عادل ايت واعزيز
لم يكن يوما الرابرز (فنانو الراب) المغاربة، منذ بداية الراب المغربي، منفصلين عن واقعهم الاجتماعي، أو منعزلين عن الأوضاع السياسية التي تحدث في البلاد، حيث يحولون كل لحظة متوترة، إلى نص موسيقي ذي لغة خاصة، هذا هو جوهر الراب، تولد كلماته من رحم غضب الشوارع، وطوابير البطالة، واحتقان الحياة اليومية، وتدهور الصحة والتعليم، ومن الشعور المتنامي لدى المواطن بالخيبة في توزيع الفرص والثروة، والقمع الرمزي والمادي الذي يثقل كاهل الشباب بالخصوص.
المايكروفون منبرا للاحتجاج
لم تكن مطالب حراك شباب جيل زد، طارئة على فن الراب، بل كانت امتدادا مباشرا لمطالب الشارع في شكلها الخام، بخطاب موسيقي مباشر، وحاد، ومشحون بأسئلة الجيل وقلقه المستمر، هذا الجيل الذي لا تختزل خصائصه فقط في ارتباطه بالثورة التكنولوجية الرقمية، أو انغماسه في عالم الانترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، بل في ذائقته الفنية والموسيقية أيضا.
لا يعني هذا أن جيل زد، يدير ظهره للأشكال الموسيقية الأخرى، أو أنه قطع صلته بالتراث الفني؛ فكثير من أفراده، يستمعون إلى الكلاسيكيات والأعمال الخالدة، ويجدون فيها قيمة جمالية وإنسانية لا يطالها الزمن. غير أن فن الراب يظل الفن الذي يعثرون فيه على ذواتهم أكثر من غيره، لا لأنه أرقى من سواه، بل لأنه يتحدث بلغة زمنهم، ويقترب من أسئلتهم اليومية، ويترجم قلقهم الاجتماعي، ويحفزهم، ويمنحهم مساحة للتعبير عن واقعهم كما يعيشونه.
غير أنه ليس كل من يلقي الكلمات على عواهنها، يمكن أن يكون “رابور”، أو يشبع رغبة شباب جيل زد الفنية، فأبناء هذا الجيل يميزون بين أعمال عابرة وبلا مضمون، وبين أعمال أخرى عميقة، تنفذ إلى سرائرهم، كما أنه لا يكتفون بالحكم على “الرابور” من خلال أعماله فحسب، بل يراقبون انسجام مواقفه مع مسيرته، بين من غيرت الشهرة موقعه من قضايا المجتمع، وبين من ظل وفيا لقناعاته رغم ما فرضته النجومية من إغراءات أو ضغوط.
لذلك حين بدأ ”بوز فلو” مسيرته، ظل وفيا للهامش الذي قدم منه -إموزار كندر- يحمله معه أينما ذهب، رغم ما حققه من شهرة وأرقام ومشاهدات، بل وسع قضايا منطقته المهمشة إلى أسئلة وطنية، وجعل من تجربته المحلية مدخلا للحديث عن اختلالات يعيشها المغرب بأكمله.
أما الفنان ”رائد”، فهو دائما متشبت برسالته الفنية، ولا توجد أي أغنية له، إلا وانتقد فيها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، موسيقيا وواقيعا، وهو الذي مضى بالكلمة إلى آخرها فدفع ثمنها في الشارع نفسه، خلال حراك جيل زد حين تم اعتقاله، كما أن الفرق بينه وبين الرابرز الآخرين أنه يسمي الأشياء بمسمياتها.
فيما ”المورفين”، الذي بدأ مساره مبكرا، قد يبدو للبعض أقل انخراطا في قضايا المجتمع، لكن المتأمل في نصوصه يلمس ذكاءه ووعيه النقدي، داخل بنية جمالية قائمة على الرمز والتلميح، والأهم أن اتساع شهرته، وصعوده إلى منصات جماهيرية، مثل مهرجان “موازين”، وظهوره عضوا في لجنة تحكيم أحد برامج الراب على القناة الثانية، لم يدفعه إلى التخلي عن هذا الخط، إذ واصل مساءلة الواقع في أعماله، وكان من بينها أغنية عبر من خلالها عن تضامنه مع حراك جيل Z.
وقد تمكن الرابور ”جنتي Jentyy”، أحد الوجوه الجديدة في الراب المغربي، وأحد أفراد جيل زد، بأسلوبه المتفرد، أن يفرض حضوره داخل المشهد، من خلال نصوص لا تتردد في مساءلة الواقع الاجتماعي، والتي تعكس حالة من الإحباط والاحتقان التي يعيشها الشباب، بلغة قاموسهم اليومي، إذ أصدر رفقة ”المورفين” أغنية «V» كرسالة تضامن صريحة مع المعتقلين، كما أصدر بشكل فردي أغنية ”Scarecrow” خص بها جيل زد، قدم فيها خطابا مشبعا بصور الاغتراب والاختناق والبحث عن المعنى.
ويبرز “دادا DADA”، كأحد الأسماء الصاعدة في مشهد الراب المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث يمزج في أعماله الفنية بين الراب الكلاسيكي واللمسات العصرية، مع أخرى فنية يستقيها من الهوية الأمازيغية، مستفيدا من نشأته بين الأحياء الشعبية، من ورزازات التي ولد فيها، إلى تالبرجت والدشيرة بمدينة أكادير حيث يقطن، وهي كلها أحياء طبعت وعيه الفني، إذ لم يُخفِ DADA، في أعماله، انحيازه لواقع هذه الأحياء، معلنا تضامنه ومساندته لحراك جيل زد في اغنية ”مغربي كاعي”.
رائد:”عيد الشباب بلا شباب”
يوم 22 غشت 2025، وقبل أقل من شهر من انطلاق احتجاجات جيل زد في المغرب، أصدر الرابور ”حمزة رائد”، أغنية ”Chabab”، بمناسبة عيد الشباب، التي حولها إلى مناسبة للنقد، فهي تعلن منذ مطلعها أن “عيد الشباب بلا شباب”، في إشارة منه إلى مفارقة الاحتفاء الرمزي بالشباب وواقعهم المعاش.
“كلشي شاب، كلشي عاف، كلشي شاف”، بهذه الكلمات، التي تشكل بنية لازمة، بصيغ متقاربة، يصور ”الرائد” جيلا كاملا استنفذ صبره وشروطه، حتى هرم وهو في أوج عمره، غير أن هؤلاء الشباب، لم يعودوا يكتفون بالمشاهدة، لوعيهم بحجم الاختلالات التي تحيط بهم.
وبأسلوب هادئ وإيقاع بطيء، يعرف به الرابور ”رائد”، يلقي كلمات بسيطة الفهم، لكنها عميقة المعنى، يرسم من خلالها صورة قاتمة عن معاناة الشباب في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بهم، وهو يتحدث عن وضع الإدارة، والبطالة، والهجرة وهشاشة التعليم، وتراجع الخدمات الصحية، والعنف.
وبكلمات مطلبية، “را الشبيبة بغات تبدع”، “را الشبيبة بغات…” تعطي الأغنية طابعا جماعيا، يغني الفنان بضمير الجمع، وبذلك يتخلى هذا الصوت عن فردانيته ليكون صدى هذا الجيل، الذي يصوره كجيل محاصر من كل الجهات، مع إضفاء توزيع لغوي بين كلمات فرنسية وأخرى من العامية المغربية.
من هنا يأتي استخدامه صورة مكثفة عن مغرب ”Double vitesse”، أي مغرب السرعتين، بين من يعيش في الرفاه ومن يعيش في الفقر، ثم يذهب في نفس السياق ليصف السرعتين، في قوله: “شي قاس السما وشي فوندا فالقاع”، ليترك السؤال حول الثروة والعدالة الاجتماعية معلقا ومفتوحا: “فينها la richesse؟”.
وهكذا تصبح الأغنية أشبه بـ”بورتريه”، لجيل يلاحقه اليأس والخذلان، بل أكثر من ذلك كان كمن يتنبأ بما سيحدث بعد شهر، مع انطلاق احتجاجات جيل زد، وذلك في جملة تقول: ”را الشبيبة عيات من جلد الذات فرمشة عين غترون”. وهو يقفل أغنيته مطالبا بالكرامة، والعدالة، والحرية، وهي نفسها الشعارات التي رفعها جيل زد أثناء خروجه إلى الشارع الذي اعتقل فيه الرابور ”رائد” مرتين، على خلفية مشاركته في حراك جيل زد.
”بوز فلو” يتماهى مع جيل زد
في خضم احتجاجات جيل زد، أصدر الرابور ”بوز فلو”، مع الرابور ”موساشي”، يوم 4 أكتوبر 2025، أغنية ”marionnette”، وهي إحدى الأعمال الفنية، التي حوكم ”بوز” بسبب كلماتها، هي ليست فقط أغنية تضامن مع جيل زد، بل يضع الفنانان نفسيهما داخل صفوف جيل زد، متماهين معه، فمنذ الكلمات الأولى يوجه “بوز”، سهام النقد نحو بنية السلطة والمؤسسات، قائلا: ”وزارات وزارات شادين كولشي من…”.
يوظف بوز صورا كاريكاتيرية عن المجالس المنتخبة، ويحولها إلى مجرد ديكور عبثي، فاقد للفاعلية والقرارات، حيث يقول: ”مجالس بالسيكَارات ولد الشعب باغي غي حقو”، مشيرا إلى أن أبناء الشعب لا يطالبون إلا بحقوقهم، لينتقل بعدها إلى تحفيز الشباب وحثهم على مواصلة نضالهم: ”صامدون صامدون aller دراري زيدو بركو”.
وحين يغني: ”هادي الثورة لي باغي الشعب طرطق الفلام إلى شكو”، فهو يراهن كغيره من الرابرز الشباب، على حراك جيل زد الذي يجسد إرادة شعبية، فالعبارة استعارة لتصاعد الاحتجاج واتساعه، كلما تمت مواجهته بالتضييق، إذ في الأدبيات السياسية كثيرا ما ترمز النار أو الشرارة إلى بداية الاحتجاجات، أو انتقالها من حالة الصمت إلى الفعل الجماعي.
ينتقل بوز للحديث عن جيل زد، الذي يصوره ضحية يؤدي كلفة تراكمات لم يكن طرفا في صناعتها، وهو ما يختصره في عبارة: “كوسطا كوسطا جينيراسيون زد كتخلص لي دارتو الـ A”، ليصوب نقده نحو مشهد قمع الاحتجاجات، التي تعكس مفارقة أخلاقية، إذ يلعن الراتب الذي يدفع صاحبه إلى حمل الهراوة في وجه مواطنين يطالبون بحقوقهم.
“ما كاين تا ثورة فكرية…”، هنا يبتعد الرابور عن اختزال المشهد فقط في العنف، حيث يعلن السطر عن غياب “الثورة الفكرية”، في إشارة إلى أن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي قبل الشارع.
يُحدث ”بوز فلو”، كسرا أسلوبيا في لازمة الأغنية، ليمنحها بعدا إنسانيا، ويخفف من حدة الخطاب السياسي عبر مخاطبة الأم، التي تخشى على ابنها وهو يحتج، وبذلك يحوّل الاحتجاج من حدث سياسي إلى تجربة إنسانية تعيشها العائلات أيضا، حيث يختلط الخوف بالأمل، ”تابعني وطني يا لميمة ماتبكيش”.
فزاعة الرابور ”جنتي”
في نفس اليوم الذي صدرت فيه أغنية ”ماريونيت”، أطلق الرابور، ابن مدينة فاس”Jntyyy”، أغنية ”Scarecrow”، والتي تعني بالعربية ”الفزاعة”، وهي الدمية التي توضع في الحقول لإخافة الطيور ومنعها من الاقتراب من المزروعات، يستخدمها الرابور استعارة للمؤسسات التي تمارس سلطة الترهيب.
”را قصدت المايك نهار الاول باش نكَول لي مكَالش التلفاز”، من بين الكلمات التي افتتح بها الأغنية، إذ يقيم فيها صراع المصداقية بين”المايكروفون”، الذي يحيل على فن الراب، وبين ”التلفاز”، الذي يحيل على الإعلام الرسمي، حيث يقدم الراب باعتباره فضاء موازيا للتعبير عن الأصوات التي لا تحظى بالتمثيل الكافي.
يشير ”جنتي” للمجال العائلي، باستحضار تعليق والدته الساخر على أعماله الفنية، وهي في نفس الوقت صوت الضمير الشعبي البريء، وسط خطاب احتجاجي غاضب، حيث يقول: ”الوليدة كلما تسمع طراك تتكولي فراني يعطيك الحلاقم”، خوفا منها على تبعات كلام ابنها.
وحسب الرابور، كلامه وتعبيره نابعان عن غيرته على وطنه: ”لدويت را الوطن مت عليه الاعتقالات بالتعميم”، ويذهب إلى إعادة تقديم صورة المحتجين، الذين لم يكونوا دعاة فوضى أو عنف، بل يطالبون فقط بحقوق اجتماعية: “ما قتلو روح، ما سفكو دماء، بغاو غير السبيطارات والتعليم”، وبذلك ينزع الشرعية عن الروايات التي تختزل الاحتجاج في الجانب الأمني.
”شي مات فطريق مليلية وشي فلبحورا يتمتع لي”، هكذا يستحضر الرابور مفارقة قاسية، بين مأساة من يخاطرون بحياتهم في الهجرة للضفة الأخرى، وبين يتمتعون بحياتهم في الشواطئ والبحار، ويتبعه بسطر يحمل مفارقة أخرى، تبرز وطنية صادقة وأخرى إدارية: ”عندنا المغرب فالدم عندكم في بطاقة التعريف”.
يمر الرابور على انتقاد الإعلام إلى جانب الأحزاب السياسية، قائلا: ”تلفنا شكون لعدو الحقيقي الأحرار ولا العدالة”، ويقصد حزبي التجمع الوطني للأحرار، وحزب العدالة والتنمية، ثم يضيف في نفس السياق أنها مجرد دمى تتحرك بالخيوط: “عقنا الأحزاب des marionnettes شكون لي خانو الامانة”.
وينتقل للحديث عن جيل زد، الذي تدور حوله الأغنية ككل، فيقول: ”جيل زد مضا من الزاج لاناض متحبسوش كي الهزة .. هادي الآخرة د الفساد جيل زد مسيح دجال”، واصفا إياهم بقوة اجتماعية يصعب احتواؤها أو إيقافها، وبعدها يقول في سطر يشكل إحدى لوازم الاغنية، ”فري كولشي فري التعبير فري الشباب نتا وانا”.
لم ينس “جنتي” أيضا في ”الفزاعة”، سؤال العدالة المجالية، إذ استحضر مناطق الأطلس، والحوز، وسكان الجبال، بوصفهم جزءا لا يتجزأ من المغرب الذي يشعر بالتهميش أو النسيان، متجاوزا قضية الاعتقالات.
”المورفين” يغني للحرية
لم تكن أغنية ”Scarecrow” الوحيدة التي أصدرها الرابر ”جنتي” في هذا الصدد، فبعد الاعتقالات المتواصلة لشباب جيل زد، إثر الاحتجاجات، أصدر بشكل مشترك مع ”المورفين”، أغنية تضامن مع حملة الاعتقالات التي طالت المحتجين، عنوانها ”V”، الذي يرمز للنصر والحرية، محاولين بناء خطاب شاعري ورمزي، فكرته المركزية تتمحور حول الحرية، رافعين شعارها منذ بداية الأغنية.
“Free l’7arfi”، هكذا تعلن الأغنية الدفاع عن حرية التعبير، وعن حق الأفراد في الكلام، دون أن تصادر أو تُحاصر من طرف من يفتقر إلى الوعي والمعرفة ”illettré”، ويؤسس ”المورفين” لخطاب لا يضع الحرية كامتياز تمنحه السلطة، كما أنها ليست فعلا مكتسبا، بل باعتبارها جزءا من الطبيعة الإنسانية، وذلك حين يقول: ”تزاديت بحقي تزاديت بقلبي نتنفس ندوي”.
”V”، تقوم على شبكة من الاستعارات منها المعاصرة، مثل “forfait illimité”، التي تأتي من مجال الاتصالات، مؤكدا أن الحرية ليست باقة أو خدمة تُستهلك بقدر محدد، بل حق غير قابل للتقنين أو التقييد، كما يستعير الرابور، حادثة اختفاء الطائرة الماليزية، ليحيل على المعارضين مجهولي المصير.
يراهن نص “المورفين” و “جنتي”، على الرمز والاحالة الثقافية، والصور الشعرية المكثفة، فـ ”جنتي”، وهو يستحضر في مقطعه “Prison invisible”، ثم “Des barreaux fl afkar”، لايحيل فقط على السجن المادي، إنما يقصد صورة السجن الذهني الذي يطوق الأفكار قبل الأجساد، وتتعزز هذه الفكرة باستحضار حركة 20 فبراير، في سنة 2011، بوصفها ذاكرة جماعية لا تزال تؤثر في علاقة الشباب بحرية التعبير والاحتجاج.
وتحضر في الاغنية تقنية التناص، مع شعارات الحركات الحقوقية، من خلال تريد كلمة “Liberté” وعبارة “Free”، إلى جانب الإحالة على تقارير المنظمات الحقوقية مثل “Amnesty”، وهي منظمة العفو الدولية. وفنيا، يعتمد الفنانان على التناوب في الإلقاء الهادئ والنبرة الحادة.
دادا: ”مغربي كاعي”
“فيلم مغربي نفس القصة، فيزا وباسبور، واكلين العصا فكل حصة، نفس الديكور نفس الديسكور”، بهذه الصورة السينمائية يفتتح الرابور المغربي، الملقب بـ “دادا”، أغنية ”مغربي كاعي”، التي أصدرها يوم 30 شتنبر 2025، في اليوم الرابع من الحراك، حيث يشبه الواقع بفيلم يعاد عرضه باستمرار، بما يعكس شعورا بالدوران داخل حلقة واحدة من الاحباطات، والخطابات الرسمية.
وتستمر مع ”دادا” حالة الشعور بالانسداد حين يقول: “كبرنا بلا مصير” و”كنتسنى النور، كنتسنى زهر يزور”، حيث يتحول الانتظار إلى حالة جماعية لشباب يبحث عن أفق يكاد لا يأتي، كما يستحضر العمل الفني بسخرية، أعطاب الخدمات العمومية: “سبيطارات خاصك manager (..) لا صحة لا تعليم”.
ينتقل ”دادا” إلى انتقاد الخطاب السياسي داخل قبة البرلمان، الذي لا ينتج حسب رأيه سوى: “كثرات البلا بلا فالبرلمان“. وبين البطالة والتهميش وغلاء المعيشة، التي تطرق إليهما يصر الرابور، على التذكير في اللازمة الموسيقية أن الوعود السياسية: “كنشوفها نيت كذوب”.
ويعزز ”دادا” انحيازه لجيل زد، خارج حدود كلماته، حيث يمتد إلى البنية البصرية والسمعية للأغنية، وهو يورد صورا ومقاطع مصورة توثق احتجاجات جيل Z وشعاراته، ولحظات من المظاهرات في الشارع، بينما تتردد في خلفية الأغنية أصوات بعض المعتقلين والمشاركين فيها.
لا تكمن أهمية هذه الأعمال الفنية فقط في دفاعها عن شباب جيل زد، بل في أنها تعيد التذكير بوظيفة الفن، الذي لم يكن منذ بداياته، مع العديد من الفلاسفة والنظريات الكبرى، مجرد وسيلة للترفيه أو الهروب من الواقع، بل أيضا في كونه وسيلة لفهمه، ومساءلته. والراب كواحد من هذه الفنون الأكثر التصاقا بالشارع وهمومه، يواصل لعب هذا الدور، أولا، بتحويله للغضب والقلق إلى كلمات وإيقاع، وثانيا، بجعله أصواتا مهمشة كثيرة تسمع، ثم في وضعه لأسئلة الحرية، والعدالة، والكرامة، في قلب النقاش العمومي.