الرئيسية

“الهروب الجماعي” نحو سبتة.. شباب NEET في الواجهة

مشاهد صادمة تجتاح منصات التواصل الإجتماعي، أسر وعائلات بأكملها، أطفال ورضع وكبار سنّ، رجال ونساء، شبان وشابات، يسبحون ضمن موجة رحيل جماعي نحو سبتة، بحثا عن حلم الفردوس الأوروبي وطمعا في فرصة أفضل. "هروب كبير" هكذا وصفت المخرجة والممثلة المغربية سناء عكرود عبر مقطع فيديو نشرته على منصات التواصل، ولكن هذا المشهد كان حقيقيا، لم يكن من فيلم سينمائي أو وثائقي معاد تمثيله عن النزوح.

“هوامش”

تسارعت الأحداث في باب سبتة، الأربعاء الماضي، وتطور الوضع إلى إضرام النار في مجموعة من المركبات، ليلة البارحة، وإطلاق عناصر الأمن الرصاص المطاطي مع استخدام مدافع المياه، لمواجهة الراغبين في العبور إلى المدينة المحتلة. 

أشرف ميمون، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتطوان، أكد في تصريح لمنصة “هوامش”، أن عددا من “الشباب الذين كانوا مرشحين للهجرة، أفادوا خلال المقابلات التي أجراها الفرع، بأنه تم اقتحام معبر ‘تراخال’، ونجح عدد من المهاجرين في العبور، وبعد إغلاق المعبر، تدفق باقي المهاجرين عبر الممر البحري”، ويضيف ميمون بأن هذه العملية شهدت تدافعا كبيرا إلى درجة أن هناك حديثا عن عدد من الوفيات.

كانت ليلة الخميس/الجمعة “ليلة إستثنائية في باب سبتة”، يقول ميمون، مضيفا أن المواجهات استمرت ما بين القوات العمومية والمهاجرين والمهاجرات، حتى وقت متأخر حيث تم تبادل التراشق بالحجارة، وكذلك استعمال الغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه، مما خلف إصابات في صفوف المهاجرين والمهاجرات، “بشكل نعتبره على المستوى الحقوقي استعمالا مفرطا للقوة والعنف ضدهم”، يؤكد المتحدث.

يوليوز 2026

قصص إنسانية خلف السياج

تظهر المشاهد شخصا برجل واحدة، لم يعر اهتماما لحامل الكاميرا الذي يرصده، وهو يسلك الممر الترابي الملتوي قرب الحدود، كل اهتمامه كان التشبث برفيقه ليبلغ أرضا مستوية يمكنه فيها استخدام العكازين للمشي. لا تفاصيل عن قصته بين كل تلك الأحداث سوى هذا المشهد. 

داخل سبتة، ومع أول خيوط شمس صباح الجمعة، ظهرت مجموعات من الإسبان يعتدون على المهاجرين الذين استطاعوا الدخول إلى المدينة، فيما تداول المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق تصريحات أباء وأمهات، رفقة أطفالهم، يتحدثون عن مغامرتهم من أجل مستقبل أفضل.

على الصعيد الرسمي، لم يتحدث أي مسؤول مغربي، ولم يصدر أي بيان، لكن في الضفة المقابلة للمتوسط، أعلن رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، أن بلاده ستنشر حاجزًا للاحتواء في البحر، امتثالًا لحكم المحكمة العليا، وتسريع ملفات إعادة العابرين الذين وصلوا” بطرق غير نظامية”، بينما شكلت هذه الواقعة فرصة للمزايدات وتصفية الحسابات بين قوى اليمين وغريمتها من اليسار في إسبانيا.

حقوقيا، وفي تصريح لمنصة “هوامش”، عبر عمر الناجي، رئيس الفرع الجهوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالشرق، عن رفض الجمعية “الإرجاع الجماعي مع المطالبة بالتكفل بهم هناك، ودراسة طلبات اللجوء الخاصة بهم”.

ومن جهته أكد الناشط الحقوقي أشرف ميمون، على ضرورة الحرص من طرف الجانبين الرسميين، سواء الجانب المغربي أو الإسباني، على “ضمان الحقوق الإنسانية لهؤلاء المهاجرين وعدم التعامل معهم كمجرمين، لأن الأصل هو حرية التنقل كما تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك حفظ كرامتهم”.

يوليوز 2026

استغلال سياسي

وفق تقارير رسمية، نجح أكثر من 60 ألف شخص في العبور، بحسب أ ف ب، حيث وضعوا أقدامهم على اليابسة في سبتة، وأصبح الشاطئ ممتلئا بمواطنين مغاربة معظمهم شبان، بينما خسر 12 شخصا على الأقل، في حصيلة أولية، حياتهم قبل بلوغ الشاطئ، في واحدة من أكبر عمليات اقتحام هذه المدينة المحتلة، حيث تواصل تدفق المهاجرين المغاربة حتى ساعات متأخرة من ليلة الخميس 30 يوليوز 2026.

وبهذا الخصوص يقول عمر الناجي، بأن الأرقام والإحصائيات الإسبانية، مبالغ فيها حيث تتجاوز أكثر من ثلاثة أرباع ساكنة هذه المدينة التي تبلغ تقريبا 70 ألف نسمة. مضيفا أن “هناك دائما محاولة لاستغلال وتضخيم الأرقام، واستعمالها، خاصة في علاقة إسبانيا مع الاتحاد الأوروبي أساسا، لاستجلاب الدعم المادي والدعم السياسي”.

وأوضح الناجي أنه لا يمكن تفسير ما حدث فقط بوجود أزمة اقتصادية. وإنما هناك عوامل تعتبر مؤثرة، وكان لها دور كبير في ظهور هذه الهجرة، وهذه العوامل “لها علاقة خاصة بالعلاقات المغربية الإسبانية، وفق ما لاحظته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، بحسب عمر الناجي.

ويشير محدثتنا إلى أن نفس السيناريو شهدته سنة 2021 في سياق توتر العلاقات بين المغرب وإسبانيا، وكذلك سنة 2024، حيث “حدثت أكبر مجزرة للمهاجرين في معبر باريوتشينو، في الناظور بتاريخ 24 يونيو 2024″، يقول عمر الناجي.

في الواقعة الأولى، ذهبت جميع التحليلات إلى أن المغرب قرر أن “يؤدب” إسبانيا على استضافتها لزعيم البوليساريو للعلاج، باستخدام جواز سفر مزور، فضلا عن الضغط على حكام مدريد لاتخاذ موقف إيجابي تجاه عرض المغرب بشأن الصحراء، ولم تتأخر مدريد طويلا إذ التحقت بركب الداعمين للحكم الذاتي.

ماي 2021

شباب NEET

في ماي 2021، شهدت مدينة الفنيدق، وشقيقتها سبتة، حدثا غير مسبوق بعدما تدفقت موجة من المهاجرين حيث نجح أزيد من 8 ألاف شخص في العبور خلال يومين فقط، وكان معظمهم من الشباب والقاصرين، وفي موجة الأيام الثلاثة الماضية، ظهرت عائلات بأكملها وكبار في السن، لكن ظل القاصرون والشباب مسيطرين على المشهد.

وكانت المندوبية السامية للتخطيط قد كشفت في تقرير أن الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة يشكل الفئة الأكثر عرضة للبطالة، بينما بلغ معدل البطالة في المغرب 13.3 في المائة، أما المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي فقد أكد أن 6 من أصل 10 شباب عاطلين، يصطدمون خلال البحث عن أول فرصة شغل بالعديد من الاكراهات قد تصل حد الإحباط.

وأوضح المجلس أن أكثر من مليون ونصف المليون شاب بين 15 و24 سنة، هم خارج الشغل والدراسة والتكوين، أو ما يطلق عليه شباب NEET. 

وأكد المجلس أنه بالرغم من دينامية قاعدة المغرب السكانية الشابة، إلا أنه لا يستغل طاقته بالشكل الأمثل، كما تشهد على ذلك مؤشرات سوق الشغل بحيث لا تتجاوز نسبة هذه الفئة 23 في المائة.

ويؤكد عمر الناجي، أن ما حدث كان مفاجئا، ولكن “لا يمكن تفسيره فقط بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب، وتعيشها الشبيبة المغربية أساسا”، وإنما، برأي المتحدث، هناك عوامل أخرى مؤثرة منها وضع العلاقات المغربية الإسبانية، لأنه “في السابق كان يقتصر الأمر على بضعة أفراد، أما الآن فنرى المئات والآلاف”. 

ويضيف الناجي أنه لا يمكن القبول بأن يتم استغلال هذه الورقة واستغلال مآسي الشباب لاعتبارات سياسوية محدودة. بل “يجب حماية حقهم في الهجرة، والتنقل”، مشددا على المطالبة بعدم إرجاعهم وتمكينهم من الهجرة ومن طلب اللجوء داخل التراب الإسباني. 

وبدوره، عبر أشرف ميمون، رئيس فرع الناظور للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عن التحفظ على الاتفاق المبرم بين المغرب وإسبانيا والقاضي بإرجاع كل المهاجرين والمهاجرات، وذلك باعتباره “غير قانوني وغير حقوقي”، خصوصا وأنه يشمل عددا من “القاصرين والقاصرات المحميين من طرف الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان”، سواء تعلق الأمر بحقوق الطفولة أو تعلق الأمر بالمواثيق الدولية ذات الصلة بالهجرة.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram