الرئيسية

“الهاربون” إلى سبتة.. عبور إلى محنةٍ أخرى! (روبورتاج)

هنا سبتة، هنا ياسين الذي جاء بحثًا عن العمل، هنا يوسف الذي عبر لاستعادة عائلته وحياته القديمة، هنا نساءٌ وقاصراتٌ يفترشنَ الأرصفة، أحراش الجبال وملاعب الأحياء، هنا قاصرون مازالت أعدادهم تتضارب بين الرسمي والحقوقي، وهنا الجثامين التي ما تزال تنتظر أسماءها، وقبورها وشواهدها التي تتيح التعرف عليها ولقياها لقاءً أخيرًا… "هوامش" ترصد واقع سبتة بعد "الهروب الكبير"، حيث لم يكن الوصول نهايةً لعبور الحدود سباحةً أو مشيًا أو هرولةً، بقدر ما كان بدايةً لمحنةٍ أخرى!

“هوامش”/ سبتة| سعيد المرابط: 

لم يكن أحدٌ يتخيّل أن تستيقظ سبتة ذات صباح على هذا العبور الهائل؛ أكثر من ستين ألف مهاجر يتدفقون نحو المدينة، بعضهم يشقّ البحر سباحةً وهم يلهثون، وآخرون يعبرون جريًا من بوابة “تاراخال” المعبر البري الوحيد الذي تصل عبره إلى سبتة. كان “الهروب الكبير” في تلك الساعات، طريقًا إلى أوروبا، فيما بدت المدينة الصغيرة، المحاصرة بالبحر والأسلاك، عاجزةً عن استيعاب هذا السيل البشري الذي دخل فجأة.

لا أريد العودة إلى المغرب

يتابع ياسين، 20 سنة، الوضع أمام مركز لإيواء المهاجرين في سبتة، وفي باله سؤال واحد، “هل سأتمكن من الدخول؟”، في حديثه لمنصة “هوامش”، يظهر عدم اليقين بأن مغامرته سوف تنتهي كما تخيلها، يقول: “لا أستطيع الدخول مع كل هؤلاء الناس، هناك مشاكل كثيرة هنا، والمشكلة الأكبر هي الخوف، إلى حد الساعة لا نعرف ما عليه مصيرنا”.

لم يعد مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين في سبتة، المعروف اختصاراً بـ”CETI”، يشبه مكانًا لاستقبال الأشخاص المهاجرين، أو طالبي اللجوء، بقدر ما بات يشبه محطة انتظار طويلة، تحت ظلال الأشجار وفي فيء الغابات المحيطة به.

بعد أربعة أيام من موجة الهجرة الكثيفة، افترش مئات الأشخاص الأرض، فيما اختار آخرون النوم في الأحراش، حفاةً أحيانًا، ينتظرون ماءً أو خبزًا أو خبرًا، أو مكاناً داخل المركز، أو حتى إشارة إنترنت تمكنهم من طمأنة عائلاتهم؛ يقف البعض هنا وهناك متشبثين بهواتفهم محاولين التقاط إشارة للشبكة ولو كانت ضعيفةً.

خلف هذا المشهد الجماعي، تختبئ قصص أفراد لم يصلوا فقط إلى سبتة في الموجة الأخيرة، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين في قلب تداعياتها، بين أحراش الجبال، أو على رمال الشواطىء، وآخرون مشتتون في الأحياء الفقيرة للمدينة، أحياء تسكنها الغالبية المسلمة في سبتة. 

ينحدر ياسين من أكادير، وصل إلى سبتة مع الذين دخلوا خلال التدفق الجماعي الأخير، بعدما سافر من عاصمة سوس إلى الفنيدق، ومنها إلى سبتة سباحةً، وها هو ينتظر أن تفتح أمامه فرصة لبدء حياة جديدة، لكن الوضع في سبتة قلب حساباته.

في حديثه لـ”هوامش” يقول ياسين إن “وصول هذا العدد الكبير من الأشخاص جعل الوضع أكثر تعقيدًا، لذلك، نحن هنا الآن خارج المركز، نراقب حركة الداخل والخارج، وننتظر أن تهدأ الأوضاع حتى نتمكن من الولوج”.

ومع ذلك، لا يتحدث ياسين عن نفسه بوصفه ضحية للمكان، بل للظروف، ثم ينتقل إلى الحديث عن شيء آخر يشغله أكثر من الانتظار: العمل.

ياسين يعمل في تركيب ألواح الجبس، وقد تلقى، بحسب قوله، اتصالات من شركات تبحث عن عمال في هذا المجال. وهو يرى أن الحصول على الوثائق اللازمة سيكون كافيًا ليبدأ حياته من جديد، “هناك شركات كثيرة تحتاج إلى عمال تركيب”، يؤكد بثقة، وكأنه يحاول أن يرى ما بعد سبتة، لا ما يحدث فيها الآن، ولكن الأزمة جعلت الطريق إلى تلك الحياة تبدو أطول.

سبتة.. مدينة متعبة

في صباح الأربعاء 5 غشت، كانت الشرطة الوطنية الإسبانية تحرص على إخلاء الطريق المؤدي إلى مركز الاستقبال، وعلى الجانب السفلي من الطريق، توقفت شاحنة تابعة لوحدة الأمن لمنع تجمعات جديدة.

كانت سبتة نفسها تبدو متعبة بعد أيام من الضغط غير المسبوق؛ طوابير وانتظار وحشود في محيط المركز، وسكان يحاولون مواصلة حياتهم اليومية وسط واقع استثنائي فرض نفسه على المدينة.

لكن ياسين لا يريد أن يتحول هؤلاء السكان إلى خصم في حكايته، يقول إنه يفهم غضبهم، خصوصًا بعد أيام من الضغط الكبير الذي عاشته المدينة. وفي الوقت نفسه، يعتقد أن على السلطات أن تميز بين من جاء بحثًا عن العمل والحياة، وبين من قد يرتكب أعمال سرقة أو يتورط في اضطرابات.

“نحن لسنا لصوصًا ولا معتدين ولم نأت للقيام بالشغب، والشرطة عليها أن تقوم بعملها، لأن السكان قلقون”، يقول، ثم يعود إلى الجملة التي تبدو بالنسبة إليه أهم من كل ما سبق: “لا أريد العودة إلى المغرب”.

على بعد أمتار قليلة من ياسين، يقف علي، القادم هو الآخر من الدار البيضاء، لم يمض على وصوله إلى سبتة سوى أيام قليلة، دخلها يوم الـ”هروب الكبير”، وبينما لا يزال كثيرون في محيط المركز يبحثون عن مكان للنوم أو ينتظرون الدخول، يبدو علي منشغلاً بما سيأتي بعد ذلك.

علي لديه مشروع واضح؛ تعلم اللغة الإسبانية، الدراسة، ثم العمل، “أريد أن أدرس، وأتابع تكوينًا وأعمل”، يقول لمنصة “هوامش” وهو يلتفت يمينا ويسارا.

وحين سألته المنصة إن كان يفكر في العودة إلى المغرب، لم يكن يحتاج إلى وقت للتفكير، هز رأسه نافيًا “لا”، جواب من كلمة واحدة، لكنها تختصر بالنسبة إليه قرارًا أكبر من مجرد رحلة عبور للسياج الفاصل أو البحر.

يريد علي أن يبني حياته في إسبانيا، وأن يؤسس أسرة، وأن يجد الاستقرار بعيدًا عن بلده الأصلي، في سبتة أو خارجها، ما يهمه هو أن يدرس، لأن “التعليم في المغرب ليس جيدًا، لقد خرجنا نطالب بتحسينه ولكن السجن كان مصير الكثير”.

في سبتة، تتقاطع في هذه الأيام آلاف الرغبات والخوف والانتظار، ولا تبدو قصته مختلفة كثيرًا عن قصص آخرين، غير أن الفارق أن بعضهم ما زال يسأل متى سيتمكن من الدخول، بينما بدأ علي، منذ وصوله، يسأل سؤالاً آخر، “كيف أبدأ حياتي هنا؟”.

وبين السؤالين، تبقى الأرض المحيطة بالـ”CETI”، مكتظة بأجساد تنتظر على الأرض، أو تكسر جمود وبطء الوقت بلعب كرة القدم، فيما بالتوازي تستمر المدينة في محاولة استعادة أنفاسها، ويقوم مسلموها وساكنتها ذات الأصول المغربية، وبعض المنظمات الحقوقية والإنسانية، بتقديم يد العون والمساعدة للمهاجرين.

تحدثت “هوامش” مع عائشة أحمد عمار، وهي سبتيةٌ تساعد المهاجرين، تعتبر أن “رؤية الأطفال في الشارع بدون أكل ولا غطاء شيء مفزع وموجع… نحن في سبتة ساعدنا الفلسطينيين كيف نتخلى عن أشخاص من دمنا؟”. 

“مسلمو سبتة المغاربة (المنحدرون من عائلات مغربية هاجرت إلى سبتة واستوطنتها) أكثر عنصرية من الإسبان، أما المسلمون السبتيون الأصليون فقد أظهروا أنهم أكثر إنسانية”، تضيف بعينين دامعتين.

 وترى عائشة، أن ما وقع “خدعة قام بها أحد ما في مكان ما… الحدود تعني المال، وحدود سبتة مشروع مربح للجميع، للمهربين، لتجار المخدرات، للمغرب، لإسبانيا، لليمين المتطرف ولسانشيز، كلهم رابحون من الحدود… والضحية أطفال صغار”.

سبع سنوات من الانتظار

عكس ما يُروَّج له من أن الفقر والبطالة وحدهما يدفعان المغاربة إلى الهجرة، تكشف بعض القصص الإنسانية عن دوافع أكثر تعقيدًا. قصة يوسف العباسي واحدة منها؛ رجل عاش 14 عامًا في إسبانيا، قبل أن يُرحَّل إلى المغرب ويُبعد عن زوجته وبناته، رغم صدور قرار عن محكمة باسكية يمنع ترحيله، واليوم بعد سبع سنوات، لم يعبر يوسف إلى إسبانيا بحثًا عن حياة جديدة، بقدر ما يحاول استعادة حياة قديمة.

وقبل أسبوع فقط، رأى يوسف في البحر فرصة لاستعادة حياة فقدها قبل سبع سنوات، فالرجل البالغ من العمر 44 عامًا، عاش في إسبانيا لمدة 14 عامًا، معظمها في مدينة بلباو، هناك عمل في قطاع الفندقة، وهناك أيضًا ترك زوجته وبناته الأربع، بعدما انتهت حكايته في عام 2019، إثر فقده لعمله وانتهاء صلاحية إقامته، ليُرحّل إلى المغرب.

منذ ذلك الحين، ظل يعيش بعيدًا عن عائلته، محاولًا تدبير حياته بأعمال متفرقة في إصلاح الهواتف المحمولة إلى جانب والده، لكنه، كما يقول لمنصة “هوامش” التي التقته في سبتة، “لم أتخلّ عن فكرة العودة”، ويقصد العودة إلى إسبانيا.

عندما بدأت الأخبار تتحدث عن مئات الأشخاص الذين يعبرون سباحة من المغرب إلى سبتة، قرر يوسف أن يحاول من جديد، استقل سيارة أجرة نحو تطوان، وفي الطريق، كان يتابع المنشورات على فيسبوك والتقارير الإخبارية التي تتحدث عن سماح السلطات المغربية للناس بالوصول إلى الحدود.

عندما وصل إلى تطوان، وجد مدينة لا تشبه ما كان يسمعه أو يعرفه عنها: “كان الشباب يركضون في الشوارع ويملأون كل زاوية”، ومن هناك تابع طريقه نحو الفنيدق؛ فوجد الحواجز ونقاط التفتيش التي اعتاد أن يراها على الطريق نحو المعبر قد اختفت.

“كان عناصر الشرطة المغربية يصرخون في وجوهنا: اذهبوا، اذهبوا، اذهبوا! اركضوا الآن، اركضوا إلى إسبانيا”، يؤكد يوسف لـ”هوامش”.

كان المشهد بالنسبة إليه بلا تفسير؛ ففي الليلة السابقة، كما يقول، “كان الناس يتعرضون للضرب، بينما في ذلك الصباح كانت الطريق مفتوحة أمامنا… في ذلك الصباح سمحوا لنا بالمرور، ما فهمت أنا والو”. 

ويوضح يوسف أنه لاحظ أيضًا أن السماح بالعبور لم يكن متاحًا للجميع، فبينما كان المغاربة يتقدمون نحو الحدود، كان المهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء يُدفعون إلى الخلف بالقوة.

وصل إلى السياج عند الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة بعد ظهر الأربعاء، وبعد نحو ربع ساعة، كان قد عبر إلى الأراضي السبتية سباحة، لكن الدقائق القليلة التي قضاها في الماء حملت إليه صورة أخرى للعبور؛ صورة الموت.

“خلال عشر دقائق فقط في المياه، رأيت أربع جثثٍ طافية على الماء، وكان هناك شباب ينتشلونها”، يتذكر يوسف في حديثه لـ”هوامش”.

وصل يوسف إلى سبتة، لكن الوصول لم يكن نهاية الرحلة؛ فزوجته وبناته الأربع ما زلن في بلباو، بينما وجد نفسه من جديد على الجانب الآخر من الحدود، يحاول أن يعرف ماذا ينتظره.

سبع سنوات مرت منذ أن أُعيد إلى المغرب، لكنه يقول إنه لم يتوقف خلالها عن التفكير في العودة إلى المكان الذي عاش فيه 14 عامًا: “لم أتوقف يومًا عن التفكير في العودة، كنت حيًا في المغرب، لكنني لم أكن أعيش حياة حقيقية”.

والآن، ما يزال يوسف في سبتة، يضرب أخماسًا في أسداس، ينتظر ورقةً قضائية قد تعيده إلى الحياة التي جاء يبحث عنها؛ الحكم الذي يمنع ترحيله، والذي سيتيح له مغادرة سبتة والالتحاق بزوجته وبناته، شمال المتوسط، بعد سبع سنوات من الفراق.

بيت صباح.. منزلٌ فتح أبوابه لمن لا يجدون مكانًا

منذ أن بدأت موجة العبور الجماعي إلى سبتة، تحوّل منزل صباح حامد، في حي لوس روزاليس، إلى محطة إنسانية مفتوحة أمام المهاجرين، الذين وجدوا أنفسهم في شوارع المدينة بلا طعام ولا ملابس ولا مكان للاستحمام.

تفتح صباح أبواب منزلها عند الظهر، ولا تغلقها حتى منتصف الليل، وبين الساعات الأولى للنهار ونهايته، تعبر من بيتها مئات الوجوه؛ رجال ونساء وقاصرون، بعضهم وصل إلى سبتة بعد رحلة شاقة، وبعضهم أمضى أيامًا في الشوارع أو في الجبال، لا يعرف أين يذهب!

في مطبخ المنزل، تعمل أكثر من عشر متطوعات على إعداد الطعام، وفي ذلك اليوم، كانت القدور تمتلئ بكرات اللحم والبطاطس، فيما أُعدّت المعكرونة باللحم المفروم وشطائر التونة لتوزيعها على الوافدين.

لكن ما تقدمه صباح لا يقتصر على الطعام؛ ففي منزلها يجد المهاجرون الماء والملابس النظيفة ومكانًا للاستحمام، كما تُعالج الجروح السطحية، وتُلبّى احتياجات النظافة الشخصية للنساء، بما في ذلك مستلزمات فترة الحيض.

وعلى سطح المنزل، أعدّت صباح مكانًا للاستحمام، يصعد إليه الرجال والقاصرون، بينما تستخدم النساء حمام المنزل، الذي تتولى المتطوعات تنظيفه باستمرار.

تقول صباح، “يصل إلى بيتي نحو 400 شخص يوميًا”، ومع ذلك، فإن أكثر ما يؤلم صباح هو ما لا تستطيع تقديمه لهم: المأوى، حيث “اضطررت إلى رفض طلبات عدة نساء وصلن إلى بيتي وهنّ يبكين… لكن ماذا أفعل؟ ليس لدي مكان ينمن فيه”.

هنا، لا تتوقف الحاجة عند أبواب منزلها؛ ففي بعض الأيام، تنسى صباح والمتطوعات تناول الطعام، لأن كل ما يُحضّر في المطبخ يذهب سريعًا إلى من ينتظرون في الخارج.

هذا ما حدث في اليوم السابق مثلا، “أمس أعددنا التمر مع الشباكية والحريرة، احتفظنا بالقليل لنا، لكن مزيدًا من الناس كانوا يصلون فكنا نعطيهم إياه. وفي النهاية اضطررنا إلى طلب الطعام من مطعم للعشاء”، تقول لـ”هوامش”.

صباح ليست جديدة على هذا الدور؛ فهي حاصلة على جائزة “ماريا دي إيثا”، عام 2022، تقديرًا لمساعدتها الإنسانية للمهاجرين الذين دخلوا سبتة خلال أزمة ماي 2021، وبعد سنوات، وجدت نفسها تفتح أبواب منزلها من جديد، وهذه المرة أمام موجة أكبر من الوافدين.

في هذا البيت، لا تسأل صباح كثيرًا عن الطريق الذي جاء منه الناس، ولا عن الأوراق التي يحملونها، يكفي أن يصلوا إلى باب بيتها: “يأتي الكثير من القاصرين والشباب والنساء، نحن نعتني بالجميع بدافع الإنسانية”، تؤكد صباح.

وربما لهذا، وسط مدينة تحاول أن تعرف كيف تتعامل مع آلاف الأشخاص الذين وصلوا إليها فجأة، اختارت صباح أن تفعل ما تستطيع؛ أن تفتح باب بيتها، وتضع الطعام على المائدة، وتترك الماء متاحًا لمن قطعوا البحر بحثًا عن مكان آخر.

مدينة منشطرة 

سبتة، مدينة كولونيالية بامتياز، تعيش هويتها انشطارا واضحا؛ مدينة تعيش زمنين مختلفين ومتوازيين، وربما ثلاثة! الإسبان يرون البقية “موروس”، والمسلمون يرون الإسبان مستعمرين “نصارى”، فيما تتحدث نخبة منهم العربية وحدها في مقاهي وحانات وسط سبتة، وتنعَت المغاربة بأنهم مقتحمين وهمج.

لكن هذه الصورة لا تختزل سبتة كلها، ففي وسط المدينة، قرب ساحة “نويسترا سينيورا دي أفريكا”، يصرخ الواقع بتناقضاته؛ حيث حجّ عشرات الإسبان بأناقة باذخة للاحتفال بعيد القديسة “عذراء إفريقيا”، أمام الكنيسة التي تحمل اسمها.

مساء الثلاثاء الماضي، وعلى مسافة قليلة جدًا، حيث يفصل الكنيسة عن الشاطئ شارع ضيق، جلس محمد، وهو مغربي قاصر، مطأطأ الرأس، كأن المدينة التي تحتفل في الضفة الأخرى لا تعنيه.

محمد لا يعرف أي مصير ينتظره؛ فمراكزُ إيواء القاصرين مكتظة، والخوف من الترحيل وإعادته إلى المغرب يطارده؛ في حديثه لـ”هوامش” يقول: “أنا من طنجة، عمري 16 سنة، جئت إلى سبتة سباحة من الفنيدق، لأنني أريد أن أصل إلى أوروبا، ولا أريد أن أعود إلى المغرب”.

لا يتحدث محمد عن خطة واضحة، ولا يعرف إلى أي مدينة يريد الوصول، ولا كيف سيصل إليها، ولا ماذا سيفعل عندما يصل، وحين سألناه عن وجهته، أجاب بكلمات اختصرت كل شيء: “بغيت أوروبا ونحسن الوضعية”.

يصمت محمد، ويعود إلى وجومه، فيما تمر من أمامه العائلات والأطفال والسياح متجهين إلى احتفالات “عذراء إفريقيا”، فهذا الجزء من المدينة منشغل بعيدها، بينما يقضي هو يومه جائعًا، بلا مأوى، وبلا وجهة واضحة؛ عالقًا بين رغبته في الوصول إلى أوروبا، وخوفه من أن تعيده شرطة سبتة التي وصل إليها إلى بلده، إلى المغرب.

 سيدي إمبارك.. تضامنٌ شعبي يصطدم بحدود القدرة! 

في حي سيدي إمبارك، ذي الغالبية المسلمة في سبتة، لم يعد المكان الذي فتحه السكان لإيواء مجموعة صغيرة من القاصرات يشبه ملجأً مؤقتًا، فملعب الحي الذي يضمهنَّ، تحول بعد أيام، إلى تجمع يضم نحو 300 شخص، غالبيتهم من النساء والقاصرات، وبينهم أطفال. 

هناك، تحولت الأرضية إلى أسرّة، والبطانيات إلى سلعة نادرة، فيما بدأت المساعدات التي ظل الجيران يوفرونها من جيوبهم تنفذ، ومعها تتراجع قدرة الحي على الاستمرار.

يقول عبد الله مصطفى، رئيس جمعية حي سيدي امبارك، إن السكان فتحوا المكان بعدما رأوا نساء وفتيات يقضين الليل في الغابة، فبدأ العدد بعشرين شخصًا، وارتفع إلى ثلاثين ثم أربعين، قبل أن يصل إلى نحو 280 امرأة وفتاة، فيما واصلت أخريات الوصول خلال الليل: “هذا مؤسف، هذه كارثة، وانعدام تنظيم مرعب”، يوضح عبد الله لـ”هوامش”. 

خلال الأيام الماضية، حاول السكان المساعدة، اقتطعوا من رواتبهم لشراء الطعام، وتبرعوا بالبطانيات، ونظموا نوبات للحراسة لحماية النساء اللواتي يقضين الليل والنهار في المكان. 

لكن التضامن، مهما كان كبيرًا، له حدوده، يؤكد عبد الله: “أنفقنا رواتبنا عليهنّ لأننا لا نستطيع أن نرى شخصًا يموت من الجوع… من كان لديه شيء أعطاه، وانتهى كل شيء، السكان لم يعد بإمكانهم فعل المزيد”.

تصل بعض المساعدات من الجمعيات ومن مواطنين بسطاء، وتحمل معها أحيانًا تفاصيل صغيرة تعني الكثير في مكان كهذا، لا أحد يملك الموارد الكافية لإبقاء هذا المكان مفتوحًا إلى ما لا نهاية؛ فظروف العيش، تبدو أكثر قسوة، لا ماء كافيًا، ولا حمامات، ولا مرافق صحية تستوعب عشرات الفتيات والنساء. 

المرحاض المتنقل الوحيد الذي وضعته سلطات المدينة سرعان ما امتلأ، بحسب عبد الله، حتى بات غير صالح للاستعمال: “لا يوجد ماء، والمرحاض الوحيد الذي وضعوه يمتلئ خلال خمس عشرة دقيقة، ثم علينا إغلاقه”، يؤكد الشاب السبتيُّ لهذه المنصة.

الحرّ لا يطاق، وشمس غشت تلهب الجميع، نصب شباب الحي مظلة بشكل بدائي لحماية النساء والأطفال من الشمس، لكن حرارة النهار تصل إلى الجميع منذ الساعات الأولى.

وحسب عبد الله، فإن أكثر ما يثقل المكان ليس نقص الطعام أو البطانيات والماء، بل القصص التي تصل مع بعض النساء والفتيات من الغابات المحيطة في سبتة؛ ذكر أن بعض القاصرات والنساء يصلن في حالة صدمة، بعد تعرضهن، لاعتداءات جنسية، “هناك فتيات يصلن بعد اغتصابهنَّ، بالأمس أرسلت مع محاميتين فتاة لتقديم بلاغ بعدما تعرضت للاغتصاب في الغابة” يقول لمنصة “هوامش”.

ويضيف: “إنهنَّ في حالة صدمة، كيف يمكن لشخص في حالة صدمة أن يتصرف؟ اضطررنا إلى إرسال أخصائية نفسية ومحامية لإقناعها”.

ما يقوله عبد الله، تؤكده لـ”هوامش” مصادر حقوقية في سبتة،  حيث أن “أربع طفلاتٍ وصلنَ حديثًا من المغرب تلقين، خلال الأسبوع الأخير، الرعاية في المستشفى بعد الاشتباه في تعرضهنَّ للاغتصاب”.

وأوضحت المصادر الحقوقية أن “العدد قد يكون أعلى، إذ إن بعض الفتيات ولا حتى النساء يتقدمنَ ببلاغ لدى السلطات، سواء قبل خضوعهنّ للفحص الطبي أو بعده”. هذه المصادر نفسها، تؤكد أن “الضحايا اللواتي استقبلهن المستشفى لم تتجاوز أعمارهنَّ 14 عامًا”.

من جهته، يشير عبد الله إلى أن ملعب الحي، الذي تحول إلى مخيمٍ للطفلات والنساء يضم نساء حوامل، وأخريات يعانين من التهابات، وأمهات مع أطفال صغار، وفتيات قاصرات، و”لا يمكن أن يستمروا في العيش بهذه الطريقة”، وفق ما يقول.

في الواقع، سيدي إمبارك، حي بدأ سكانه يشعرون بأنهم يحملون عبئًا يفوق قدرتهم، في أزمة لم يصنعوها ولم يقرروا بدايتها؛ “هذه ليست مشكلة سكان الأحياء الهامشية، لكننا نحن من نتحملها، نحن لم نقل لهؤلاء الناس أن يأتوا. الذين يحكمون هم من عليهم أن يحلوا هذه المشكلة”، يقول عبد الله لـ”هوامش” بغضب واستياء واضحين.

خلال حديثه، وجه كلامه مباشرة إلى السلطات المحلية في سبتة: “ليأتِ مندوب الحكومة وخوان فيفاس، وليَرَوا ما يحدث هنا، وليقدموا حلًا… والحل نريده اليوم، لا غدًا”.

وإلى أن يأتي الحل، يستمر سكان حي سيدي امبارك الذين رقت قلوبهم للنساء والطفلات المهاجرات في فعل وتقديم ما يستطيعون، وجبة ساخنة، وبطانية، وكوب ماء، ومكان يحمي امرأة أو طفلة من قضاء الليل في العراء، لكن هذه الأشياء البسيطة بدأت تنفذ. 

“نحن بشر، ولا يمكن أن نترك شخصًا يموت من دون أن نعطيه كوب ماء، لكننا لا نستطيع تحمّل هذا وحدنا، الأحياء الهامشية دُمّرت، والسكان لم يعد بإمكانهم فعل المزيد”، هكذا يلخص عبد الله الصورة. 

من عنف الأب إلى ضيق سبتة 

في ملعب حي سيدي إمبارك، الذي تحوّل منذ وصول موجة المهاجرين إلى مخيم يؤوي نساءً وفتيات وقاصرات، قابلت “هوامش” هدى، التي روت لنا تفاصيل الطريق التي قادتها إلى المدينة، والظروف التي دفعتها إلى مغادرة منزلها، ومحاولات عبورها السابقة نحو إسبانيا.

تقول هدى ذات الـ17 عامًا إنها كانت تفكر في الهجرة منذ أن كانت طفلةً بالكاد في سن المراهقة: “منذ أن كان عمري 14 سنة، كنت أفكر في الهجرة، عندما جاءت فرصة للهجرة سنة 2021، لم أستطع، لأنني كنت صغيرة جدا في السن”. 

وبعد بلوغها 16 عامًا، توضح هدى أن علاقتها بوالدها بدأت تتدهور، وأنها أصبحت تتعرض لضغوط داخل المنزل: “كنت أتشاجر مع أبي كثيرًا. كان يسبني ويتهمني في شرفي، كان يقول لي كلامًا لا يمكن أن يُقال لطفلة… هذا الأمر أثّر كثيرًا في نفسيتي، وبسببه تدمرت علاقتي مع أبي”. 

تتذكر هدى أن إحدى المشاجرات بينهما انتهت بقرارها مغادرة المنزل: “في أحد الأيام، تشاجرت مع أبي، كان يقول لي كلامًا فاحشًا في الشارع أمام الجيران وأصدقائي، وكان الجميع مجتمعين هناك… قال لي أخرجي من البيت”.

“خرجت من المنزل، أمي أعطتني بعض المال، وأخذت سيارة أجرة إلى طنجة، وبعد ذلك طلبت سيارة عبر تطبيق ‘InDrive’ أوصلتني إلى تطوان، وفي الصباح كان معي حوالي 120 درهمًا، بينما كلفتني سيارة ‘InDrive’ نحو 350 درهمًا”، تحكي الفتاة. 

من تطوان، واصلت هدى طريقها نحو الشمال، ومن هناك تروي أن الرحلة لم تكن سهلة، وأنها تعرضت لمضايقات من بعض الأشخاص الذين صادفتهم في الطريق: “عندما وصلت إلى تطوان، ومنها إلى مرتيل، واصلت الطريق باتجاه سبتة، كانت هناك مشاكل كثيرة في الطريق، وكان بعض الأشخاص يضايقونني ويسألونني: لماذا أنت هنا؟ وكانوا يقولون لي كلامًا سيئًا”. 

لاحقًا، وصلت هدى إلى مكان وجدت فيه “الباب مغلقًا” تقصد بوابات المعبر، وعندئذٍ بدأت تفكر في محاولة عبور البحر، خصوصًا أنها تجيد السباحة، كما روت لـ”هوامش”.

هذه المرة، لم تكن هي محاولة هدى الأولى للوصول إلى إسبانيا، إذ تروي لهذه المنصة: “حاولت الهجرة إلى إسبانيا أكثر من مرة، حاولت دخول مدينة سبتة، لكنني لم أستطع الدخول، لأن السلطات أوقفتني وأعادتني”. 

القاصرون: أعداد متضاربة وواقع مرعب! 

أخبرتنا والدة الطفلين إكرام ومحمد الطريبق، اللذين كانا في عداد المفقودين منذ اندلاع أزمة الهجرة في سبتة، العثور عليهما سالمين، وقالت الأم، التي فقدت طفليها أثناء عبورهما معها إلى سبتة، في تصريح لمنصة “هوامش”، إن الطفلين وُجدا بالصدفة داخل منزل سيدة تبيّن لاحقًا أنها صديقة لخالتهما، من دون أن تعلم أن الأسرة كانت تبحث عنهما. وأضافت: “أنا الآن مع الطفلين، وهما بخير”.

في هذا السياق، يواجه آلاف الأطفال الآخرين مصيرًا مجهولًا، إذ كشف إحصاء غير رسمي، أجرته جمعيات محلية ومتطوعون في حي الأمير (برينسيبي)، عن تسجيل 4 آلاف و860 طفلًا قاصرًا غير مصحوبين بذويهم خلال يومين فقط، وهو رقم يفوق بأكثر من الضعف التقديرات الرسمية، بينما لم توفر السلطات الإسبانية سوى مركز إيواء يتسع لنحو 100 فتاة.

وتحتفظ المتطوعة مريم بملف يضم أسماء القاصرين وأعمارهم وأرقام هواتف ذويهم، وقد كُتب على غلافه بخط اليد: “اليوم الأول: 2672 مسجلًا؛ اليوم الثاني: 2188 مسجلًا؛ المجموع: 4860”.

وأكدت مريم لـ”هوامش” أن “هذا الرقم لا يشمل جميع الأطفال الموجودين في سبتة”، موضحةً أن “كثيرين لم يتمكنوا بعد من التسجيل، بينما يقيم آخرون في منازل سكان المدينة”.

وأضافت: “توقفنا عن تسجيل الأسماء لأننا سنسلم هذه الأرقام إلى مندوبية الحكومة حتى تدرك حجم الأزمة… ليس هناك ألف قاصر فقط كما يُقال في التلفزيون، هذا مستحيل”.

وأشار المتطوعون إلى أنهم وضعوا خطًا تحت أسماء الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 عامًا لإعطائهم الأولوية، ويعملون على نقلهم إلى مراكز الشرطة لتسجيلهم رسميًا حتى يتمكنوا من الحصول على أماكن في مراكز الإيواء؛ وفي مقر الجمعية، ينتظر عشرات الأطفال دورهم للتسجيل، فيما يتولى المتطوعون نقلهم بسياراتهم الخاصة، وإعداد قوائم جديدة، والتواصل مع أسرهم في المغرب.

وقالت إحدى المتطوعات لهذه المنصة: “لدي ثلاثة أشقاء يقيمون في منزلي، طلبت منا السلطات حاليًا نقل الأطفال دون 14 عامًا فقط، واضطررنا إلى فصلهم عن شقيقهم الأكبر، كان ذلك مؤلمًا لأنهم قضوا ساعات وهم يبكون”. 

وينحدر معظم الأطفال المسجلين من المغرب، إلى جانب عدد من الأطفال المصريين واليمنيين. ويؤكد المتطوعون أن سكان الحي يؤوون كثيرًا منهم في منازلهم، لكنهم يحذّرون من أن “هذا الوضع غير قابل للاستمرار”، مطالبين السلطات بإيجاد حل عاجل.

كما يعمل المتطوعون على توفير الطعام والمأوى للأطفال، ويحاولون التواصل مع أسرهم، إلا أن بعضهم لا يحفظ أي رقم هاتف لأقاربه، بينما تمكن آخرون من الاتصال بذويهم، لكن بعض الأسر رفضت إعادتهم.

في المقابل، يستقبل مركز مدرسة الملكة صوفيا، الذي افتتحته الحكومة الإسبانية تزامنًا مع زيارة وزيرة الشباب والطفولة، سيرا ريغو، نحو 100 فتاة فقط، أي ما يزيد قليلًا عن 2 بالمائة من إجمالي عدد القاصرين الذين أحصاهم المتطوعون في حي الأمير.

وتتناقض هذه الأرقام أيضًا مع تقديرات السلطات الإسبانية بشأن إجمالي المهاجرين غير النظاميين الموجودين في سبتة؛ فقد أعلن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي-مارلاسكا، في 4 غشت الجاري، أن نحو 72 ألف شخص دخلوا المدينة، وأن أكثر من 70 ألفًا غادروها، مرجحًا بقاء نحو ألفي مهاجر فقط داخل سبتة.

لكن رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، قدّر لاحقًا عدد المهاجرين الذين ما زالوا يتجولون في المدينة بنحو 6 آلاف شخص، في حين يواصل متطوعو حي الأمير “برينسيبي” تسجيل أعداد من القاصرين تفوق وحدها تقديرات وزارة الداخلية لإجمالي المهاجرين المتبقين في المدينة.

ما عاينته “هوامش” في حي الأمير وغيره من الأماكن في سبتة، يتنافى مع تصريحات رئيس حكومة سبتة المحلية، الذي قال إن عدد القاصرين حوالي 1300، ولكنّ رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، يؤكده حيث دعا يوم الجمعة الماضي، الأقاليم الإسبانية الأخرى إلى “إبداء التضامن وتقاسم مسؤولية نحو 7 آلاف قاصر”.

تجدر الإشارة إلى أن مأساة سبتة، لا تقتصر على الطفلات والقاصرات والوضع الإنساني المتدهور بالنسبة للمهاجرين، بل سجلت أكبر عدد من القتلى في تاريخ الهجرة إليها؛ فبعد أسبوع من موجة العبور الجماعي، لم تستقر حصيلة ضحايا سبتة على رقم واحد. 

بدأت السلطات الإسبانية المركزية بإعلان 57 وفاة في 31 يوليوز، ثم ارتفعت الحصيلة إلى 67 في اليوم التالي، وإلى 72 يوم 2 غشت، وفي المقابل، أعلنت حكومة سبتة المحلية في اليوم نفسه أن مشرحة المدينة استقبلت 88 جثمانًا، وهو رقم وفق مصادر “هوامش” “شمل أيضًا ضحايا محاولات عبور سابقة”. 

وبحلول يوم الجمعة 7 غشت، كانت أجهزة الطب الشرعي الإسبانية تعمل على تحديد هوية 80 جثمانًا عُثر عليها في الجانب الذي تسيطر عليه إسبانيا خلال موجة العبور، ولم تتمكن السلطات سوى من تحديد هوية أربعة منهم، ومازالت عائلات أخرى تبحث عن أبنائها المفقودين. 

شاطئ “ترامبولين” مأوى مفتوح للتشرد والعبادة 

عندما تنزل من الغابات، المحيطة بمركز الإيواء بسبتة، تتمكن من رؤية شاطئ “ترامبولين”، وهناك ينتظر مهاجرون من جنسيات مختلفة على الرمال أملًا بغير كثير من اليقين؛ ينامون على الكرطون أو ما تيسر، ويأكلون مما جاد عليهم به الناس أو الصليب الأحمر، ويغتسلون ويستعيدون قوتهم، على أمل سماع أخبار أفضل.

يطلب عبد الكريم من معد هذا الروبورتاج مشاركة شبكة الإنترنت مع هاتفه، يرفع هاتفه بعد شبكه، ليجري مكالمة عبر تطبيق “واتساب” مع أحد أفراد عائلته، تجيب من الطرف الآخر والدته، التي ما تزال في السودان، يبتسم الفتى وهو يقول: “أنا بخير، لا تقلقي… أحبك كثيرًا يا أمي، أنت تعرفين ذلك”.

ما أن ينهي المكالمة حتى تنطفئ ابتسامته، إذ يستوعب أنه بعيد بحوالي 6 آلاف و400 كيلومتر عن بيت أسرته، فهو ينحدر من قرية في إقليم دارفور السوداني.

في شاطئ “ترامبولين” بسبتة، أجاب عن أسئلة منصة “هوامش”، يؤكد الشاب أنه هرب من السودان قبل خمس سنوات، “لم تعد الحياة في السودان تحمل أي معنى، إنها ليست حياة، إما نقتل أو نموت جوعًا”.

“هناك حرب، وانعدام الأمن شديد جدًا… تُغتصب النساء، ويُجبروننا نحن الشباب، على الذهاب للقتال، تخيل ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ كنت أعرف أنني قد أموت في الطريق، لكن ذلك لم يعد يعني لي شيئًا. هنا أموت جوعًا وعطشا ولكن أعتقد أن احتمال موتي هناك كان أكبر”، يقول الشاب السوداني بحسرة.

في حديثه لـ”هوامش” يحكي طريق لجوءه، قائلا: “غادرتُ السودان عبر تشاد، ثم ذهبتُ إلى النيجر، تمكنت من العبور عبر الصحراء الكبرى… أعتقد أنني مررتُ أيضًا بمالي وموريتانيا، قبل أن أصل إلى المغرب، صدقني من كثرة الجوع والعطش، وشدة الحرارة من الصعب أن أصف لك الرحلة بدقة؛ أحيانًا لا يعرف المرء حتى أين يوجد، ولكني أتذكر كيف عشتُ في الشوارع، وتعرضتُ للضرب”.

من اليمن إلى سبتة.. 18 عامًا على طريق الهجرة! 

غير بعيدٍ عن السودانيين، وعلى رمال شاطئ “ترامبولين” في سبتة، يتكئ اليمنيون تحت ظلال الصنوبر في انتظار مصيرٍ لا يعرفون ملامحه، وهم الذين تركوا خلفهم رحلة طويلة عبر بلدانٍ عدة، بدأت بالفرار من الحرب في اليمن، وانتهت بهم في هذه البقعة الصغيرة في إفريقيا تحت سيطرة دولة أوروبية.

“والله يا صديقي، أنا جيت من داخل اليمن، هاربًا من الحرب عبر جيبوتي”، هكذا يبدأ عدي رواية رحلة يقول إنها امتدت نحو 18 عامًا، وتنقل خلالها بين بلدان عدة، قبل أن تنتهي به الرحلة إلى سبتة.

يحكي عدي لـ”هوامش” أنه غادر اليمن وهو قاصر، هربًا من الحرب، وعبر البحر من جيبوتي، من دون جواز سفر أو وثائق: “هربت عن طريق قارب بحري عبر جيبوتي، وما كان عندي لا جواز سفر ولا أي شيء”.

من جيبوتي، انتقل عدي إلى إثيوبيا، قبل أن يعود إليها مجددًا، ثم غادر باتجاه مصر، ومنها إلى السودان؛ بقي هناك إلى أن اندلعت الحرب، ليجد نفسه مضطرًا إلى مواصلة الرحلة باتجاه ليبيا.

حكاية عدي تقدر بعمرٍ للكثيرين ممن دخلوا سبتة، وتمثل واحدةً من تراجيديات النزاع في العالم: “دخلت إلى ليبيا، وانسجنت في ليبيا سنة 2021، وبعدها دخلت إلى الجزائر… وهناك، تعرضت ومن معي للاحتجاز والسرقة، انسجنّا، وسرقوا ملابسنا وسرقوا كل شيء، حتى تليفوناتنا، وبعدها رحّلونا إلى النيجر”.

لكن النيجر لم تكن نهاية الرحلة، حيث يقول إنه عاد منها إلى الجزائر، قبل أن ينتقل إلى تونس، وهناك بقي حتى عام 2025، ثم عاد مرة أخرى إلى الجزائر، ومنها حاول الوصول إلى المغرب.

وعبر الحدود من جهة بوعرفة، دخل عدي إلى المغرب، قبل أن يصل إلى الرباط، ومنها، بدأت محاولات جديدة لعبور البحر، إلى أوروبا: “حاولنا أكثر من مرة أن نسبح، كنا نمشي وننزل ونطلع ونتعذب، ويتم ترحيلنا إلى العيون، ومرة إلى الرشيدية، أو إلى أماكن أخرى، ونرجع مرة ثانية، إلى أن سخر الله لنا الطريق ودخلنا إلى هنا” يسرد عدي.

لكن الوصول إلى سبتة لم يكن كما تخيل هذا الشاب اليمني: “تفاجأنا هنا أن هناك هجمة… إحنا ما كنا عارفين أنه في هجمة؛ كنا مختبئين نحاول ما نظهرش”. 

ويقول إنهم أمضوا نحو شهرين في الاستعداد لعبور البحر: “قعدنا تقريبًا شهرين نتعلم السباحة في بليونش عشان نحاول نعبر البحر، ولما دخلنا وجينا، فجأة لقينا الدنيا مسكرة كلها في سبتة”. 

كان بعض من سبقوهم إلى الطريق قد وصلوا إلى سبتة، بينما لم ينجُ آخرون، بحسب روايته: “الأصدقاء هنا اللي سبقونا، بعضهم توفوا، وبعضهم دخلوا قبل الهجمة وحاليًا صاروا في إسبانيا”.

أما الذين وصلوا إلى سبتة، فيقول إنهم وجدوا أنفسهم عالقين في ظروف قاسية، من دون مأوى أو ما يكفي من الطعام والشراب: “إحنا كنا ضحايا نفس وضع الموجودين هنا. يعني لا وصلنا، ولا كان عندنا أكل ولا شرب ولا مكان نقعد فيه… كنا موجودين في الشارع وفي الجبال”. 

ويشير عدي إلى آثار ما تعرضوا له خلال الرحلة، قائلًا: “انظر كيف نحن جرحى، بعد هروبنا من الحرس”، وبالنسبة له، لا تنتهي القصة عند الوصول إلى سبتة، بل تبدأ مرحلة جديدة من الانتظار والمطالبة بالحماية، إذ يقول لـ”هوامش” بأمل: “نحن نطالب المنظمات الحكومية والمنظمات العالمية بشكل عام أن ينظروا إلينا وإلى ما نعانيه من الحروب، لأننا تشتتنا في كل مكان”. 

ويضيف: “عندما وصلنا إلى هنا، كان أملنا الوحيد أن نعيش بسلام، لأننا تعذبنا وخرجنا قاصرين من اليمن”، واليوم، يقول إن عمره 29 عامًا، وإن رحلة الهجرة بدأت عندما كان طفلًا: “من حوالي 18 سنة وأنا في رحلة الهجرة”.

ثم يشير إلى آخرين يشاركونه المصير نفسه: “وهذا كذلك نفس الشيء، واحد منهم من خمس سنوات، والثاني من ست سنوات، والثالث من أربع سنوات”.

بالنسبة للكثير منهم، رغم اختلاف جنسياتهم وطرق عبورهم؛ يبقى دخول مدينة سبتة، هو آخر حلول الأرض، والتي انتهت بحالة من عدم اليقين التي يعيشونها في انتظار مصيرهم، ولم تبقَ سوى حلول السماء، يصلي بعضهم على الشاطئ، وآخرون شيدوا مجسمًا لمسجدٍ من حجارة شاطئ “ترامبولين”، يقيمون صلواتهم فيه ويتضرعون إلى الله، طلبًا لفرجٍ قريب.  

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram