كانون الأول 2018 (المصدر: تويتر / لقطة شاشة من Forbidden Stories).

 زار محمد السادس، وريث الحسن الثاني، الغابون بانتظام خلال فترة حكمه، وكثّف العلاقات الثنائية، أولاً مع عمر بونغو ثم مع علي بونغو، ولا سيما في ما يتعلق بإقامة شركات مغربية في الغابون وتوزيع منح دراسية على طلاب أفارقة في المدارس والجامعات المغربية.

ووفقاً لعدة مصادر مفتوحة، يرسل الغابون عسكريين لتلقي التدريب في المغرب. والرئيس الحالي بريس أوليغي نغيما نفسع هو خريج المدرسة العسكرية في مكناس، بل عُيّن ملحقاً عسكرياً في الرباط عام 2009. في المقابل، حظي المغرب بدعم غابوني غير مشروط بشأن مسألة مغربية الصحراء.

 في المقابل، ووفقاً لمعلوماتنا، لم يكن جهاز “سيلام” «SILAM» — الوكالة الغابونية المسؤولة عن التنصت على الاتصالات — على علم باستخدام برنامج «بيغاسوس» ضد شخصيات غابونية رفيعة المستوى. ولا نعلم ما إذا كان علي بونغو نفسه، الذي كان لا يزال في المغرب في مارس/آذار 2019، قد أُبلغ بذلك.

 يقول مصدر أمني قريب من المملكة: «كانت البلاد تغلي، ولذلك كان من الضروري بالنسبة إلى المغرب أن يعرف تماماً ما كانوا يخططون له».

نهاية عهد الـ «young team» (الفريق الشاب)

 عاد علي بونغو، وقد أنهكته الأزمة، إلى الغابون في نهاية مارس/آذار 2019، وابتعد عن الواجهة. ويقول البعض إن “الفريق الشّاب”، إلى جانب نور الدين بونغو ووالدته سيلفيا، كانوا يُعتبَرون أصحاب السلطة الفعلية.

 وفقاً لمقالات صحفية نُشرت في ذلك الوقت، بدأ الشاب لاكروش يُنافس نور الدين. وفي إطار تعديل حكومي، أُقيل من منصبه مديراً للديوان، ثم أُلقي القبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 2019 في سياق تحقيق واسع في قضايا فساد، ووُضع رهن الحبس الاحتياطي. أما نور الدين بونغو فدخل الحكومة رسمياً عندما عيّنه علي بونغو منسقاً عاماً للشؤون الرئاسية.

 وبعد أربع سنوات، في عام 2023، هزّ انقلاب عسكري جديد البلاد. وهذه المرة تولى قائد الحرس الجمهوري، بريس أوليغي نغيما، السلطة. وأُلقي القبض على نور الدين وسيلفيا وعدد من أعضاء “الفريق الشّاب”»، ووُجهت إليهم اتهامات بالفساد، من بينها اختلاس أموال عامة وغسل أموال وانتحال صفة وظيفية، إضافة إلى جرائم أخرى — وهي اتهامات ينفونها جميعاً نفياً قاطعاً. وحُكم على نور الدين غيابياً بالسجن 20 عاماً. وفي مقال نشرته صحيفة لوموند، نفى الوقائع المنسوبة إليه، وروى أنه تعرّض للتعذيب في السجن.

 ومن بين الأشخاص المستهدفين، أعرب عدد منهم عن يقينهم بأنهم كانوا يخضعون بانتظام للتنصت، واعتادوا استخدام ثلاثة أو أربعة هواتف في محاولة لتضليل الأجهزة الأمنية. غير أنهم أبدوا، فيما يتعلق ببرنامج «بيغاسوس»، شكوكهم في أن يكون برنامج بهذه الكلفة الباهظة قد استُخدم ضدهم فعلاً.

 لم يُبدِ جان بينغ، المرشح للرئاسة عام 2016 والذي ظهر رقم هاتفه على قائمة الأهداف المحتملة في 18 مارس/آذار 2019، استغراباً من الأمر. وقال المعارض لـ”قصص ممنوعة”: «التنصت على الاتصالات أمر شائع في الغابون. (…) وإذا ثبت ذلك، ربما أرفع شكوى». ولم يرد نور الدين بونغو وبريس لاكروش وديدوني مينتوغو، الذين تواصل معهم الائتلاف الصحفي، على طلبات التعليق.

 كما لم ترد السلطات المغربية والغابونية، اللتان جرى التواصل معهما، ولا ممثل عن علي بونغو، على طلبات التعليق.

لمطالعة التحقيق باللغتين الانجليزية والفرنسية.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram