الرئيسية

كاميرات مخفية في أجهزة تكييف وبرامج تجسس.. شهادة نادرة لمُبلّغ مغربي من الداخل

ميكروفونات تجسس مثبتة عبر مفاتيح ذاكرة (USB)، وهواتف تُباع وهي محملة مسبقاً ببرمجيات تجسس، وتنصت، وكاميرات خفية. شهادة غير مسبوقة من قلب الجهاز الأمني المغربي؛ حيث قرر ضابط سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني الإدلاء بشهادته حول التجاوزات التي ارتكبها جهازه السابق، وكيفية مساهمته في قمع المجتمع المدني المغربي.

داميان لولوب، مارتين انترزينغر/ ترجمة “هوامش”

ستظل هوية المصدر سرية، إذ لا يمكننا الكشف عن عمره، ولا عن الدولة التي لجأ إليها، ولا حتى وصف مظهره الجسدي أو إسماع صوته.  فالمخاطر التي يواجهها بمجرد الكلام هائلة: عندما يرتاد مقهى، يفضل أن تُقدم له المشروبات في أوانٍ تستخدم لمرة واحدة لكي لا يترك أي بصمات أصابع. سنطلق عليه اسم “سفير”. 

تواصل “سفير” أولاً مع الصحافي المغربي هشام منصوري. وبعد تحقيق استمر عدة سنوات، تقرب الأخير من “فوربيدن ستوريز” (Forbidden Stories)، وهي مؤسسة إعلامية تُعنى بمواصلة أعمال الصحافيين الذين جرى إسكاتهم. وبناءً على شهادة “سفير”، ووثائق غير منشورة مستمدة أساساً من إجراءات قضائية ومن داخل الأجهزة المغربية، فضلاً عن شهادات عدة مُبلغين آخرين، يستعرض ائتلاف صحافي – بتنسيق من “فوربيدن ستوريز” وبدعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية – تفاصيل كيفية تسخير الأجهزة المغربية لترسانتها الرقابية الهائلة لمراقبة المعارضين وإخراسهم.

شهية نهمة

ما يثير الدهشة عند سماع “سفير” يروي تفاصيل العقد من الزمان الذي قضاه في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، هو الشهية الجامحة للجهاز الأمني المغربي بتكنولوجيات المراقبة. ويبقى برنامج “بيغاسوس” درة تاج هذه الترسانة. فبعد ما كشفت عنه صحيفة “لوموند” وشركاؤها في ” مشروع بيغاسوس” عام 2021 بشأن استخدام المغرب لهذه الأداة فائقة التطور لاختراق الهواتف، أصرت الرباط على الإنكار. لكن، “سفير”  يؤكد الأمر: المغرب هو بالفعل زبون للشركة الإسرائيلية “إن إس أو” (NSO Group) المطورة لبرنامج التجسس بيغاسوس.

وفي مؤشر يعكس مدى أهميتهم بنظر الجهاز الأمني المغربي، استُهدف الصحافيون ونشطاء حقوق الإنسان بمجرد وصول هذه الأداة إلى أيدي المديرية، وفقاً لـ”سفير”. وهي رواية تؤكدها بيانات الاستهداف التي حللها الائتلاف الصحافي.

وفي تلك الحقبة، كان إيقاع الهاتف في شباك الاختراق يتطلب إقناع الضحية بالضغط على رابط ملغوم. أمر جيد، فقد كانت هذه الخدمة مدمجة في البرنامج؛ إذ توضح وثيقة داخلية لشركة “NSO Group” – كُشف عنها مؤخراً في إطار إجراءات قضائية بالولايات المتحدة – أن “المنظومة توفر أدوات لصياغة رسائل موجهة ولكنها تبدو غير مؤذية، وهو أمر حاسم لأن مصداقية المحتوى تؤثر بشكل كبير على احتمالية نقر المستهدف على الرابط”.

هكذا، تلقى المحامي عبد الصادق البوشتاوي إعلانات عقارية مزيفة مغرية، وتلقى المعطي منجب، وهو مدافع بارز عن حقوق الإنسان، عرضاً تجارياً للاشتراك في ناد رياضي يصعب رفضه؛ وكانت جميع الروابط الموجودة في تلك الرسائل مفخخة ببرنامج بيغاسوس. 

في نهاية 2010، كان لدى ممثلي المبيعات في “NSO Group” أخبار سارة لزبونهم المغربي: فقد اكتشف تقنيو الشركة الإسرائيلية طريقة جديدة لاختراق الهواتف لا تتطلب أي تفاعل من الضحية. “لقد عرضوا علينا هجوماً يقومون فيه بإجراء مكالمة مجهولة، وبعد خمس ثوانٍ فقط، يصبح الهاتف مخترقاً”، يتذكر ” سفير”، وبحسب وثائق داخلية للشركة، فإن الأخيرة وضعت حينئذ تحت تصرف زبائنها تقنية متطورة تسمى “هيفن” (Heaven)، تتيح تثبيت برنامج بيغاسوس على هواتف المستهدفين باستغلال ثغرة في تطبيق “واتساب”. 

كما وثقت منظمة العفو الدولية في عام 2020، وكما يؤكد “سفير”، بإمكان المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني أيضاً اعتراض تصفح المستهدفين للإنترنت باستخدام معدات خاصة مثبتة على شبكة الهاتف، وتثبيت بيغاسوس على هواتفهم دون أي تفاعل منهم. ووفقاً للمُبلّغ، فإن مزود  اتصالات – الذي لم يرد على أسئلتنا – يقوم في بعض الحالات، وبطلب من المديرية، بإلغاء سقوف استهلاك البيانات للضحايا سراً، حتى تتم عملية سحب المعلومات الضخمة من الهاتف دون إثارة أي شكوك. 

تفعيل الميكروفون عن بُعد 

توقف كل شيء في عام 2021، عندما نشرت “لوموند” وشركاؤها “مشروع بيغاسوس”، كاشفين عن استخدام المغرب لبرنامج التجسس هذا. وتوالت الاجتماعات داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. ولم يُرصد أي استخدام لبرنامج بيغاسوس من طرف المغرب بعد خريف 2021، مما يشير إلى احتمال إنهاء العقد من قبل “NSO Group”، في سياق شددت فيه الحكومة الإسرائيلية شروط تصدير هذه الأداة القوية. وعند الاتصال بها، لم تستجب الشركة ولا المغرب لطلبات التعليق من “لوموند” وشركائها.

ومع ذلك، لا يُستخدم بيغاسوس إلا كملاذ أخير، وفقاً لـ”سفير”، أي عندما تفشل كل الأدوات التكنولوجية الأخرى المتاحة للجهاز. علماً أن ترسانته غنية للغاية؛ فمنذ عام 2009، ووفقاً لرسائل بريد إلكتروني نشرها أحد القراصنة في عام 2015، كان المغرب أحد الزبائن الرئيسيين لبرنامج التجسس “آر سي إس” (RCS) التابع للشركة الإيطالية “هاكينغ تيم” (Hacking Team). وكان جهاز المخابرات الداخلية المغربي يستخدمه على نطاق واسع، إذ كان يمتلك رخصة تتيح له اختراق ما يصل إلى 2000 جهاز، سواء كانت حواسيب أو هواتف محمولة. وقبل سنوات من ظهور بيغاسوس، كان برنامج “RCS” يوفر المزايا الكاملة لبرمجيات التجسس، حيث كان قادراً على تحديد الموقع، أو سحب الصور، أو تفعيل الميكروفون عن بُعد.

وتظهر وثائق جديدة صادرة عن الأجهزة المغربية أن برنامج “RCS” كان يمكن تثبيته بسهولة بالغة على الحواسيب عبر مفتاح “USB”. ويعترف “سفير” بأنه قام بذلك في مناسبات عديدة عندما كان المستهدفون في حالة عبور (ترانزيت) بأحد المطارات: “نصادر الهاتف، ونخترقه، ثم نعيده. كل شيء يتم في غضون ثلاثين دقيقة تقريباً. وتختلق شرطة الحدود ذريعة لجعل الشخص ينتظر ومصادرة هاتفه”. والمثير للدهشة هو أن هذه الوثائق وشهادة “سفير” تظهر أن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ثبتت برنامج التجسس على حواسيب مقاهي الإنترنت التي كان يرتادها بشكل معروف نشطاء خلال تظاهرات حراك الريف في عامي 2016 و2017.

ولمواجهة هذه الحركة الاحتجاجية في شمال البلاد، لجأت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني إلى حيلة أخرى كانت فعالة للغاية؛ إذ كانت تضع في محلات بيع الهواتف التي يرتادها المتظاهرون هواتف تبدو جديدة تماماً في مظهرها، لكن برنامج “RCS” كان قد ثُبت مسبقاً داخلها. ويحلل “سفير” ذلك ببرود قائلاً: “يبدو الهاتف وكأنه يخرج لأول مرة من علبته. عندما تشغله، تظن أنه جديد، لكنه في الواقع ملغوم بالفعل. ومن الناحية النفسية، تحقق هذه الطريقة نجاحاً باهراً”.

ومن بين الوثائق التي اطلعت عليها “لوموند” وشركاؤها، صورة لناشط في الحراك كان تحت المراقبة تؤكد استخدام هذا الأسلوب؛ إذ تظهر صورة من الكاميرا الأمامية وجهه، بينما تظهر صورة من الكاميرا الخلفية علبة هاتف ذكي فُتح للتو وهو موضوع على سرير غير مرتب.

وعلى الرغم من تعرضها لتسريب بيانات كارثي في عام 2015، واصلت شركة “Hacking Team” نشاطها قبل أن يتم الاستحواذ عليها وتغيير اسمها إلى “ميمينتو لابس” (Memento Labs)، ويُعتقد أن أدواتها ظلت مستخدمة من قبل المغرب حتى عام 2024. ووفقاً لـ”سفير”، لجأت المديرية أيضاً إلى برنامج تجسس جرى تطويره داخلياً للهواتف التي تعمل بنظام “أندرويد”، وخصص بشكل محدد لاستهداف النشطاء المطالبين بانفصال الصحراء.

إلى جانب الهواتف المحمولة، يكشف “سفير” عن العتاد التكنولوجي الكامل الموضوع تحت تصرف جهاز الأمن الداخلي المغربي؛ فهناك بالطبع أجهزة “إمسي كاتشرز” (IMSI catchers)، وهي أجهزة تحاكي أبراج اتصالات وهمية قادرة على اعتراض الاتصالات المحمولة، واستُخدمت بشكل خاص ضد متظاهري الريف. وهناك أيضاً برنامج “نايت هوك” (NightHawk) الذي تسوقه الشركة الإسرائيلية “إن تيريونيت” (Interionet)، وهو قادر – وفقاً لـ”سفير” – على التحكم في أي كاميرا للمراقبة بالفيديو (Vidéosurveillance).

في بعض الأحيان، لا تحتاج المديرية إلى استخدام أداة تقنية؛ فوفقاً لـ “سفير”، يتم الاحتفاظ بكافة الاتصالات الهاتفية في البلاد لمدة سنتين. ويؤكد قائلاً: “يمكننا البحث عن أي شيء، في أي وقت”. ويضيف التقني السابق في المخابرات متنهدا: “هناك قوانين، لكنها لا تُطبق. لا أحد يحترمها. إنهم لا يكترثون بالإذن القضائي أو بمذكرات التوقيف”.

“لا نترك أي أثر” 

ثم هناك الأساليب التقليدية القديمة، مثل الميكروفونات والكاميرات الخفية، وهي فعالة بشكل خاص ضد أولئك “الذين لا يجرون أي مكالمات هاتفية”، على حد تعبير “سفير”.عندما بدأت فيديوهات حميمية للمدافع عن حقوق الإنسان فؤاد عبد المومني وخطيبته تتداول سراً في عام 2020، لم يكن لديه أدنى شك في أنها التُقطت بواسطة كاميرا مخبأة داخل جهاز تكييف. وعندما فحص الجهاز للعثور على أداة التجسس، لم يجد شيئاً. ومع ذلك، يؤكد “سفير” أن هذا الأسلوب قد استُخدم بالفعل ضد فؤاد عبد المومني – الذي وقع أيضاً ضحية لبرنامج بيغاسوس – وأن الإجراءات تقتضي سحب الكاميرا فوراً بمجرد الحصول على الصور التي يُفترض أن تكون محرجة. ويقول “سفير”: “نحن لا نترك أي أثر”. 

لا تبقى كل هذه المراقبة حبيسة الملفات السرية للمديرية؛ إذ يجد العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان مقتطفات من مراسلاتهم الخاصة منشورة في “صحافة التشهير”، وهو الوصف الذي يطلق على وسائل الإعلام المغربية التي تقود حملات تشويه عنيفة ضد المعارضين. ويلخص “سفير” هذا القرب العضوي- بين هذه المنصات والجهاز الأمني- بشكل جيد؛ فبخصوص قناة “شوف تي في” (ChoufTV)، وهي إحدى هذه الوسائل الإعلامية، يصرح: “نحن نصور الفيديوهات، ونلتقط الصور، ثم نمررها لهم. إنهم جزء من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني”. 

ثمة حالة تجسد بشكل خاص شراسة السلطات المغربية في مجال المراقبة: وهي حالة الصحافي عمر الراضي، أحد أبرز المعارضين النشطين للنظام، إذ وُضع تحت مراقبة مستمرة منذ عام 2017 حتى اعتقاله بتهم التجسس والاغتصاب والاعتداء الجنسي. وحُكم عليه في يوليو 2021 في محاكمة شابتها خروقات، قبل أن يستفيد لاحقاً من عفو ملكي في يوليو 2024. 

يعتبر عمر الراضي من أوائل الضحايا الذين تأكد استهدافهم ببرنامج بيغاسوس في المغرب. ولكن، وفقاً لشهادة “سفير”، فقد استُخدمت ضده الترسانة الكاملة للمراقبة المغربية، من أجهزة “إمسي كاتشرز” والكاميرات الخفية، وصولاً إلى المراقبة الجسدية. وجرى تثبيت كاميرات مصغرة بحجم عدسة العين في مصابيح منزله، وكانت أدنى محادثاته تُنقل وتُفرغ بدقة متناهية. بل إن أقاربه وعائلته تعرضوا للتنصت والملاحقة من قبل الأجهزة المغربية. وعندما كان يلتقي بزملائه أو مصادره في المقاهي، كانت المديرية ترتب – بتواطؤ من أصحاب المقاهي – لوضع ميكروفونات تحت الطاولات. 

على مدار سنوات، تعرض عمر الراضي لهجوم شرس من الصحافة المقربة من السلطة، ولموجات تشويه على شبكات التواصل الاجتماعي. بناءً على بلاغ قدمته منظمة العفو الدولية، التي لاحظت تدفقاً هائلاً من التعليقات تحت منشوراتها المخصصة للصحافي، وأعلنت شركة “فيسبوك” في عام 2021 أنها قامت بتعطيل شبكة من الحسابات الوهمية. ويؤكد “سفير” أنه عاين بنفسه وجود خلية تضم عشرات الأشخاص داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مكلفة بإغراق شبكات التواصل الاجتماعي والصحافة الإلكترونية بتعليقات تدعم النظام وتهاجم المعارضين.

وعند توجيه السؤال إلى السلطات المغربية عن مجموع هذه العناصر الجديدة، لم ترد على صحيفة “لوموند” وشركائها. ويهدف هذا الضغط المكثف على نشطاء حقوق الإنسان، والذي تضاعف بفعل تكنولوجيات المراقبة، إلى إحباطهم وعرقلة عملهم وعزلهم. تماما كما يلخص المحجوب مليحة، وهو ناشط صحراوي وضحية لبرنامج بيغاسوس: “يرفض بعض الأشخاص الاتصال بي بسبب اختراق بيغاسوس. وشيئاً فشيئاً، تضاءلت دائرة معارفي، وقد غير هذا تماماً الطريقة التي أدير بها عملي في مجال حقوق الإنسان”.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram