الرئيسية

عدالة في قاعة الانتظار| معركة المحاماة.. صراع تشريعي يمتد إلى ردهات المحاكم

في هذا التقرير تتّبعت "هوامش" تفاصيل الأزمة؛ من اللحظة التي بدأ فيها مشروع قانون داخل أروقة البرلمان، إلى اللحظة التي بات فيها قرار تأجيل البث في القضايا خبرا يوميا داخل المحاكم، مرورا بروايات المحامين، ومواقف الحكومة، وآراء الحقوقيين، وقصص المواطنين الذين وجدوا أنفسهم، دون اختيار منهم، في قلب واحدة من أكثر الأزمات التي عرفها قطاع العدالة المغربي خلال السنوات الأخيرة.

سعيدة مليح

لم يكن عبد الرحيم يتوقع أن يتحول يوم الثلاثاء 14 يوليوز الماضي، إلى نسخة مكرّرة من أيام كثيرة سبقته. خرج حوالي الساعة السادسة والنصف صباحا، من منزله في سيدي بوقنادل، وهي جماعة حضرية تتواجد شمال مدينة سلا، يتأبّط ملفّا قضائيا أثقلت صفحاته سنوات من الانتظار؛ استقلّ الحافلة المتجهة إلى الرباط، على أمل أن تكون تلك الجلسة نهاية نزاع شغل جزءا من حياته، لا محطة جديدة في سلسلة التأجيلات.

الرجل حفظ الطريق إلى المحكمة الابتدائية، عن ظهر قلب؛ الباعة الذين يفتحون محلاتهم تباعا، المقهى الصغير الذي يتوقف عنده لاحتساء قهوة سريعة، ثم البوابة الحديدية التي يدخل منها مئات المتقاضين كل صباح، وكل واحد منهم يحمل قصة مختلفة، وأملا كبيرا في  أن تتحرك العدالة.

للوهلة الأولى، بدا كل شيء طبيعيا داخل المحكمة، القضاة في قاعاتهم، وموظفو كتابة الضبط يتنقلون بين المكاتب، ولوائح الجلسات معلّقة على الجدران كما في كل يوم. غير أن شيئا واحدا كان كافيا ليجعل هذا المشهد ناقصا: غياب أصحاب البذلة السوداء.

لم تعد أزمة المحامين في المغرب تتعلق فقط بمشروع قانون ينظم شروط الولوج إلى المهنة أو آليات تأديب المحامين وحدود صلاحيات هيئاتهم المهنية، وإنّما باتت تطرح أحد أكثر الأسئلة إلحاحا: ماذا يحدث عندما يتوقف أحد أعمدة منظومة العدالة عن أداء دوره؟

من يدفع ثمن التأجيل؟

أمام أبواب قاعات الجلسات، داخل المحكمة الابتدائية في الرباط، يقف المتقاضون وهم يتطلعون إلى الداخل، يراقبون حركة الموظفين أكثر مما يراقبون عقارب الساعة. دقائق قليلة كانت كافية ليتحول الترقب إلى خيبة أمل جديدة، حين بدأ كاتب الضبط ينادي على الملفات حوالي الساعة التاسعة صباحا، واحدا تلو الآخر، معلنا عن تأجيلها، بسبب استمرار إضراب المحامين.

عندما سمع عبد الرحيم رقم ملفه، لم يحتج إلى تفسير طويل. كلمة واحدة اختصرت رحلة استغرقت ساعات، ويوم عمل ضاع مرة أخرى، ومصاريف جديدة ستضاف إلى قائمة بات يصعب عليه حصرها: “تأجيل”.

لم يكن عبد الرحيم يعرف شيئا تقريبا عن تفاصيل مشروع القانون رقم 66.23، ولا عن المواد التي يعتبرها المحامون مساسا باستقلالهم، ولا عن مبرّرات وزارة العدل للدفاع عنه. كل ما كان يعنيه، كما قال في حديثه لـ”هوامش”، أنّ قضية حادث الشغل التي يتابعها منذ ثلاث سنوات لم تنتهِ في ذلك الصباح أيضا، وأن موعدا جديدا سيُضاف إلى سلسلة طويلة من المواعيد المؤجلة.

قصة عبد الرحيم، ليست معزولة، وإنّما واحدة من آلاف القصص التي بدأت تتكرر داخل المحاكم المغربية منذ انتقال الخلاف، بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، من قاعات الحوار إلى ساحات الاحتجاج؛ ثمّ إلى التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية. ففي الوقت الذي انشغل فيه الرأي العام بمتابعة السجال القانوني والدستوري حول مشروع القانون الجديد، وجد آلاف المتقاضين أنفسهم في قلب أزمة لم يشاركوا في تركيب عناصرها، غير أنّهم كانوا أول من تحمّل نتائجها.

إلى ذلك، داخل المحاكم في عدد من المدن المغربية، لم يكن من الصعب ملاحظة حجم التغيير. ففي الأيام التي اعتاد فيها الممر المؤدي إلى قاعات الجلسات أن يضج بحركة المحامين وهم يتنقلون بين الملفات، أضحى الهدوء يطغى على المكان. مقاعد الانتظار امتلأت بالمتقاضين، بينما ظلّت ملفات كثيرة حبيسة الرفوف، تنتظر موعدا جديدا قد لا يكون الأخير.

ينص الدستور المغربي على ضمانات المحاكمة العادلة، كما تنص المواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ضرورة محاكمة الأشخاص دون تأخير غير مبرر، حيث أن طول أمد الإجراءات قد يتحول في حد ذاته إلى “مساس بالحقوق الأساسية”.

أمام هذا الواقع، يعتبر المحامون، في عدد من التوضيحات الخاصة أو عبر بلاغاتهم أنّ: “دفاعهم عن استقلال المهنة هو في جوهره دفاع عن حقوق المتقاضين مستقبلا”، بينما ترى الحكومة التي يترأسها عزيز أخنوش، أنّ: “استمرار تحديث الإطار القانوني للمهنة ضرورة لإصلاح منظومة العدالة”. وبين الموقفين، يبقى المتقاضي هو الحلقة الأكثر تأثرا بالنتائج المباشرة للأزمة.

في رد على استفسار منصة “هوامش” حول التأكيد على الدفاع عن حقوق المتقاضين، بينما هم يتضررون بسبب تأجيل ملفاتهم، قال المحامي بهيئة وجدة، عبد الحق بنقادي: “طبعا نحن ندافع عن حقوق المتقاضي هذا لا غبار عليه، لكن من يتحمل مسؤولية ما يقع هي السلطة الحكومية التي اختارت أن تعرض مرفق العدل لهذا الحال”.

وتفاعلا مع نفس الاستفسار، أوضح المحامي بهيئة الرباط، خالد الإدريسي أنهم يتفهمون تماما “ما ترتب عن التوقف من تأجيل لبعض القضايا، ولم يكن ذلك في يوم من الأيام غاية في حد ذاته، لأن المحامي هو أول من يحرص على حماية مصالح موكليه. لكن ينبغي التمييز بين الضرر الآني والضرر البنيوي”.

وفي حديثه لـ”هوامش”، أضاف الإدريسي: “ما نعتبره اليوم تضحية مؤقتة يهدف إلى تفادي آثار أخطر وأكثر استدامة قد تمس حق المتقاضين في دفاع مستقل وفي محاكمة عادلة”، مشيرا إلى أنّ: “الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعا عن امتيازات فئوية، وإنما هو دفاع عن الضمانات التي تحمي جميع المواطنين عندما يلجأون إلى القضاء”.

من جانبه، وجّه نقيب هيئة المحامين بالرباط، عزيز رويبح، رسالة إلى وزير العدل في منشور عبر حسابه على منصة “فيسبوك”، قال فيها: “أما نحن فلا نكرهك ! ألاّ يثق السيد وزير العدل في النقباء فهذا موقف سنسجله للتاريخ، وأن يثق فينا زملاؤنا وزميلاتنا هو ما يهمنا ونسعى إليه، أن يثق فينا السادة المسؤولين القضائيون والسادة القضاة هو من بين أسمى ما نعمل على تريسخه واستدامته بالفعل وبالعمل اليومي، من منطلق الاحترام المتبادل والرغبة الأكيدة المعلنة في المشاركة في الارتقاء بعدالة وطننا بالشكل والجدية اللازمة التي يريدها ملك البلاد وكما يطمح إليها كل مواطن غيور على عدالة بلده..”.

وتابع رويبح: “أن تبقى الثقة والود قائمة بيننا وبين كتابة الضبط هو ما يهمنا أيضا لأن ما يجمعنا في اليومي أكبر من كل نزعة ميالة لإثارة التفرقة. أما المواطن، فسنواصل العمل من أجل مصالحة حقيقية معه لأننا في خدمته ولا نرضى له ظلما من أي جهة، المواطن حقوقه وحرياته تبقى أولى أولوياتنا”.

بين روايتين.. أين يقف المتقاضي؟ 

في عدد من بلاغاتهم، وكذا في حديثهم لموقع “هوامش” يؤكّد المحامون أنّ: “معركتهم ليست دفاعا عن امتيازات مهنية، وإنما عن استقلال الدفاع باعتباره ضمانة دستورية للمحاكمة العادلة”، ويرون أنّ: “أي مساس بهذه الاستقلالية سيصيب المتقاضي قبل أن يصيب المحامي نفسه”. 

وبينما كان المواطنون يتابعون آثار الإضراب على قضاياهم، كانت الحكومة تؤكد أن مشروع القانون أتى بغية إصلاح مهنة المحاماة. في تصريحات رسمية، متكرّرة، شدد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على أن النص قد أتى بعد مسار من المشاورات، وأن هدفه هو تطوير المهنة بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها قطاع العدالة، نافيا أن يكون المشروع موجها ضد استقلال المحامين أو هيئاتهم المهنية.

غير أن هذه التطمينات لم تُقنع الهيئات المهنية للمحاماة، التي رأت أن الخلاف لا يتعلق فقط ببعض المواد التقنية القابلة للتعديل، وإنما بفلسفة المشروع نفسه. فمن وجهة نظرها، يعدّ استقلال المحامي ضمانة أساسية لكل متقاض يبحث عن محاكمة عادلة، وليس امتيازا؛ وأن أي تدخل قد يؤثر في استقلالية الدفاع ستكون له انعكاسات مباشرة على ثقة المواطنين في العدالة.

وبينما كانت جمعية هيئات المحامين بالمغرب تصعّد احتجاجاتها، اتجه خطاب وزارة العدل بدوره نحو مزيد من التشدد. فقد أعلن وزير العدل، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، يوم الثلاثاء 7 يوليوز، أن الوزارة شرعت في تجميع عدد من التدوينات والكتابات الصادرة عن محامين على خلفية الجدل الدائر بشأن مشروع القانون رقم 66.23، معتبرا أن بعضها قد يتضمن مخالفات تأديبية وأخلاقية، بل وجنائية، مشيرا إلى أن الوزارة ستدرس إمكانية إحالة بعضها على النيابة العامة بعد التشاور مع رئيس الحكومة.

وفي الجلسة نفسها، شدّد وهبي على أن مشروع القانون جاء ثمرة مسار طويل من الاجتماعات والتعديلات مع ممثلي المهنة، معتبرا أن الحكومة استجابت لعدد من المقترحات قبل اعتماد الصيغة النهائية للنص. كما دافع عن المقتضيات المتعلقة برقابة تدبير ودائع المحامين، مؤكدا أن حماية أموال المتقاضين تفرض إخضاعها لآليات المراقبة والشفافية، مشددا على أن “ورش إصلاح المهنة سيستمر باعتباره جزءا من استمرارية مؤسسات الدولة”.

تصعيد يفاقم الوضع

رصدت “هوامش”، على مدى أسابيع، كيفية اتّساع نطاق الأزمة، شيئا فشيئا. فبعد أشهر من النقاش داخل المؤسسات، استكمل مشروع القانون مساره التشريعي، قبل أن يُحال على المحكمة الدستورية للنظر في مدى مطابقته للدستور، بينما اختارت جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقّف الشامل عن العمل، وتعليق خدمات المساعدة القضائية، مع الاستمرار في مختلف الأشكال الاحتجاجية إلى حين التراجع عن المشروع أو تعديل مواده المثيرة للجدل.

وفي أحدث خطوات التصعيد، قرر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خلال اجتماعه المنعقد بالرباط يوم 20 يوليوز 2026، مواصلة التوقف الشامل عن تقديم جميع الخدمات المهنية حتى إشعار آخر، مع الاستمرار في تعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، تعيينا وأداء. وجاء القرار بعد إحالة مشروع القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية، وهي الخطوة التي اعتبرتها الجمعية محطة دستورية لا تغيّر من موقفها الرافض لمضامين المشروع.

وفي بلاغه، اعتبر المكتب أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بمقتضيات مشروع القانون، وإنما تمثّل “أزمة منهج” بسبب ما وصفه بعدم احترام مبادئ الديمقراطية التشاركية، ونقض التوافقات السابقة، وفرض مقتضيات تمس استقلال المهنة، وحصانة المحامي والتنظيم الذاتي للهيئات. 

كما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة “مختلف الأشكال النضالية والمؤسساتية والقانونية”، داعية المحاميات والمحامين إلى الالتزام بقرارات هيئاتهم المهنية ومواصلة التعبئة إلى حين حسم هذا الملف.

في المقابل، اختارت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مسارا مختلفا، داعية إلى تغليب الحوار والتوافق بين الأطراف. وحذّرت، في بلاغ توصلت “هوامش” بنسخة منه، من أن استمرار الأزمة ينعكس مباشرة على الحقوق الأساسية للمتقاضين، وفي مقدمتها الحق في التقاضي والمحاكمة العادلة، مؤكدة أن هذه الحقوق الدستورية لا ينبغي أن تصبح رهينة للخلافات المؤسساتية.

وفي هذا الإطار، أعلنت المنظمة أنها أودعت لدى المحكمة الدستورية مذكرة قانونية وحقوقية حول مشروع القانون رقم 66.23، اعتبرت فيها أن مهنة المحاماة تمثل إحدى الركائز الأساسية لمنظومة العدالة وضمانة للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة. وأوضحت أن مبادرتها تندرج في إطار مساهمة المجتمع المدني في إغناء النقاش الدستوري وتعزيز انسجام التشريعات الوطنية مع أحكام الدستور والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.

حين أصابت الأزمة قلب العدالة

بدأت الأزمة في قاعات الاجتماعات وصياغة النصوص القانونية، قبل وصولها إلى قلب قاعات المحاكم. فبعد سنوات من الحديث عن ضرورة مراجعة القانون المنظم لمهنة المحاماة، وضعت وزارة العدل مشروع القانون رقم 66.23 باعتباره جزءا من ورش إصلاح منظومة العدالة، وهو المشروع الذي قالت الحكومة التي يترأسها عزيز أخنوش، إنه: “يستجيب للتحولات التي عرفها القطاع، ويهدف إلى تحديث قواعد الممارسة المهنية، وتعزيز الحكامة، ورفع جودة الخدمات القانونية”.

غير أن المشروع، الذي بدا كخطوة تشريعية عادية ضمن مسار إصلاح العدالة، سرعان ما تحول إلى أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للجدل داخل الأوساط المهنية والقانونية. فمنذ الكشف عن مضامينه الأولى، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن رفضها لعدد من مواده، معتبرة في مجمل بلاغاتها التي توصلت “هوامش” بنسخ منها، أنها: “تمس جوهر استقلال المهنة، وتعيد رسم العلاقة بين السلطة التنفيذية والمحاماة، بطريقة لا تنسجم مع الضمانات الدستورية التي تجعل الدفاع شريكا أساسيا في تحقيق العدالة، لا مجرد مرفق تابع للإدارة”.

إلى ذلك، أخذت الأزمة القائمة منحى تصاعديا، عقب تعثّر جولات الحوار بين الطرفين (الحكومة والمحامون). فانتقلت من بيانات متبادلة إلى وقفات احتجاجية، ثم إلى إضرابات متتالية، قبل أن تصل إلى مرحلة التوقف الشامل عن العمل، وهو القرار الذي امتدّ إلى مختلف المتدخلين في منظومة العدالة، ولم يعد مقتصرا على المحامين وحدهم.

ولم يقتصر أثر الأزمة على تأجيل الجلسات، إذ امتد إلى إشكالات قانونية غير مسبوقة. ففي 9 يوليوز 2026، واصلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون محاكمة متهمة في قضية تتعلق بتنظيم الهجرة غير النظامية، رغم غياب محام للدفاع عنها، في ظل استمرار إضراب المحامين وتعليق خدمات المساعدة القضائية. وقضت المحكمة بإدانتها، معتبرة أن تعذر مؤازرة الدفاع، بعد استنفاد جميع الوسائل القانونية لتوفيرها، لا ينبغي أن يؤدي إلى تعطيل الفصل في القضية، خاصة وأن المتهمة كانت رهن الاعتقال الاحتياطي وتعاني من مرض سرطان الثدي.

وفي تعليلها، أكدت الهيئة القضائية أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية تنص على إلزامية مؤازرة المحامي في قضايا الجنايات، لكنها لا ترتب جزاء قانونيا على تعذر تفعيل هذا المقتضى، مستحضرة في المقابل مقتضيات المادتين 317 و423 المتعلقتين بتعيين محام في إطار المساعدة القضائية. 

واعتبرت المحكمة، في الملف نفسه، أن تخّلف المحامي لا يمس بحقوق المتهمة في الدفاع متى استنفذت المحكمة الوسائل القانونية لتوفير المؤازرة، وأن استمرار تعطيل البت في الملف يتعارض مع مبدأ استمرارية مرفق العدالة والحق في الفصل في القضايا داخل أجل معقول، وهو القرار الذي أثار نقاشا قانونيًا بشأن حدود الموازنة بين ضمانات المحاكمة العادلة، واستمرارية القضاء في ظل الظرفية الاستثنائية التي يشهدها القطاع.

وفي حديثه لـ”هوامش” قال عبد الحق بنقادي، المحامي بهيئة وجدة، إنّ: “غياب المنهجية التشاركية عن مشروع القانون، وعدم استشارة المعنيين، يعد خطرا؛ ناهيك عن مضمونه في كثير من النصوص التي مسّت بشكل فج ومباشرة حصانة المحامي واستقلاله والتنظيم الذاتي للهيئات، وهاته مبادئ وقواعد متفق عليها دوليا حتى تؤدي المحاماة رسالتها النبيلة والإنسانية”.

وذكّر بنقادي بأنه “لابد من الإشارة أولا إلى أن الوصول إلى قرار التوقف الشامل عن العمل هو قرار اضطر له المحامون والمحاميات بالمغرب”. وأوضح أن: “قرار التوقّف، سبقه مسار طويل من التواصل والحوار والتوافقات سواء مع وزير العدل ورئيس الحكومة ولم يتم الالتزام بها من طرفهما”، وأضاف: “هذا ما أوصلنا لهاته الحالة الكارثية خاصة بقاء المعتقلين رهن الاعتقال الاحتياطي -وهو الأصل والمعتمد من طرف النيابة العامة في أغلب الملفات حتى قبل التوقف الشامل-، وقضايا استعجالية ملحّة أخرى تتعلق بالأسرة ومنازعات الشغل وغيرها”.

المحامي بهيئة الرباط، خالد الإدريسي، أبرز في حديثه لـ”هوامش” أن “المحاماة ليست مهنة عادية حتى ينظر إليها بمنطق تنظيمي صرف، وإنما هي رسالة دستورية تؤدي وظيفة أساسية في حماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة”.

وجوابا على سؤال: “هل تعتقدون أن بعض القضايا كان ينبغي استثناؤها من الاحتجاج، مثل قضايا المعتقلين الاحتياطيين أو النفقة أو الأسرة؟”، بيّن الإدريسي أنّ: “هذا الموضوع كان محل نقاش داخل الجسم المهني، لأنه يتعلق بالتوفيق بين حق المحامين في الاحتجاج وبين حماية بعض الأوضاع الإنسانية والاجتماعية. غير أن أي احتجاج يفقد شموليته قد يفقد أيضا جزءا كبيرا من فعاليته”.

“في المقابل، ظلّت الهيئات المهنية حريصة على مواكبة الحالات التي تفرضها الضرورة الإنسانية أو القانونية، بما يحقق التوازن بين إنجاح المحطة النضالية ومراعاة الحالات الاستثنائية” يضيف الإدريسي في حديثه لـ”هوامش”.

وفي مداخلة ألقاها يوم الجمعة 17 يوليوز 2026، خلال ندوة نظمتها هيئة المحامين بالرباط، اعتبر النقيب السابق عبد الرحيم الجامعي، أن الأزمة المرتبطة بمشروع قانون المحاماة لا يمكن حسمها عبر انتظار قرار المحكمة الدستورية، إذ تظل، في جوهرها، قضية سياسية تستوجب إرادة من الدولة والسلطات المعنية لإيجاد مخرج توافقي. ورأى أن المحكمة الدستورية، رغم أهميتها داخل البناء المؤسساتي، ليست الجهة التي ستجيب عن مطالب المحامين أو تحسم الخلاف القائم.

وشدد الجامعي على أن “استقلال المحاماة لا يمثل امتيازا مهنيا، وإنما ضمانة دستورية لحماية حق المواطنين في الدفاع والمحاكمة العادلة”، محذّرا في الوقت نفسه، مما وصفه بالتراجع عن هذه الضمانات عبر مشروع القانون الحالي. واعتبر أن معالجة الأزمة تستدعي حوارا مؤسساتيا يحفظ استقلال المهنة ويصون في الوقت نفسه حقوق المتقاضين.

أزمة ترخي بظلالها على الانتخابات

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند أبواب المحاكم، بل بدأت ترخي بظلالها على المشهد السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، المقررة يوم 23 شتنبر 2026. تتصاعد المخاوف من استمرار التوقف الشامل عن العمل، الذي تخوضه جمعية هيئات المحامين بالمغرب، مما سيؤثر سلبا على فض النزاعات والطعون الانتخابية المحتملة.

في هذا السياق، يعتبر الباحث في العلوم السياسية والتواصل، سمير الباز، أنّ استمرار إضراب المحامين على أبواب الانتخابات التشريعية “يكشف مرة أخرى عن أزمة في التدبير السياسي للحكومة”، معتبرا أن المحاماة تمثل “ركنا أساسيا في منظومة العدالة وضمانة دستورية لحماية الحقوق والحريات”.

وأضاف الباز في حديثه لمنصة “هوامش”، أنّ “استمرار الأزمة في هذا التوقيت يثير مخاوف مشروعة بشأن تدبير المنازعات والطعون الانتخابية، باعتبارها إحدى أهم ضمانات نزاهة ومصداقية العملية الانتخابية”.

إلى ذلك، يرى المتحدث أن الانتخابات لا تقاس فقط بسلامة الاقتراع، وإنما أيضا بمدى توفر الضمانات القانونية والقضائية التي تمكن جميع المتنافسين من الدفاع عن حقوقهم في ظروف عادية، معتبرا أن استمرار الخلاف يعكس محدودية الحكومة في تدبير الملفات الحساسة. 

ويخلص الباز في حديثه لـ”هوامش” بالقول إنّ: “تجاوز الأزمة يقتضي التوصل إلى حل توافقي يحفظ استقلال مهنة المحاماة، ويعزز الثقة في المؤسسات ويحمي المسار الديمقراطي قبل موعد الاستحقاقات المقبلة”.

“متى يعودون؟”

لم يكن معظم المتقاضين الذين التقتهم “هوامش” داخل المحاكم منشغلين بتفاصيل مشروع القانون رقم 66.23، ولا بالمواد التي يرفضها المحامون أو تدافع عنها الحكومة. كان السؤال الذي يتكرر على ألسنتهم أبسط من ذلك كله: “متى يعود المحامون؟”. بعضهم قال إنه يتفهم حق المحامين في الدفاع عن مهنتهم، وآخرون رأوا أن الحكومة مطالبة بإيجاد مخرج سريع للأزمة، غير أنّهم التقوا عند نقطة واحدة؛ وهي أنهم لا يريدون أن تتحول قضاياهم إلى ضحية لصراع لم يكونوا طرفا فيه، وأن تنتهي الأزمة بحل يضمن للمحامين حقوقهم، وللمتقاضين حقهم في عدالة لا تتأجل.

إلى ذلك، في نهاية ذلك الثلاثاء، طوى عبد الرحيم ملفه القضائي كما طواه في مرّات سابقة. خرج من المحكمة بخطوات بطيئة، ثم التفت للحظة نحو المبنى الذي كان يأمل أن ينهي فيه فصلا طويلا من حياته. لم يكن غاضبا من القاضي، ولا من المحامي، ولا من الحكومة، لأنه لم يكن يرى في أي منهم خصما شخصيا. كان يشعر فقط بأن العدالة التي جاء يبحث عنها ابتعدت مرة أخرى، وأن موعدها تأجّل إلى إشعار آخر.

بعد أيام، سيستيقظ من جديد في الصباح الباكر، وسيعيد ترتيب أوراقه داخل الملف نفسه، وسيستقل الحافلة ذاتها، متجها إلى المحكمة، حاملا معه أملا جديدا في أن يكون الموعد المقبل مختلفا.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram