الرئيسية

مأساة العبور إلى سبتة.. الجهات الحقوقية تكشف عن حصيلة القتلى

ما زالت تداعيات "الهروب الجماعي" إلى سبتة لم تنته بعد، إذ ما تزال مئات العائلات، إن لم تتجاوز الألف، تبحث عن أبنائها الذين عبروا ولم تصلها أخبارهم، ومع توالي نداءات البحث وطلب المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي، رصدت تقارير حقوقية انتهاكات كان ضحيتها العابرون إلى المدينة المحتلة، بينما يرصد هذا التقرير تضاربا في حصر عدد الوفيات.

“هوامش”

تحدث المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة رسمية، عن رصد 14 حالة وفاة، “حسب معطيات مغربية”، في تقرير أصدره الجمعة، وأشار إلى أن سلطات سبتة ذكرت أن عدد الوفيات بلغ 80، بينما أعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن الحصيلة بلغت 141 قتيلا، على جانبي منطقة العبور إلى سبتة، مؤكدة أن مراقبيها أحصوا عشرات الجثث في مستودعي الأموات بكل من تطوان وطنجة.

مجلس حقوق الإنسان: لا يمكن اختزال موجة العبور إلى سبتة ومليلية في الفقر والهشاشة

خلص “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” إلى أن موجة العبور الجماعي التي شهدتها منطقتا الفنيدق وسبتة، وبني أنصار ومليلية، لا يمكن اختزالها في الفقر أو الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، معتبرًا أن الظاهرة تعكس أيضًا تحولات في “التطلعات، وفي تصور الشباب للحدود والهجرة، في ظل الدور المتزايد للفضاءات الرقمية”.

وقال المجلس، في خلاصاته الأولية حول الأحداث، التي قدمها يوم الجمعة 7 غشت: “لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين نحو سبتة أو مليلية ضمن مقاربة تقليدية تربط الهجرة بالهشاشة أو الفقر، بشكل حصري”. داعيًا إلى فهم تعقيدات الظاهرة باعتبارها، أيضًا، “قرارًا شخصيًا للمعني بالهجرة”.

ويربط المجلس هذا الأمر بما وصفه بـ”تحول عميق على مستوى التطلعات”، وبالرغبة في “العبور من مكان لآخر، في ظل مجتمعات رقمية رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز”.

وتأتي هذه الخلاصة في وقت سجل فيه المجلس 14 وفاة في الجانب المغربي، وفق المعطيات المغربية التي اطلع عليها إلى غاية 6 غشت، بينما أعلنت سلطات سبتة عن 80 وفاة.

كما سجل المجلس مئات الإصابات في صفوف المدنيين والقوات العمومية، إلى جانب توقيف نحو 100 شخص في سبتة، بينهم 11 قاصرًا، حسب بيانه، فضلًا عن “أضرار مادية طالت عشرات السيارات والدراجات والمركبات التابعة للقوات العمومية”.

ويرى المجلس أن “الفضاء الرقمي أدى دورًا محوريًا في مختلف مراحل موجة العبور، بدءًا من تداول المعلومات والتجارب السابقة، مرورًا بالتعبئة وتحديد نقاط التجمع والمسالك، وصولًا إلى تبادل الإرشادات المتعلقة بالوصول إلى سبتة واقتناء معدات السباحة”.

وقال “مجلس بوعياش” إن منصات التواصل الاجتماعي “استُخدمت أيضاً في نشر معلومات مضللة بشأن قرار المحكمة العليا الإسبانية، الذي جرى تأويله على نطاق واسع باعتباره يعني أن الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة سباحة لا يمكن إرجاعهم”.

وبحسب المجلس، “ساهم هذا التأويل، إلى جانب انتشار صور وفيديوهات توثق وصول أشخاص إلى سبتة، في تعزيز التعبئة التي سبقت موجة 30 يوليوز”.

كما رصد المجلس ما وصفه بـ “منشورات تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، تعرض خدمات لتنظيم أو تسهيل عمليات العبور، فضلًا عن تبادل معلومات حول المسالك ونقاط المراقبة والتوقيت الأنسب للعبور”.

وعلى المستوى الحقوقي، قال المجلس إنه سجل وقائع “تثير مخاوف جدية بشأن مدى احترام وضمان حقوق الإنسان أثناء عمليات العبور”، مشيراً إلى حالات “مساس بالسلامة الجسدية للعابرين من جانب السلطات المغربية والإسبانية، وإلى وقائع تثير تساؤلات حول احترام مبدأي الضرورة والتناسب في استخدام القوة”.

كما تحدث عن شهادات للعائدين تضمنت “ادعاءات متعددة ومتطابقة بسوء المعاملة والاعتداء على يد قوات عمومية إسبانية”، خصوصاً في “أماكن لا توثقها الكاميرات”، وفق ما نقل المجلس عن أصحابها.

إلى ذلك، وثق المجلس مواجهات عنيفة بين شباب وقاصرين، والقوات العمومية المغربية، خلال محاولات منع العبور، إلى جانب رشق بالحجارة وإضرام النار في مركبات وإلحاق أضرار بممتلكات عامة وخاصة.

وسجل المجلس أيضًا ما وصفه بـ”حرمان آلاف العابرين داخل سبتة من الماء والغذاء، بعد إغلاق المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم” متحدثا عن “أشخاص بينهم أطفال ونساء وأشخاص في وضعية هشاشة عانوا من الجوع والعطش لمدة يومين”.

وحذر المجلس من “تداعيات الاستغلال السياسي لهذا العبور الجماعي”، كما أدان تصاعد الخطاب المعادي للهجرة والمهاجرين، وما رصده من تحريض على الكراهية والعنصرية ضد الأجانب.

ورغم ذلك، تبقى هذه الخلاصات أولية، بحسب المجلس، في انتظار استكمال التحريات وتجميع المعطيات التي قد تستدعي إصدار تقرير أكثر تفصيلًا حول الأحداث وتداعياتها الحقوقية.

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان: حصيلة ضحايا مأساة سبتة بلغت 141 قتيلًا

مقابل أرقام مجلس حقوق الإنسان الرسمي، أعلنت “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، وهي أكبر منظمة حقوقية غير حكومية في المغرب، عن ارتفاع حصيلة ضحايا موجة العبور الجماعي إلى سبتة إلى 141 قتيلاً على جانبي منطقة العبور، وفق تقرير أولي قدمته الجمعة، في رقم يكشف اتساع الفجوة بين تقديرات المنظمات الحقوقية والأرقام الرسمية المعلنة من السلطات المغربية والإسبانية.

وقالت الجمعية إن معطياتها جُمعت من مصادر رسمية وإعلامية، فضلًا عن تقارير مراقبيها الموجودين في الميدان.

وفي الجانب المغربي، أحصى مراقبو الجمعية 31 جثمانًا في مستودع الأموات بتطوان، من بينهم 10 أجانب، إضافة إلى 17 جثمانًا في مستودع الأموات بطنجة، قالت الجمعية إنهم من “ضحايا العبور الجماعي نحو سبتة”.

وتبلغ حصيلة الجثامين التي قالت الجمعية إنها رصدتها في المدينتين 48 جثمانًا، في حين مازالت الحصيلة الإجمالية للوفيات على جانبي منطقة العبور موضع تضارب بين مختلف المصادر. وتأتي هذه الحصيلة بعد تقديرات أولية رفعت، في بداية الأسبوع، عدد الوفيات على الجانبين إلى نحو 130 شخصًا.

بينما مازالت الحكومة المغربية تعترف رسميًا بوفاة 11 شخصًا فقط داخل منطقة سيادتها، بينهم شخص قالت السلطات إنه توفي “بعد سقوطه من منطقة صخرية محاذية لمدينة سبتة”، إضافة إلى “10 حالات وفاة بسبب الغرق”.

أما بخصوص عدد الوفيات في سبتة، فلا تعتبر وزارة الداخلية المغربية الأرقام التي أعلنتها السلطات المحلية الإسبانية نهائية، وتقول إنها “تواصل في إطار قنوات التعاون والتنسيق الرسمية مع نظيرتها الإسبانية، التحقق من صحة هذه المعطيات، والعدد الحقيقي للأشخاص المتضررين، وهوياتهم وجنسياتهم”.

وتقول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إن “عائلات كثيرة مازالت تنتظر أخبارًا عن مصير أبنائها”، منتقدة ما تعتبره “غيابًا لمعلومات رسمية مفصلة حول أعداد القتلى والمفقودين”.

وترى سعاد براهمة، رئيسة “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، أن “مأساة سبتة لا يمكن فصلها عن أزمة أوسع تتجاوز تدبير الهجرة”.

وقالت لبراهمة خلال تقديم التقرير إن “المأساة تعكس أزمة اجتماعية وسياسية عميقة”، معتبرة أنها كشفت، بحسب الجمعية، “إخفاقات في سياسات تدبير الهجرة في المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي”.

وأضافت المحامية والحقوقية المغربية: “النزوح نحو سبتة ومليلية يعبر عن أزمة ثقة، أمام عجز الدولة عن توفير حماية اجتماعية حقيقية”.

وحمّلت الجمعية الحكومة المغربية مسؤولية عدم ضمان أمن وسلامة الأشخاص الذين شاركوا في موجة العبور، متسائلة: “كيف أمكن أن يحدث ذلك من دون أن تتخذ الدولة إجراءات تحول دون وقوع المأساة؟”.

وبالتزامن مع عمليات البحث عن الضحايا والتعرف على الجثامين، باشرت السلطات المغربية إجراءات قضائية ضد عشرات الأشخاص على خلفية أحداث العبور.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، أحالت النيابة العامة في تطوان 51 شخصًا، بينهم خمسة قاصرين، على القضاء بتهم مرتبطة بتنظيم عمليات عبور غير نظامية، والاعتداء على أفراد من القوات الأمنية ونقل أشخاص.

وفي الناظور، تمت متابعة 52 شخصًا آخرين، بينهم 18 قاصرًا، على خلفية محاولات اقتحام السياج الحدودي مع مليلية.

وتقول الجمعية إن 111 شخصًا يوجدون في السجن الاحتياطي على خلفية أحداث العبور إلى سبتة ومليلية.

وترى المنظمة الحقوقية أن “المقاربة الرسمية اتخذت أساسًا طابعًا أمنيًا وقضائيًا (..) والرد أدى إلى تجريم تنقلات المهاجرين، بمن فيهم القاصرون”.

وتقول الجمعية إن “المغرب تحول تدريجيًا إلى دركي للاتحاد الأوروبي، الذي فوّض إليه مراقبة حدوده الخارجية”.

وأضافت: “نرفض أن تتحول حياة المهاجرين إلى ورقة مساومة بين المغرب وأوروبا، أو إلى أداة للضغط الدبلوماسي”.

ولم تقتصر انتقادات الجمعية على الجانب المغربي، إذ حمل التقرير انتقادات للسلطات الإسبانية بشأن طريقة تعاملها مع الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة.

وقالت الجمعية إن إسبانيا “لم تتحمل مسؤوليتها كاملة في استقبال العابرين”، كما انتقدت “الطريقة التي جرى بها تنظيم عمليات إعادتهم إلى المغرب”، وتقدر الجمعية أن نحو 3500 شاب مغربي مازالوا في سبتة بعدما تمكنوا من عبور الحدود.

ودعت الجمعية إلى “فتح تحقيق مستقل وكامل وشفاف، في ملابسات المأساة”، معتبرة أن “ما حدث يمثل إنذاراً اجتماعيًا”.

الجمعية لم تكتف بالمطالبة بتحديد المسؤوليات المباشرة عن الوفيات، بل طرحت سؤالًا أوسع حول دوافع موجة العبور الجماعي، وتساءلت: “لماذا خاطر عشرات الآلاف من المغاربة بحياتهم للهروب من البلاد؟”

وترى أن “اختزال ما حدث في شبكات الاتجار بالبشر، أو في التلاعبات الخارجية على شبكات التواصل الاجتماعي لا يكفي لتفسير الظاهرة، ولا ينبغي أن يحجب، عوامل مثل البطالة والفقر وانعدام الأمل في المستقبل وفقدان الثقة في المؤسسات”.

وتبقى الحصيلة النهائية للضحايا غير محسومة، حيث تكشف الفوارق الكبيرة بين الأرقام الرسمية وتقديرات المنظمات الحقوقية عن حجم مأساة ما زالت تفاصيلها الأساسية؛ من عدد الضحايا إلى مصير المفقودين؛ بحاجة إلى تدقيق مستقل وتحديد نهائي للهويات والوقائع. 

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram