“هوامش”
توضح جمولة منذ البداية أن هدف الدراسة ليس التحقق من صحة الشائعة، وإنما فهم الكيفية التي تتحول بها المعلومات المضللة إلى سلوك جماعي. وتصف تيك توك بأنه “ناقل للتعبئة العاطفية والجماعية”، معتبرة أن دراسة الظاهرة تقتضي تحليل الآليات التقنية والعاطفية والاجتماعية التي تؤثر في سلوك المستخدمين داخل المنصة.
من الشائعة إلى التعبئة الجماعية.. كيف قرأت الدراسة الظاهرة؟
تنطلق الدراسة من ملاحظة أن التضليل المعلوماتي لم يعد مجرد مشكلة تتعلق بمحتوى زائف، بل أصبح جزءًا من اضطراب أوسع في البيئة المعلوماتية الرقمية. واستنادًا إلى أعمال كلير واردل وحسين درخشان، تميز الباحثة بين المعلومات الخاطئة، والمعلومات المضللة، والمعلومات الصحيحة التي يُعاد استخدامها خارج سياقها، كما تستعرض النقاش العلمي حول مفهوم «الأخبار الزائفة»، مشيرة إلى أن عددًا من الباحثين يفضلون الابتعاد عن هذا المصطلح لأنه يجمع تحت مظلته ظواهر متعددة تختلف في طبيعتها وأهدافها.
وفي هذا السياق، تعود الدراسة إلى مفهوم الشائعة كما صاغه جان-نويل كابفيرر، لتبين أن البيئة الرقمية منحتها خصائص جديدة تتجاوز سرعة الانتشار، إذ غيرت أيضًا طرق إنتاجها وتداولها واستهلاكها. ومن هنا، لم تطرح الباحثة سؤالًا حول صدق الشائعة أو كذبها، بل ركزت على السؤال الذي اعتبرته أكثر أهمية: كيف تحولت رسالة رقمية إلى حالة تعبئة جماعية على أرض الواقع؟
وللإجابة عن هذا السؤال، اعتمدت الباحثة منهج الإثنوغرافيا الرقمية، الذي يقوم على ملاحظة التفاعلات داخل البيئات الرقمية وتحليلها. وشملت الدراسة تحليل 360 مقطع فيديو، ومتابعة 36 حسابًا على تيك توك، إضافة إلى دراسة النصوص المرافقة للمحتوى، والوسوم، والتعليقات، مع اعتماد أسلوب الملاحظة غير التشاركية أي متابعة الحسابات دون التدخل في النقاشات أو التفاعل مع أصحابها، حتى لا يؤثر حضور الباحثة في السلوك الطبيعي للمستخدمين. وتشير الدراسة إلى أن طبيعة تيك توك فرضت تحديات منهجية، منها التغير السريع للمحتوى، وصعوبة أرشفته، وعدم إتاحة واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بالمنصة، وهو ما حدّ من إمكان الوصول إلى بيانات أكثر شمولًا.
كيف صنعت تيك توك بيئة مواتية لانتشار الشائعة؟
تُظهر الدراسة أن تفسير الظاهرة يقتضي النظر إلى ثلاثة مستويات مترابطة: المنصة نفسها، والحسابات التي تنشر المحتوى، وطبيعة المحتوى المتداول. فعلى مستوى المنصة، يبرز نظام التوصية الذي تعتمد عليه صفحة “لك” (for you)، والذي يوزع الفيديوهات وفقًا لأنماط التفاعل، لا وفقًا لموثوقية المعلومات. ويعني ذلك أن المحتوى القادر على جذب الانتباه وتحفيز المشاركة يصبح أكثر حضورًا، سواء كان دقيقًا أو مضللًا.
وتوضح الباحثة أن الإمكانات التقنية التي تتيحها تيك توك، مثل إعادة استخدام الفيديوهات وتقليدها وإعادة تركيبها، تجعل الرسائل قابلة لإعادة الإنتاج بصورة مستمرة، وهو ما يوسع دائرة انتشارها ويجعل تعقب مصدرها الأول أكثر صعوبة. واستنادًا إلى مفهوم “الأداة المعرفية” الذي طوره دونالد نورمان، ترى الدراسة أن المنصة لا تنقل المعلومات فحسب، بل تؤثر أيضًا في الطريقة التي يدرك بها المستخدمون الأحداث ويفسرونها.
ولا تقتصر قوة المحتوى، بحسب الدراسة، على بنيته التقنية، بل تمتد إلى بعده العاطفي. فالفيديوهات القصيرة، والإيقاع السريع، والموسيقى، والمؤثرات البصرية، وطريقة مخاطبة الجمهور، كلها عناصر تجعل الرسائل أكثر قدرة على استثارة التفاعل. ولهذا تستند الباحثة إلى أعمال لورانس ألارد، التي تصف تيك توك بأنه “وسيلة تعبير سمعية بصرية جديدة”، كما تشير إلى توصيف المنصة بوصفها “تكنولوجيا للعواطف”، لأن التأثير فيها لا يعتمد على المعلومات وحدها، بل أيضًا على الطريقة التي تُبنى بها التجربة الوجدانية للمستخدم.
وفي هذا السياق، تتناول الدراسة كيفية تشكل المصداقية داخل المنصة، موضحة أنها لا ترتبط بالضرورة بخبرة صانع المحتوى أو اختصاصه، بل تتكون من تفاعل مجموعة من العناصر، مثل أسلوب تقديم الذات، وعدد المتابعين، وكثافة التفاعل، وتكرار ظهور المحتوى. وتوضح الباحثة أن هذه المؤشرات قد تمنح بعض الحسابات مظهرًا من الموثوقية لدى المستخدمين، وهو ما يعزز انتشار الرسائل ويزيد من فرص إعادة تداولها، دون أن يشكل ذلك دليلًا على صحة المعلومات المتداولة.
نتائج أولية تفتح أسئلة جديدة
تؤكد الباحثة أن نتائج الدراسة تظل استكشافية وأولية، لأنها ترتبط بحالة محددة وبمنهجية نوعية ركزت على تحليل المحتوى والتفاعلات داخل تيك توك، ولا تهدف إلى إثبات علاقة سببية بين مشاهدة المحتوى واتخاذ قرار المشاركة في محاولة الهجرة. كما تشدد على أن القيود التي فرضتها طبيعة المنصة، مثل سرعة تغير المحتوى وصعوبة الوصول إلى بياناتها الكاملة، تستدعي التعامل بحذر مع النتائج وعدم تعميمها على جميع أشكال التضليل المعلوماتي أو على مختلف المنصات الرقمية.
ومع ذلك، ترى الدراسة أن تحليل العلاقة بين الخوارزميات، والتفاعلات الاجتماعية، والبعد العاطفي للمحتوى، يفتح آفاقًا جديدة لفهم آليات صناعة التضليل المعلوماتي في البيئات الرقمية، ويدعو إلى تطوير مزيد من الأبحاث حول استراتيجيات التحقق من المعلومات، والتربية الإعلامية والرقمية، ودور سياسات الإشراف على المحتوى في الحد من انتشار المعلومات المضللة.
وبذلك، لا تقدم دراسة لمياء جمولة تفسيرًا يحمّل تيك توك مسؤولية مباشرة عما حدث، بل تقترح قراءة أكثر تعقيدًا ترى أن المنصة، بما توفره من إمكانات تقنية وأنماط تفاعل، يمكن أن تهيئ بيئة تساعد على انتشار الشائعات وتحولها، في ظروف معينة، إلى تعبئة جماعية. وهي قراءة تدعو إلى فهم التضليل المعلوماتي بوصفه ظاهرة تتشكل من تفاعل التكنولوجيا والمحتوى والمستخدمين، أكثر مما ترتبط بعامل واحد منفرد.