الرئيسية

آليات المراقبة عن بعد.. تحقيق من داخل منظومة التجسس المغربية

لقطات شاشة ووثائق داخلية، إلى جانب شهادة عنصر سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، تكشف وفق معطيات هذا التحقيق تفاصيل جديدة حول استخدام أدوات مراقبة رقمية متقدمة، من بينها برنامج “بيغاسوس”، في عمليات استهدفت صحفيين ونشطاء وشخصيات معارضة. يستند التحقيق إلى وثائق غير منشورة سابقًا وشهادات تكشف أساليب تشغيل هذه الأدوات، من بينها تجهيز هواتف ببرمجيات تجسس قبل وصولها إلى مستخدمين مستهدفين، واختراق فضاءات رقمية عامة، إضافة إلى إدارة عمليات مراقبة عن بُعد. كما يتناول التحقيق أدوار مسؤولين داخل الجهاز الأمني، وفق ما أظهرته المواد التي جرى جمعها وتحليلها، ويطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية وحرية التعبير.

تنويه: يتناول التحقيق الذي أنجزه كل من خوسيه باوتيستا، إلويز لايان، هشام المنصوري وغيوم فينيتيتاي  بالتعاون مع شبكة فوربيدن ستوريز ومنظمة العفو الدولية (أمنستي)، ( وفي مرحلة لاحقة، قامت شبكة فوربيدن ستوريز بشكل مستقل بتوسيع دائرة شركائها الإعلاميين ضمنهم، راديو فرانس، لوموند وذوكارديان، ومؤسسات إعلام  في “إسرائيل” اشتغلوا بشكل مستقل على زوايا معالجة مختلفة)، (يتناول التحقيق) أدوار مسؤولين داخل الجهاز الأمني، وفق ما أظهرته المواد التي جرى جمعها وتحليلها، ويطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية وحرية التعبير.


“فوربيدن ستوريز”

يتذكر عمر الراضي شرطياً على طريقة جيمس بوند. “كان يعتقد نفسه شخصاً مهماً. يطرح سؤالين، يغيب أربع ساعات، ثم يعود بسؤالين آخرين”، يروي الصحافي.

قبل استجوابه، حرص رجال الشرطة على مصادرة متعلقاته منذ بداية احتجازه، في ذلك الأحد الموافق 5 يوليو 2020 بالدار البيضاء. شيء واحد كان يستأثر باهتمامهم بشكل خاص. “كان هاتفي لا يزال في يدي. انتزعوه مني وقالوا: ‘سنطفئه نحن بأنفسنا'”.

عمر الراضي

تحول هذا الهاتف الذكي إلى هوس حقيقي بالنسبة إلى أجهزة الأمن المغربية، المنهمكة في بمراقبة عمر الراضي منذ عام 2017 على الأقل. و قبل هذا الاعتقال بوقت طويل، جرى زرع الميكروفونات والكاميرات الصغيرة في منزله ؛ كما خضعت والدته وأصدقائه وحتى بائع السجائر الذي يتعامل معه للمراقبة أو التجسس، وكانت سيارته من طراز “داسيا سانديرو” سوداء اللون تُلاحق بانتظام.

إنها حياة تحت المراقبة، تعلّم الصحفي كيفية التحايل عليها: يُطفئ هاتفه عند لقاء مصادره، ولا يتردد في إغلاق الخط في وجه محاوريه فور شعوره بأنه مُراقَب. ويعترف “سفير”*، وهو عميل سابق في المخابرات المغربية كان مكلفاً بمطاردته: “لم نكن نجد شيئاً ضد عمر الراضي. لا شيء. كان حذراً للغاية إلى درجة ‘مفرطة’، وهو ما أجبرنا على الذهاب إلى أبعد من ذلك”. 

في ذلك المساء الصيفي إذن، وضعوه قيد الحراسة النظرية عند خروجه من حانة “الفيرتيغو” (Vertigo) بالدار البيضاء حيث اعتاد الذهاب. كان هاتف الآيفون الخاص به مقفلاً ولا يمكن استخدامه دون بصمة إصبعه. نُقل الهاتف بعد ذلك إلى مكاتب الأجهزة الأمنية. ولفك قفل الجهاز، استخدم رجال الشرطة برنامج “سيلبريت” (Cellebrite)، الذي يتيح استخراج كافة البيانات من الهاتف الذكي وتنظيمها في واجهة مخصصة. 

“كنت متأكداً أنهم يعملون على هاتفي. شعرت كأنني في فيلم، من الأفلام الرديئة لهوليوود”، يتحدث عمر الراضي متذمرا اليوم. دامت العملية ساعة وخمساً وأربعين دقيقة، وأُعيد تشغيل الجهاز دون ترك أي أثر مرئي للاختراق. استعاد الصحفي هاتفه وأُفرج عنه بعد 24 ساعة فقط، بدلاً من 48 ساعة المعتادة في حالات الحراسة النظرية بالمغرب.

واجه الصحفي بعد ذلك محنة قضائية مريرة، انتهت بإدانته بالسجن ست سنوات في عام 2022 في قضيتين منفصلتين تماماً – “التجسس” و”الاغتصاب” – في وقت كان يحقق فيه في عمليات نزع ملكية الأراضي وإثراء مقربين من الملك محمد السادس. 

يُجسّد عمر الراضي- الذي حصل على عفو ملكي سنة 2024- نموذجا  لتنكيل الجهاز الأمني بالأصوات المعارضة. كما كان الصحفي ضحية، كما كشفت منظمة العفو الدولية وتحالف Forbidden Stories في يونيو 2020، لأحد أبرز أدوات المراقبة الإلكترونية: “بيغاسوس” (Pegasus)، برنامج التجسس الذي يسحب كافة بيانات الهاتف دون الحاجة إلى أي تفاعل من صاحب الجهاز. وهي معلومات أدت إلى تكثيف القمع المغربي ضده.

“بالنسبة لعمر، لجأنا إلى بيغاسوس بعد استنفاذ جميع مراحل التنصت، سواء في منزله أو في سيارته. إنه إجراء شبه علمي. بيغاسوس هو الأداة الأخيرة، وواحدة من أقوى الأدوات”. ، يوضح سفير، العميل السابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، جهاز الاستخبارات الداخلية المغربي. الذي كان متورطا في عمليات ضد عمر الراضي وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان آخرين، قبل أن ينتهي به الأمر إلى الفرار من بلاده.

أسرار المراقبة الشاملة

اليوم، يقدم هذا العميل لأول مرة غوصاً في أسرار المراقبة واسعة النطاق التي تديرها الدولة المغربية، واللجوء إلى برنامج التجسس بيغاسوس، وهو ما نفته المملكة دائماً. وقد تأكدت شهادته غير المسبوقة من خلال مصادر أخرى داخل الجهاز الأمني ومن وثائق داخلية. وقد بادر إلى جمع روايته هشام المنصوري، وهو صحفي استقصائي مغربي في المنفى وشريك في تأسيس منصة “هوامش”.

شارك المنصوري، وهو نفسه ضحية لبرنامج بيغاسوس، في التحقيق لعدة سنوات حول عمليات المخابرات المغربية، قبل أن ينضم إلى “فوربيدن ستوريز” – التي تتمثل مهمتها في مواصلة عمل الصحفيين الذين قُتلوا أو سُجنوا أو هُددوا – ومختبر الأمن الرقمي التابع لمنظمة العفو الدولية و13 وسيلة إعلامية دولية. واطلع التحالف أيضاً، عبر مصادر متعددة، على وثائق داخلية للمخابرات المغربية، بالإضافة إلى بيانات متعلقة بشركة “إن إس أو” (NSO) الإسرائيلية المصنعة لبرنامج بيغاسوس. كما ننشر صوراً غير مسبوقة لواجهة برنامج التجسس هذا. 

هشام المنصوري

بعد مرور خمس سنوات على نشر “مشروع بيغاسوس”، تكشف “فوربيدن ستوريز” وشركاؤها عناصر جديدة حول برنامج التجسس ذي الصيت العالمي، وعن استخدامه من قبل المغرب للمراقبة والقمع. 

“كأن شخصاً ما تسلل إلى خصوصيتي”، سفيان، من ضحايا بيغاسوس

في البيانات الداخلية للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، يحمل ملف العملية اسم: “Op S6_Edge”. وفي ملف مؤرخ بعام 2017، يظهر رجل يرتدي سترة سوداء وهو يقوم بالعمل على إعدادات هاتف محمول. ثم يظهر بعد ذلك مستلقياً على سريره أحياناً، وأحياناً أخرى مع أفراد من عائلته. وفي صورة أخرى: علبة هاتف ذكي جديد أُخرج للتو من غلافه، وهو من طراز “سامسونغ غالاكسي إس 6 إيدج”. ويشرح سفير، العميل السابق للمديرية: “في ذلك الوقت، كان هذا الهاتف يحظى بشعبية كبيرة. اشترينا نحو خمسين جهازاً وقمنا باختراقها [بواسطة برامج تجسس أخرى غير بيغاسوس]”.

ووفق الرواية نفسها، جرى توزيع هذه الأجهزة في منطقة الريف، التي كانت تشهد منذ أواخر عام 2016 موجة من الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد. وانتهى الأمر بوصول بعض تلك الهواتف إلى أشخاص منخرطين في الحراك الاحتجاجي، دون علمهم بأنها خضعت مسبقًا لعمليات اختراق.

“اضطررت إلى تغيير البطارية مرتين!”، يتذكر “سفيان” (اسم مستعار) اليوم، وهو الرجل ذو السترة السوداء في لقطات المديرية . وتمكنت “فوربيدن ستوريز” وشركاؤها من العثور على هذا الشخص الذي تعرض للتجسس قبل تسع سنوات، والذي طلب عدم الكشف عن هويته. وكان حينها ملتزماً سياسياً، ويتولى إدارة لجان تنظيم المظاهرات في مدينته.

كما تعرض للاعتقال عدة مرات. ويقول سفيان: “الصور التي تعرضونها علي، هذه أول مرة أراها. نعم، كأن أحداً اقتحم خصوصيتي “. وأكد أن هاتفه كان جديداً، هدية قُدِّمت له للتو.

ووفقاً لسفير، فإن المديرية تستعين أيضاً بمشغل اتصالات لتوفير وصول غير محدود للإنترنت لبعض الأهداف، وذلك لضمان ألا يؤدي استخراج البيانات إلى استهلاك باقة الإنترنت الخاصة بهم وإثارة شكوكهم.

في الوقت نفسه، تستهدف المخابرات الداخلية المغربية أيضاً مقاهي الإنترنت. ومن بين الوثائق الداخلية التي حصل عليها التحالف: صورة لمحل صغير ذي واجهة خضراء، وعشرات الصفحات الإلكترونية التي تصفحها الزبائن. “لقد اخترقنا العديد من مقاهي الإنترنت. كان عملاؤنا الميدانيون يحددون لنا المقهى الذي يتردد عليه الهدف، وبذلك نتمكن من مراقبة جميع أنشطته”، يحكي سفير.

وكان برنامج التجسس المستخدم في ذلك الوقت هو “نظام التحكم عن بعد” (RCS)، الذي تسوقه الشركة الإيطالية “هاكينغ تيم” (Hacking Team) ومقرها ميلانو. داخلياً، في فريق البحث والتطوير على الأقل، ظهرت توترات بشأن الزبون المغربي. “بدأنا نُعبّر عن مخاوفنا. بالنسبة لي، تم تجاوز الخط الأحمر عندما زُجّ بأشخاص في السجن وتعرّض بعضهم للتعذيب”، يتذكر موظف سابق في الشركة الإيطالية، طالباً عدم الكشف عن هويته.

هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن المغرب يدفع النظام إلى أقصى حدوده، ” كانوا يحاولون استخراج كل ما يجري على حاسوب الأشخاص الذين يتجسسون عليهم: كل ملف يُفتح، حرفياً كل شيء”، يوضح الموظف السابق في “هاكينغ تيم”. “لكن إذا نُشر البرنامج على مئات الأجهزة، فإن خللاً ما سيُكتشف حتماً، وسيرصده برنامج مكافحة الفيروسات في النهاية”. وصرحت شركة “مومينتو لابس” (Memento Labs)، التي تأسست بعد استحواذ مجموعة “إنتي سايبر” (IntheCyber) على “هاكينغ تيم”، أنه لم تعد لها أي صلات بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ولا بالزبائن السابقين لحقبة “هاكينغ تيم”، وأن الفريق الداخلي بأكمله قد تغير منذ ذلك الاستحواذ. 

ثورة “بيغاسوس”

حسب المصدر، نقلت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني هذا الهوس إلى برنامج آخر بدءاً من نهاية عام 2017. ففي شهري غشت وشتنبر، حضر المهندسون والجواسيس عرضاً توضيحياً لبرنامج بيغاسوس الذي صممته شركة “إن إس أو” الإسرائيلية. وهو منتج ثوري بدا بمثابة سلاح مطلق بالنسبة للأجهزة الأمنية. ويشرح سفير: “الحجة التسويقية كانت الإصابة الصامتة، دون تدخل مادي “.

بعد قضاء سنوات في إعداد عمليات الاختراق عبر برنامج RCS والذهاب إلى الميدان، لم يعد عملاء المخابرات الداخلية بحاجة بالضرورة لمغادرة مكاتبهم. حيث توفر شركة “إن إس أو” لوحة تحكم يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت على خادم محلي، تتيح للزبائن إدارة النظام وضمان سرية عالية لكل عملية اختراق.

تجعل واجهة بيغاسوس استخدامه سهلاً للغاية بشكل محير. لأول مرة، ينشر التحالف لقطات شاشة منها. ومصدرها بنما، التي اشترت البرنامج في عام 2014. وحصل على هذه الصور الصحفي لويس إسكيفيل، من منصة “كوديغو مورس” (Codigo Morse)، الذي شارك في التحقيق ويعمل على هذا الموضوع منذ عدة سنوات. واضطر الصحافي – العضو في شبكة “سيف بوكس” (Safebox Network) التابعة لـ “فوربيدن ستوريز” – إلى مغادرة بنما خوفاً على سلامته بعد تلقيه تهديدات.

عميل سابق: “بمجرد أن علموا بوجود بيغاسوس، اختاروه لأنه سهل”

تؤكد لقطات الشاشة التي حصل عليها لويس إسكيفيل المخططات التي رسمها سفير اعتمادا على ذاكرته، والذي تذكر أيضاً شعار الحصان المجنح من الميثولوجيا الإغريقية، الذي يظهر كأيقونة لملف تثبيت البرنامج. وتحتوي كراسة لشركة “إن إس أو” تعود لعام 2013، سُربت أثناء اختراق البريد الإلكتروني لشركة “هاكينغ تيم”، على صور مماثلة للواجهة. 

كما تظهر أيضاً نسخ أحدث من لوحة التحكم وعمليات الاختراق في الملف القضائي لقضية “واتساب ضد مجموعة إن إس أو” (WhatsApp Inc. v. NSO Group Technologies Limited)، والذي يحتوي على وثائق داخلية لمجموعة “إن إس أو” وبعض عملائها.

في أعلى الشاشة، تظهر حوالي عشر تبويبات: “المكالمات”، “الرسائل”، “الموقع”، “جهات الاتصال”، “التطبيقات” أو حتى “الصور”. ويسمح النقر على “المكالمات” بإظهار سجل المكالمات الكامل لضحية البرنامج. وتتيح صفحة “الأوامر” إمكانية تفعيل الميكروفون وتسجيل الهدف في وقت محدد – أثناء لقاء مع مصدر بالنسبة لصحفي، على سبيل المثال – أو إرسال لقطة شاشة للجهاز. ويؤكد سفير: “بمجرد أن علموا بوجود بيغاسوس، اختاروه لأنه سهل. والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني فضلت دائماً الطريق السهل”. 

برنامج شركة “إن إس أو”، قادر على اختراق الهاتف عبر هجوم “دون نقرة” (Zero-click). فلم يعد هناك حاجة للنقر على رابط، بل يمكن اختراق الهدف بمجرد مكالمة لم يُرد عليها. ووفقاً للبيانات التي تم الحصول عليها خلال “مشروع بيغاسوس”، يُزعم أن المغرب استهدف ما يقرب من 13 ألف رقم بمفرده (ومع ذلك، لا يمكن للتحالف تحديد عدد الأهداف التي تم اختراقها فعلياً، حيث يمكن أن تكون بعض الأرقام قد أُدخلت في القاعدة كاختبار للتحقق من قابليتها للاختراق. وصرح شاليف هوليو، الشريك المؤسس لشركة NSO، للتحالف بأن “العديد من المزاعم المركزية لمشروع بيغاسوس 2021” كانت “غير دقيقة من الناحية الواقعية وببساطة غير صحيحة”). 

يستجيب البرنامج للطلب المفرط للأجهزة. داخل المديرية، هناك قسم مكلف بعمليات الاختراق عبر برامج التجسس. وحسب مصدر التحالف يرأس هذا القسم  رجل بنظارات سوداء و شارب خفيف، ويمكن رؤيته مرة في السنة في ستراسبورغ في اجتماعات اتفاقية مكافحة الجريمة الإلكترونية (T-CY) التابعة لمجلس أوروبا. ويقدم بصفته”عميد شرطة”، وهو جزء من وفد المغرب في موائد مستديرة الضامنة لاتفاقية تُذكّر أيضاً بـ”الحق في عدم التعرض للمضايقة بسبب الآراء، والحق في حرية التعبير”. رداً على سؤال حول حضوره لهذه الاجتماعات، أجاب مجلس أوروبا أن “اختيار المشاركين” في هذه الاجتماعات “مسؤولية السلطات المغربية وحدها”. 

ابتداءً من 10 شتنبر 2017، قام المشرفون على القسم باختبار برنامج التجسس على هاتفيهما الشخصيين: وقد جرى فعلا التعرف على رقميهما المغربيين في قائمة الهواتف المستهدفة ببرنامج بيغاسوس، والتي حصلت عليها منظمة العفو الدولية و”فوربيدن ستوريز” في عام 2021. وهي عملية كرراها عدة مرات: حيث جرى اختبار هاتف أحدهما 26 مرة بين عامي 2017 و2019، على الأرجح خلال عروض توضيحية جديدة أو لاختبار ميزات أخرى للبرنامج. 

في المجمل، حدد التحالف الصحفي ثمانية أرقام هواتف مغربية لخمسة عملاء من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في القائمة. من بينها رقمان لمدير آخر. ويقول سفير: “إن هذا يكلف ملايين اليوروهات. لذا، كان عليهم بالضرورة التحقق باستخدام هواتفهم الشخصية (…) لأنهم بعد ذلك يرفعون التقارير إلى رئيسهم”. 

أهداف رفيعة المستوى

منذ نشر نتائج “مشروع بيغاسوس” في عام 2021، نفت المملكة دائماً بشدة استخدام برنامج التجسس. وإلى جانب كشوفات هذا التحقيق الأول، أكد تحليل تقني جديد أجراه مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية أن نفس مجموعة حسابات آبل (Apple) المستخدمة لاختراق صحفيين ونشطاء مغاربة استهدفت أيضاً صحفيين فرنسيين وسياسيين فرنسيين وإسبان. وفي فرنسا، رصدت الفحوصات التقنية التي أجرتها الوكالة الوطنية لأمن نظم المعلومات (ANSSI)، والتي اطلعت عليها “فوربيدن ستوريز”، على نفس الحسابات وعناوين البريد الإلكتروني. 

وبعد فترة برود، عادت العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا والمغرب إلى مجراها الطبيعي. بعد جفاء استمر ثلاث سنوات، حتى اعتراف إيمانويل ماكرون بـ “السيادة المغربية” على الصحراء، التي تطالب بها جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر. 

بالنسبة لعمر الراضي وضحايا المراقبة والاختراق، تظل ردات الفعل الغريزية حاضرة، النظرات الخاطفة إلى الخلف في الشارع، والأرقام الهاتفية التي تُغيَّر كل عام، ومرارة السجن، والشعور بنوع من الضياع.

“لماذا نتبع شخصاً في جولته على البارات يوم سبت؟ لماذا نُسخِّر موارد هائلة لأشياء تافهة؟” يتساءل الراضي، الذي رُفض مؤخراً طلبه للتنصيب كطرف مدني في الشق القضائي الفرنسي، المفتوح إثر شكوى رفعها عدة ضحايا لبيغاسوس. 

“تتبّع الناس، والبحث في قمامتهم .. أي معنى يمنحه هذا لضابط في حياته الخاصة؟ رغم أنني متأكد من أنه يحب البلد بقدر ما أحبه. وأعتقد أنهم ينتهي بهم الأمر إلى كره ما يُطلب منهم فعله. وربما حتى في النهاية، كره بلدهم”. في المقابل، يقدّم سفير صورة أكثر قتامة عمّا تفعله المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني برجالها، إذ يقول: «الأشخاص الذين عملت معهم فقدوا إنسانيتهم. هناك حرية في التجسس لا يمكن تصورها.. يتحولون إلى وحوش باردة». 

لم تجب السلطات المغربية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وعملاؤها، ولا شركة NSO أو “إسرائيل”، على اسئلة التحالف.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram