الرئيسية

بيجاسوس I الإهمال يفتح أبواب مدريد أمام الرباط: “كانوا ينعمون بالكسل”

مرّ ما يقارب عام كامل بين اكتشاف اختراق هاتف وزيرة الخارجية الإسبانية وفحص أجهزة بيدرو سانشيز وأعضاء آخرين في الحكومة. بعد وقت قصير من توليه رئاسة الحكومة عام 2018، دُعي عدد كبير من كبار المسؤولين في مونكلوا، مقر رئاسة الحكومة الإسبانية، ممن عيّنهم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، إلى زيارة المركز الوطني للاستخبارات (CNI). وفي غرفة إدارة الأزمات بالمركز، وأمام أنظار مدير الجهاز السري آنذاك، فيليكس سانث رولدان، قُدّم لهم عرض توضيحي حول مدى هشاشة الهواتف المحمولة أمام الهجمات السيبرانية. «لقد أصابنا الذهول»، يتذكر أحد المشاركين.وقُدّمت لهم، بالمناسبة، مجموعة من النصائح حول كيفية محاولة حماية أنفسهم. وشملت تلك النصائح تحديث أنظمة التشغيل باستمرار، ومراجعة الأذونات (الصلاحيات) الممنوحة للتطبيقات، وإطفاء الهاتف بانتظام، وتجنب الاتصال بشبكات الإنترنت المفتوحة (الويفي Wi-Fi). وبالنظر إلى ما حدث لاحقاً، يبدو أن تلك التوصيات ذهبت أدراج الرياح.

بقلم: إغناسيو ثيمبريرو، خوسيه باوتيستا، هشام منصوري، وفريق التصميم في «إل كونفيدنسيال»

ظهرت أولى الثغرات الأمنية إلى العلن في 22 أبريل/نيسان 2021، عندما كشفت السلطات المغربية، عبر وسيلة إعلامية صورية ـ WebArchive، وهي اليوم متوقفة عن العمل ـ إلى جانب وسيلتين إعلاميتين مقربتين منها، هما «جون أفريك» في باريس و«Le360.fr» في الدار البيضاء، أن زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، دخل مستشفى في لوغرونيو لتلقي العلاج من كوفيد-19.  وكان غالي قد وصل جواً من الجزائر، مروراً بسرقسطة، مستخدماً هوية مزيفة.

وكان قد مضى حينها ما يقارب ثلاث سنوات منذ أن اخترقت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) المغربية أول هاتف إسباني ببرمجية تجسس، وهو هاتف الناشطة أميناتو حيدر، وفقاً للتحقيق الذي نشرته صحيفة «إل كونفيدنسيال» وائتلاف دولي يتألف من من وسائل إعلامية (ضمنها “هوامش) بتنسيق من منظمة “قصص ممنوعة” «Forbidden Stories». وبعد ذلك، حاولت المديرية اختراق ما لا يقل عن 250 هاتفاً آخر. ومن المرجح أن يكون عناصر الاستخبارات المغربية قد علموا بوجود غالي في إسبانيا بفضل ذلك الاختراق واسع النطاق.

وانكشفت الثغرة التالية بعد شهر، في نهاية مايو/أيار 2021، عندما اصطحب المركز الوطني للتشفير (CCN)، التابع للمركز الوطني للاستخبارات (CNI)، هاتف وزيرة الخارجية أرانشا غونثاليث لايا لفحصه. وأكد لها المركز أن الهاتف تعرض للاختراق، من دون أن يحدد لها البرمجية الخبيثة التي استُخدمت في ذلك.

ولم تعترف الحكومة الإسبانية قط باختراق هاتف الوزيرة، لكنها لم تنفِ الواقعة أيضاً. أما غونثاليث لايا فكشفت عنها بنفسها بعد عام، خلال مقابلة مع صحيفة «إل بيريوديكو». كما لمّحت إلى أن المغرب وراء هذا الهجوم السيبراني. وكانت هي التي تفاوضت مع نظيرها الجزائري، صبري بوقادوم، بشأن نقل غالي سراً إلى إسبانيا.

كان من المفترض أن يؤدي اكتشاف اختراق هاتف وزيرة الخارجية إلى اتخاذ تدابير أمنية فورية، بدءاً بفحص هواتف جميع كبار المسؤولين الذين كانت لهم أي صلة بالأزمة الطويلة بين إسبانيا والمغرب، والتي بلغت ذروتها في مايو/أيار 2021. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

في ذلك الشهر، شجعت السلطات المغربية أكثر من 10 آلاف مهاجر على دخول سبتة في أقل من 48 ساعة. ووفقاً لتقرير سري للمركز الوطني للاستخبارات (CNI) بتاريخ 19 مايو/أيار 2021، حصلت عليه صحيفة «إل كونفيدنسيال»، فقد صدرت «تعليمات من الرباط إلى القوات والأجهزة الأمنية لتخفيف المراقبة على الشريط الساحلي الممتد من العرائش إلى السعيدية على الواجهة المتوسطية».

وبالتزامن مع ذلك، يواصل التقرير، «أصدرت السلطات المحلية تعليمات إلى سائقي سيارات الأجرة وأصحاب وسائل النقل الصغيرة بوضع مركباتهم تحت تصرف المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء لنقلهم إلى المناطق القريبة من سبتة» يوم 17 مايو/أيار. ويضيف التقرير أيضاً: «لم يُلاحظ تقريباً أي وجود للشرطة المغربية عند معبر التراخال [مع سبتة] (…)».

تأخر فحص الهواتف الرسمية الإسبانية 11 شهراً، إلى غاية أبريل/نيسان 2022. وأظهر التحليل الجنائي الرقمي الذي أجراه المركز الوطني للتشفير (CCN) حينها أن جهازي بيدرو سانشيز ووزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس كانا مصابين ببرمجية تجسس. وبحسب أولى القرارات القضائية التي أصدرها قاضي المحكمة الوطنية خوسيه لويس كالاما في يوليو/تموز 2023، فإن هاتف رئيس الحكومة كان قد تعرض للاختراق منذ أكتوبر/تشرين الأول 2020، أي قبل وقت طويل من اندلاع التوتر مع الجار المغربي.

غير أن أكبر عمليات استخراج البيانات حدثت في مايو/أيار 2021، عندما بلغت الأزمة الثنائية ذروتها، وفقاً للمعلومات التي أحالها المركز الوطني للتشفير إلى القاضي كالاما. كما تعرض هاتفان آخران للاختراق، وهما هاتف وزير الداخلية فرناندو غراندي-مارلاسكا ووزير الزراعة لويس بلاناس. ويبدو أن هاتف الأخير كان عصياً على المهاجمين، بالنظر إلى الكمية الضئيلة جداً من البيانات التي تمكنوا من استخراجها منه، والتي لم تتجاوز كيلوبايتاً واحداً.

وبحسب شهود عايشوا غضب رئيس الحكومة، فقد ثار سانشيز غاضباً في مونكلوا بعد اكتشاف المركز الوطني للتشفير هذه الاختراقات. كما اتخذ قراراً أذهل مجتمع الاستخبارات الإسباني وأجهزة استخبارات الدول الحليفة: تقديم شكوى أمام المحكمة الوطنية بشأن الهجمات السيبرانية. وبذلك كشف، على الملأ، عن هشاشة الاتصالات بين أعضاء الحكومة. واللافت أنه لم يعاقب المسؤول عن هذه الثغرة في أمن الدولة فحسب، بل تمت ترقيته.

ولا توجد في التاريخ الحديث للتجسس سوى حالة واحدة اعترفت فيها دولة علناً بأن اتصالات مسؤوليها تعرضت للاختراق. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2013، اتصلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بالرئيس الأمريكي باراك أوباما للاحتجاج على عمليات التنصت التي استهدفت هاتفها من جانب وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA). أما مونكلوا، فلم توجه أي شكوى علنية ضد أي جهة.

وقد أعلن فيليكس بولانيوس، الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين العام لرئاسة الحكومة، وبالتالي كان مسؤولاً عن أمن الاتصالات، في 2 مايو/أيار 2022، إحالة الهجمات التي تعرضت لها أجهزة الحكومة باستخدام «بيغاسوس» إلى القضاء. وبعد شهرين، في 10 يوليو/تموز، عُيّن وزيراً لشؤون الرئاسة والعلاقات مع البرلمان.

وأثار عدم تحمّل بولانيوس المسؤولية مخاوف لدى مارغاريتا روبليس من تحميل المركز الوطني للتشفير والمركز الوطني للاستخبارات، وكلاهما كانا خاضعين لسلطتها، مسؤولية هذا الخلل الأمني الهائل. وقالت روبليس للصحافة آنذاك، في محاولة لتجنب تحميلها المسؤولية عن هذه الفوضى: «خصصوا دقيقة واحدة من وقتكم لتعرفوا الجهة التي تتبع لها مسؤولية أمن هاتف رئيس الحكومة». وفي جلسات خاصة، كانت أكثر وضوحاً، وأشارت إلى بولانيوس، وفقاً لما يتذكره الصحفيون الحاضرون.

كانت الفوضى تعم اتصالات الحكومة في ذلك الوقت. ولم يكن يستخدم تطبيق «ComSec»، وهو تطبيق فائق التشفير طورته شركة «Indra» ومثبت على هواتف المسؤولين، للتواصل فيما بينهم سوى عدد قليل جداً من كبار المسؤولين. كما لم يكونوا يحدثون برامج مكافحة الفيروسات، متجاهلين بذلك توصيات المركز الوطني للتشفير،لا كانوا يخضعون هواتفهم لفحوصات دورية. «كانوا كسالى»، يتذكر موظف متقاعد من مونكلوا. وقال عنصر سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربية، فرّ من البلاد: «عليهم أن يفهموا أن إسبانيا تحولت إلى دولة مخترقة».

وفي عام 2022، مارس كل من المركز الوطني للتشفير وإدارة الأمن القومي ضغوطاً من لنقل مسؤولية أمن الهواتف المحمولة إلى هذه الأخيرة، وهي أيضاً تابعة لرئاسة الحكومة، ويعمل فيها عدد كبير من العسكريين. بيد أن أوسكار لوبيث، الذي كان يشغل آنذاك منصب مدير مكتب بيدرو سانشيز، عارض ذلك،  خشية أن يُفهم نقل هذه المسؤولية على أنه اعتراف بأن النظام المعمول به حتى ذلك الحين لم يكن يعمل على نحو سليم. كان يجب الانتظار حتى عام 2024 ليحدث التغيير.

وسأل الائتلاف الصحفي الذي أنجز هذا التحقيق، والذي تنسقه منظمة «Forbidden Stories»، رئاسة الحكومة الإسبانية عما إذا كان قد وقع أي تقصير في أمن الاتصالات الهاتفية، والتدابير التي اتُّخذت منذ عام 2022 لضمان عدم اختراقها، دون تلقي أي رد

وفي العام نفسه، 2024، نشر المركز الوطني للتشفير تقريراً استعرض فيه «القوى السيبرانية التي تشكل خطراً على إسبانيا». وأشار التقرير إلى الصين وروسيا وإيران وحتى كوريا الشمالية، لكنه تجاهل المغرب.كما لم يذكر «بيغاسوس»، رغم أن خبراءه التقنيين خلصوا إلى أن هذه البرمجية هي التي استُخدمت لاختراق هواتف سانشيز ووزرائه.

أما الشكوى التي تقدمت بها النيابة العامة باسم الدولة أمام المحكمة الوطنية بناءً على تكليف من الحكومة، فلم تحظ بالدعم الدبلوماسي اللازم لتمكين القاضي كالاما، قاضي التحقيق في المحكمة الوطنية، من إجراء تحقيق معمق.

بيغاسوس هو برنامج خبيث طورته الشركة الإسرائيلية NSO Group. يحتاج إلى موافقة وزارة الدفاع لتصديره. طلب القاضي الإسباني عدة مرات أن يتمكن من إجراء تفويض قضائي في إسرائيل. لم يتلق رداً.

«بيغاسوس» برمجية خبيثة طورتها شركة «NSO Group» الإسرائيلية، ويتطلب تصديرها الحصول على ترخيص من وزارة الدفاع الإسرائيلية. وقد طلب القاضي الإسباني في مناسبات عدة السماح له بإرسال إنابة قضائية دولية إلى إسرائيل، دونأن يتلقَّ أي رد.

في أحكامه لعامي 2023 و2024، اشتكى كالا ما وصفه بـ”الغياب التام للتعاون القانوني” من إسرائيل، الأمر الذي “أحبط استمرار التحقيق”، كما انتقد غياب الدعم الدبلوماسي الإسباني. ومن اللافت أن حكومة مثل حكومة سانشيز، التي كانت شديدة الانتقاد لإسرائيل خلال السنوات الأخيرة، لم تبدِ اهتماماً بمساعدة القاضي في تحقيقاته. وعندما سُئلت وزارة الخارجية الإسبانية عن غياب هذا الدعم للقاضي كالاما، فضل الوزير التزام الصمت.

وفي ردودها على الانتقادات التي وجهها سانشيز، لم تستخدم إسرائيل البيانات التي استخرجتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربية، لأنها ليست بحوزتها. ويؤكد عنصر سابق في جهاز الاستخبارات المغربية، فرّ من البلاد، أن شركة «NSO Group» لا تحتفظ سوى بسجلات أرقام الهواتف المستهدفة ومحاولات الاختراق التي نُفذت إلى حين اختراقها، لكنها لا تحتفظ بسجلات لما تم استخراجه من تلك الأجهزة.

لم تقم الجهات التي وجه إليها الائتلاف الإعلامي الذي أنجز هذا التحقيق أسئلته بالرد، وهي: مونكلوا، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية الإسبانية.

لمطالعة التحقيق باللغة الاسبانية : Los descuidos de Moncloa abrieron la puerta al espionaje marroquí: “Eran unos perezosos”

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram