الرئيسية

تأملها الفلاسفة واحتفى بها الشعراء وخلّدها الأدباء.. كرة القدم خارج المستطيل الأخضر 

لم يقتصر الشغف بكرة القدم، على اللاعبين والجماهير وحدهم. بالنسبة لكثير من والأدباء والشعراء والمفكرين، لم تكن المباراة تبدأ فقط عند صافرة الحكم، وتنتهي بالفوز أو الخسارة، بل كانت نصا أدبيا يُذَكِّرنا فيها الروائيون، بعلاقتهم الحميمية مع ''المستطيل الأخضر''، كما نظم فيها الشعراء قصائد عديدة، أما المفكرون فكانوا يتأملون في هذه اللعبة وما تستطيع أن تفعله، باعتبارها مساحة أخلاقية، ولغة كونية، وجسدا مبدعا.

عادل ايت واعزيز

خلافا للصورة النمطية، السائدة حول المفكرين والأدباء، بأنهم يعيشون في عزلة عن تفاصيل الحياة اليومية؛ وتختزلهم كأسرى بين رفوف المكتبات، يكشف تاريخ الأدب والفكر، وسِيَرِ العديد من الفلاسفة والأدباء والشعراء، عن علاقة أكثر ثراء بالرياضة، وبالخصوص كرة القدم: هناك من لعبها، وألَّف فيها شعرا، فيما يوجد منهم من تفلسف فيها وجعل منها سؤالا أخلاقيا وإنسانيا ومختبرا إبداعيا.

الكابتن نجيب محفوظ: الهداف والمدافع والجناح الأيسر

لم تخل حياة رائد الرواية العربية، نجيب محفوظ (1911 – 2006)، من ولعه بكرة القدم، خصوصا في طفولته، حيث أمضى الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1988م، وأحد أكثر الكتاب غزارة، طفولته ومراهقته متعلقا بالساحرة المستديرة، قبل أن يخطفه الأدب منها. في “صفحات من مذكرات نجيب محفوظ”، للناقد المصري رجاء النقاش، فتح نجيب محفوظ صفحات من حياته ومسيرته، لم تكن لِتُعرَف لولا إقناع النقاش له بالحديث عنها.

عام 1991، أخذ رجاء النقاش على عاتقه، إجراء حوارات وأحاديث موسعة، على مدار أزيد من عام، مع صاحب ”ثلاثية القاهرة”، و”الشحاذ”،  وأولاد حارتنا”، و”ملحمة الحرافيش”، بعد أن جاءته الفكرة من ”مركز الأهرام المصرية للترجمة والنشر”، ليؤلف هذا الكتاب الذي يضم صورة شاملة وكاملة، عن كل الأشياء الصغيرة والكبيرة من حياة نجيب محفوظ.

لم يكن الصبي نجيب يتخيل، أثناء مشاهدته لمباراة كرة القدم بين فريق مصري وآخر إنجليزي، بأحد المقاهي، أن يعود بدهشة كبيرة بعد فوز الفريق المصري، يقول: ”كنت أعتقد حتى ذلك الوقت، أن الإنجليز لا ينهزمون حتى فى الرياضة. رجعت يومئذ إلى البيت وذهني كله معلق بكرة القدم، وبأسماء الفريق المصرى الذى هزم الإنجليز، وخاصة كابتن الفريق حسين حجازى نجم مصر ذائع الصيت في ذلك الوقت”. هكذا بدأت الشرارة الأولى لتعلقه بالكرة.

عاد الطفل حاملا دهشته من المقهى، وهو أحد الأماكن التي شكلت جزءا من وعيه الأدبي، وكله أمل في أن يحصل على كرة يحاكي بها ما شاهده خلال المباراة، وألحّ على والده أن يشتري له كرة، وبعد حصوله عليها، بدأ يمضي في اللعب بمفرده وقتا طويلا في فناء المنزل، يضيف نجيب محفوظ: ”وبسرعة شديدة استطعت أن أتقن المبادئ الأساسية للعبة، وانضممت إلى فريق «التيمبل» في المدرسة الابتدائية”. 

تعود بداية علاقة نجيب محفوظ بكرة القدم، في ”حي العباسية” الذي انتقل إليه مع أسرته في المرحلة الإبتدائية، حيث تحتضن شوارع الحي مباريات كرة القدم، التي تجري بين فريق حيّه، ”قلب الأسد”، والذي كان يقوده، وبين فرق الأحياء المجاورة، يقول الحائز على نوبل في الأدب: ”كنا نستضيف أحيانا فرقا من الأحياء المجاورة في مباريات ساخنة ونذهب لنلاعبهم في أرضهم بالمثل”.

استمر عشق نجيب محفوظ لكرة القدم، 10 سنوات متصلة، خلال مرحلته الإبتدائية والثانوية، يقول في هذا الصدد: ”ولو كنت داومت على ممارستها فربما أصبحت نجما من نجومها البارزين”. في البداية لعب نجيب محفوظ مهاجما مع فريق ”التيمبل”، في الجناح الأيسر، وبالرغم من أنه لايجيد اللعب بقدمه اليسرى، كان أكثر اللاعبين إحرازا للأهداف، وفي ثانوية فؤاد الأول، تغيّر مركزه إلى قلب دفاع.

الكثير ممن يشاهدون نجيب محفوظ وهو يلعب كرة القدم، تنبأوا له ”بالنبوغ في عالم كرة القدم، وأنه سيلعب لأحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطني”، غير أنه في مرحلته الجامعية، غلب الأدب كرة القدم في معركة استقطاب موهبته، بعد رفضه الانضمام إلى فريق الجامعة، لتنقطع صلته بكرة القدم، ممارسة ومشاهدة، يقول في هذا السياق: “عندما أخذني الأدب واستغرقتنى القراءة والكتابة، لم أستمر فى متابعة ومشاهدة الأجيال الجديدة، ولم أعرف منهم سوى عبد الكريم صقر، الذى أكد لي صديقى عبد المنعم الشويخ أنه لاعب فذ لم تنجب الملاعب المصرية مثله”. 

ألبير كامو حارسا للمرمى

يكشف جانب من حياة ”ألبير كامو” (19131960)،  أحد أبرز أدباء ومفكري القرن العشرين، خلال طفولته وشبابه في الجزائر، والحاصل على جائزة نوبل للأدب، والذي شكل مفهوم ”العبث” محور تفكيره، عن ولعه المبكر بكرة القدم، حيث لم يكن صاحب ”الطاعون”، و”أسطورة سيزيف” و”الغريب”، غريبا عن هذه الرياضة. في روايته ”الإنسان الأول”، التي تعد من بين آخر أعماله، يضعنا كامو وسط حياة أسرة فقيرة، شخصيتها الرئيسية الطفل ”جاك”، الذي هو ألبير كامو نفسه، والذي  يعيش طفولة تتأرجح بين السعادة والبؤس.

يروي كامو في سيرته الذاتية، كيف كانت كرة القدم ”مملكته الخاصة”. بالنسبة له ”اكتشف جاك بشكل خاص منذ أولى فترات الاستراحة، ما سيصبح ولعه لسنوات عديدة”. لم يكن الأكل يهم ”جاك”، أثناء الاستراحة في المدرسة، حيث تجرى المباريات، بل ”كان يندفع مع المولعين بكرة القدم في الفناء الإسمنتي”، غير أن هذا الفناء، عادة ما يقلق ”جاك”، إذ يتضرر حذائه في كل مباراة، وإذا تضرر فإن عاقبة وخيمة تنتظره في منزله مع جدته.

كانت جدته ترعاه بشكل شخصي، تشتري له ملابس وأحذية متينة وسميكة، تُسَمِّرُها بمسامير ضخمة ومخروطية، وتلح عليه بعدم لعب كرة القدم، كي تبقى نِعاله صالحة لمدة طويلة، غير أنه في كل مرة، ينتابه الرعب من تآكل المسامير، وأحيانا قد ينفصل وجه الحذاء إثر كل ركلة. وكي تتحقق جدته في كل مساء يعود فيه للبيت بعدم خرقه لهذه القاعدة، ”يعرض نعليه، ويثني ركبتيه، فيرفع نعله فى الهواء، فى وضع الحصان الذي توضع له حذوة”.

لم يستطع الطفل مقاومة جاذبية لعب كرة القدم، وفي شبابه، رافقه هذا الشغف، ولعب حارس مرمى لفريق ”الراسينغ الجامعي للجزائر” (RUA) عام 1930، غير أنه سرعان ما تخلى عن حلمه باحتراف كرة القدم، حين علم بإصابته بمرض السل في سن 17 عاما، إلا أنه حافظ على هذا الشغف طوال مسيرته، وذلك بتشجيعه لفريقه المفضل ”نادي راسينغ  باريس”، وفي إحدى مقابلاته عام 1959، اختصر كامو تأثيره وعلاقته بكرة القدم قائلا: ”القليل من الأخلاق التي أعرفها، تعلمتها على خشبات المسرح، وفي ملاعب كرة القدم، وسيظلان جامعتي الحقيقية”.

إدواردو غاليانو: ”كرة القدم، بين الشمس والظل”

”لقد رغبت مثل جميع الأوروغوانيين، في أن أصبح لاعب كرة قدم. وقد كنت ألعب جيدا، كنت رائعا، ولكن في الليل فقط أثناء نومي. أما في النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة، شهدتها ملاعب الأحياء في بلادي”. بهذا الاعتراف، يفتتح الكاتب والروائي الأوروغواياني إدواردو غاليانو( 1940 – 2015)، اعترافه في كتابه ”كرة القدم، بين الشمس والظل”.

هذا الكتاب مهدى لأطفال كان إدواردو قد التقى بهم في ”كاليا دي لاكوستا”، وهم عائدون من لعب كرة القدم مرحين، وهم يتغنون: ”ربحنا أم خسرنا لن تتبدل متعتنا .. متعتنا تظل على حالها .. سواء خسرنا أم ربحنا”. لعل هذه المتعة التي التقطها غاليانو، هي التي فتحت شهيته لخوض مغامرة الكتابة عن كرة القدم، إذ نجد عبارة لافتة تشكل الأطروحة المحورية للكتاب، يقول فيها: ”تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب”.

تكشف هذه الفكرة، أن علاقة الكاتب الأوروغوياني بالمستديرة، ليست رهينة بالانتصارات، بقدر ما عشقه لها يرتبط باللعبة ذاتها، التي نشأت حرة تمارسها جميع الفئات من أجل المتعة، وتمنحهم لحظات تحررية، إلا أنه مع مرور الزمن تحولت إلى مهنة ثم إلى صناعة، وصار اللاعب مطالبا بالإنتاج والانتصار والعائد المالي، أكثر منه بالاستمتاع باللعب، ولهذا نلاحظ في تفاصيل الكتاب، ولع الكاتب ودفاعه عن اللاعب المبدع حتى ولو خسر المباراة.

يعيد كاتب ”أبناء الأيام”، و”أفواه الزمن”، و”صياد القصص”، تشييد طفولته سرديا بصورة مضمرة، حيث يكتب: “حين يتحول الرجل، ولو لبرهة، إلى طفل، يلعب بالكرة مثلما يلعب الطفل بالبالون، ومثلما تلعب القطة بكبة خيوط صوفية..”، إذ لا يصف اللاعب هنا، بل شخصه، وهو يستدعي الطفل الذي كانه.

الأهم هو جمالية الأسلوب

منذ بداية الكتاب، يتضح أن غاليانو، حين يتحدث عن ”اللاعب”، و”حارس المرمى”، و”المشجع”، و”المتعصب”… وهي كلها عناوين مضمنة في الكتاب، نجده لا ينتمي إلى عالم كرة القدم بالطريقة الكلاسيكية، فأكثر ما يشده إليها هو جمالية الأسلوب، إذ قد يخسر الفريق الذي يعجبه، ولايقلقه الأمر، لكن أن يفوز هذا الفريق بلا جمالية في اللعب، فهذه هي الخسارة بالنسبة إليه، وهذا يفسر حديثه، في فصول أخرى من الكتاب، عن اللاعبين الذين أمتعوا العالم أكثر من حيازتهم للألقاب.

“لقد راحت تكنوقراطية الرياضة الاحترافية، تفرض كرة قدم تعتمد السرعة المحضة والقوة الكبيرة، وتستبعد الفرح، وتستأصل المخيلة، وتمنع الجسارة”، هذه إحدى المواقف التي عبّر عنها الكتاب، وهو يوجه نقدا لمنطق الاحتراف، الذي حول اللعبة إلى مجرد إدارة للأداء، حيث لم يعد المدرب يعتمد على الحدس، بل على البيانات، واللياقة البدنية، والذكاء الاصطناعي، وعلوم التغذية؛ وكلها تتقدم على الموهبة والخيال والدهشة.

في القسم الذي خصصه لكبار نجوم كرة القدم، يتحدث غاليانو عن الساحرين بيليه ومارادونا، بوصفهما تجسيدا لروح كرة القدم التي طالما دافع عنها. فالأول، اعتبره ظاهرة جمالية نادرة، استطاعت أن تجعل من كرة القدم فنا بصريا، ويصف حركته في الملعب: ”يركض كسكين يخترق الخصوم”، ويقفز “كما لو أن الهواء سلّم”. ولا يكتفي الكاتب بالاحتفاء بعبقريته، بل يربطها أيضا بسيرته الاجتماعية؛ ”فالفتى الذي خرج من بيت فقير ومن مجتمع كان يضيق على السود”، استطاع أن يبلغ قمة المجد، ويضيف أن بيليه يمنح ”المتفرجين لحظات جديرة بالخلود”.

أما مارادونا، فيختار غاليانو أن يعرفنا به منذ لحظته الأولى، وهو ابن 12 سنة، ويقدمه بوصفه التجسيد الأكثر نقاء لطفولة كرة القدم، ويصف لعبه في الملعب قائلا: ”سبعة أطفال مُقَلَّبُون على الأرض، وأربعة آخرون لا يستطيعون إطباق أفواههم، ومارادونا يمشي بهدوء داخل المرمى”، ومشية مارادونا هذه، هي عمق ما يريد غالينو إيصاله للقارئ، لأنها تمشي عكس المال، والشهرة، والصناعة، والسوق، مارادونا عند غاليانو لا يكبر ولا ينضج، بل “ينام وهو يحتضن الكرة، ويخرج لسانه حين يسجل”.

محمود درويش: ”يفلت كالصوت، له وجه طفل”

يلتقي الأديب إدواردو غاليانو والشاعر الفلسطيني محمود درويش (1941 – 2008)، في الاحتفاء بالأسطورة الأرجنتينية، دييغو مارادونا، بوصفه آخر الأطفال الذين حافظوا على براءة كرة القدم، والذي لم تفسده الشهرة. هذا ما أثاره في نص نثري له يعود إلى فترة مونديال 1986، كتبه محمود درويش بعد مباراة ألمانيا والأرجنتين، بعد أن انتصرت الأخيرة، بثلاثة أهداف لهدفين، ويحمل عنوان: “لن يجدوا دماً في عروقه.. بل وقود الصواريخ”. 

في مستهل هذا النص، يتكلم درويش مع مارادونا بأسئلة مباشرة: “ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟ ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟”. في نظر الشاعر، لم يكن النجم الأرجنتيني يراوغ اللاعبين فقط، بل كان يراوغ الزمن نفسه، فيجعل من لحظات المباراة زمنا استثنائيا، تتعطل فيه المواعيد، وتنهار أمامه الحسابات المنطقية. 

لذلك يبدو رحيل مارادونا عن المونديال، أشبه بانتهاء فترة زمنية كاملة، ولعل هذا ما يفسر تساؤل درويش الحزين: “مع من سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟”. ولهذا لم يكن ”دييغو”، في نظر درويش، مجرد لاعب تتم متابعته، بل بطلا كونيا علّق عليه الجماهير حاجتهم الدائمة إلى من يمنحها الأمل والدهشة. 

نَصُّ محمود درويش، يكشف عن مستويات عميقة، تجعل من الطائرة الورقية الفضائية (لقب أطلقه المعلق الإذاعي فيكتور هوغو موراليس على مارادونا) عتبة للتأمل في معنى كرة القدم، ويكتب محمود درويش عن مارادونا قائلا:

”يفلت كالصوت

له وجه طفل، وجه ملاك،

له جسد الكرة،

له قلب أسد،

له قدما غزال عملاق”.

وهي صور واستعارات، تعيد اللاعب إلى براءة البدايات، تماما كما فعل إدواردو غاليانو، حين استعاد مارادونا طفلا ينام محتضنا كرته، غير أن درويش يذهب أبعد من ذلك، ويتساءل: “لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟”، ثم يكرر سؤاله مجددا: ” أكرر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟”، في محاولة منه لتحرير اللعبة من النظرة التي تختزلها فقط في المنافسة الرياضية. إذ إن كرة القدم، في نظره، مسرح تتقاطع فيه العاطفة، والهوية، والسياسة، والجمال، لتشكل “حرب التأويلات” التي تعكس أحلام الشعوب وانكساراتها.

يستمر صاحب ”الجدارية”، و ”كزهر اللوز أو أبعد”، و”لا شيء يعجبني”، في إعجابه بالساحر الأرجنتيني، مُحَوِّلا حركته في المعلب إلى مشهد بصري شعري، وتفاعل وجداني: ”وله هتافنا: مارادونا.. مارادونا، فنتصبب اسمه عرقا. ويقتلع الكرة كالقطة البلدية الماهرة، من أرجل البغل. يراوغ كالثعلب المزوّد بقوة ثور، ويقفز كالفهد على حارس المرمى الضخم المتحوّل إلى أرنب: جووول!”. 

ويختم درويش نصه بسؤال يحمل دلالة بليغة ومكثفة، قد يبدو ساخرا، لكنه اعتراف بأن كرة القدم، حين تبلغ ذروتها الجمالية، تستطيع أن تنافس الفلسفة والشعر، في تملك الحس الإنساني، وتصبح 90 دقيقة، نصا فنيا و ثقافيا ثريا: “مارادونا، متى تحمل اسمك عن شفاهنا لنعود إلى قراءة هيغل ونيتشه؟”.

عبد الكريم الجويطي: ”الكرة هي الحب”

لم يكن الاحتفاء بكرة القدم حكرا على الأدب العالمي وحده، إذ نجدها حاضرة في الأدب المغربي،  باعتبارها مادة للسرد والذاكرة، في الأعمال الروائية للكاتب المغربي، عبد الكريم الجويطي (1962)، خصوصا ”المغاربة” و”كتيبة الخراب”، وإن لم تكن كرة القدم محورا فيها، إلا أنها تستحضر تفاصيل الطفولة والشارع والأحياء الشعبية، وهي فضاءات لا تنفصل عن كرة القدم باعتبارها ممارسة اجتماعية وثقافية.

في رواية ”زغاريد الموت”، التي صدرت عام 1996، جعل الجويطي كرة القدم جزءا من البناء الروائي، إذ تتحول في روايته إلى فضاء للحرية واكتشاف الذات ومقاومة الانغلاق. فبينما يسعى الفكر المنغلق إلى حصر الجسد، يحاول الجويطي تحرير الساحرة المستديرة من قيودها الرياضية الضيقة، ليجعلها طقسا للانبعاث الروحي. 

ويكتب الجويطي في الرواية، على لسان شخصية ”يونس”:”هذه الكرة هي الحب الذي يلغي الفروق بينكم، واللعب ليس صراعا مع الآخرين، بل هو أساسا صراع مع النفس، إنه سير حثيث نحو معرفة حدود الذات”،  ويعني ذلك أن المباراة، ليست مجرد منافسة بين فريقين، بل فعلا رمزيا لاستعادة الإنسان، وقدرته على الحلم، فالخصم الحقيقي، حسب الكاتب، ليس الفريق المقابل، بل حدود الذات نفسها.

لايتعامل عبد الكريم الجويطي، في ”الزغاريد”، مع ممارسة كرة القدم، بوصفها تزجية للوقت فقط، بل ينقلها إلى الفعل النضالي والأنطولوجي، وذلك بإعادة تأسيس علاقة جديدة للإنسان مع جسده ومجتمعه، حيث يُحَوِّل الكاتب ركلة الكرة إلى صرخة حرية في وجه من يحاولون ”تكميم الأفواه وتعليب الأبدان”، موجها رسالته المدافعة عن الكرة إلى من يحرّمونها.

وهو يمزج الشغف الكروي بالسرد الأدبي، يمنح الرواية مساحة أخيرة ”للحياة في مواجهة ثقافة الموت”، ويصبح اللعب، طريقا للتهذيب واكتشاف الإمكانات الكامنة للجسد، يكتب الجويطي، ”دعونا نشم الريح بملء صدورنا، دعونا نشرع النوافذ”. 

وهكذا تغدو كرة القدم استعارة للانفتاح على الحياة، في مقابل كل أشكال الانغلاق والترويض، وحين يستحضر لغة الفقه والتاريخ، ليؤكد أن ”الأصل في الأشياء الإباحة”، فإنه لا ينخرط في سجال فقهي، بقدر ما يجعل الدفاع عن الكرة، دفاعا عن حق الإنسان في اللعب، والفرح، والحب، في مستطيل يشبه صورة مصغرة لمعركة الإنسان الدائمة من أجل حريته. 

ولا تنفصل رؤية عبد الكريم جويطي لكرة القدم، عن تجربته الشخصية. فإلى جانب كونه روائيا، خاض تجربة التسيير الرياضي، نائبا لرئيس نادي رجاء بني ملال، وبتعقب حضور كرة القدم في نصوصه تتجلى كجزء من سيرته الشخصية وتكوينه الوجداني. 

وفي مقال له بعنوان ”نداء عميق قادم من البدائية الأولى”، يعود إلى طفولته بمدينة بني ملال، حيث بدأ يتشكل وعيه، إذ لم تكن هذه الكرة يوما عنده نقيضا للمعرفة، التي يسير إليها كما يسير نحو الملعب، بل إن كلا الطريقين كانا يعدانه باكتشاف آفاق مغايرة للعالم، يقول: ”عرفت الطريق إلى الملعب البلدي، في الوقت نفسه الذي عرفت فيه الطريق إلى الكتاب القرآني، وتصارعت بداخلي، وبلا هوادة، الأبجدية والكرة”.

جيل دولوز: اللاعب مبتكرا  

إذا كان كامو قد تعلم الأخلاق في الملاعب، وغاليانو رأى في كرة القدم فنا جماليا يقاوم هيمنة السوق، ودرويش منح مارادونا حياة أخرى في القصيدة، ونجيب محفوظ قد وجد في كرة القدم شغفا رافقه منذ الطفولة، وجعل منها عبد الكريم الجويطي، سؤالا عن الانسان والحرية، فإن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز ( 1925 – 1995)، يدعونا إلى تأملها، باعتبارها مختبرا للإبداع، فاللاعب الماهر، حسب دولوز، لا يكرر الحركات، بل يبتكرها، ويخلق أسلوبا جديدا في اللعب، تماما كما يخلق الفنان أسلوبه الخاص، أو يبتكر الفيلسوف مفهوما جديدا. 

بالرغم من أن جيل دولوز لم يكتب مؤلفا مستقلا عن كرة القدم، فإن الرياضة كانت حاضرة في مشروعه الفلسفي. وفي حواراته المعروفة بـ ”الأبجدية”، مع كلير بارنت (صحفية، وتلميذة دولوز)، يتوقف عند رياضة التنس، لكنه يتجاوزها سريعا ليقدم تصورا عاما للرياضة، إذ يعتبر أن الرياضي المبدع، لا يفرض قوته على الحركة، بل يندمج في تدفقها ويبتكر داخلها إمكانات جديدة.

ويعتبر الباحثان السويديان ”جوني إريكسون” و”كالي يوناسون”، أن دولوز يفكر في الرياضة، باعتبارها مجالا لإبداع الحركة وابتكار الأسلوب، وليس فقط اختبارا للقوة أو سباقا نحو الفوز، وهو ما يذهب إليه ”ستيفان لوكليرك” (Stéfan Leclercq) في الدراسة التي أنجزها حول الموضوع تحت عنوان ”نيتشه، دولوز والرياضة”.

ويرى لوكليرك أن الرياضة، في فلسفة دولوز، ليست نشاطا جسديا فحسب، بل شكلا من أشكال التفكير، حيث يستطيع الجسد عبر الحركة المبتكرة، أن ينتج معرفة بالعالم لا تقل عمقا عن تلك التي تنتجها الفلسفة والفن. ومن هذا المنظور، تغدو كرة القدم أكثر من منافسة على الأهداف والانتصار؛ إنها، في جوهرها، فن لابتكار الحركة، ولغة يفكر بها الجسد. 

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram