الرئيسية

في مقهى أندلسي.. هكذا عاش مغاربة  مالقة ملحمة عبور الأسود من عين إبرة

بعيدًا عن البلاد، اتشح المغاربة بألوان قميص الفريق الوطني؛ في مالقة، لم تكن الشاشات مجرد وسيلة لنقل مباراة تُلعب في المكسيك، بل نافذة على لحظة جماعية حبست أنفاس مئات المشجعين المغاربة؛ حيث تحول المقهى إلى مدرّج حقيقي، فارتفعت أصوات المشاهدين مع كل هجمة، 120 دقيقة كاملة، وبعدها الركلات الترجيحية كانت أشبه بجبل من التوتر. هناك، لم تكن الكرة وحدها التي تُتابَع، بل كانت القلوب هي التي تُدار على إيقاع مباراة تُلعب بعيدًا، وتُعاش هنا بكل تفاصيلها.

“هوامش”| خاص- مالقة- إسبانيا 

لا شيء كان يسمح بالتوقع أو المقامرة؛ ورغم ذلك استمر المغرب في هيمنته، رغم أن جميع المنتخبات لم تعد تملك طاقة كافية؛ إذ بدأ يوم الجمعة بهدف غابرييل مارتينيلي الدرامي في الدقائق الأخيرة ضد اليابان، وهزيمة ألمانيا أمام أورلاندو جيل. فبعد ثلاثة أسابيع وسلسلة لا تنتهي من الهزائم الباهتة، يمكن اعتبار بطولة كأس العالم 2026 قد انطلقت أخيرًا.

في مالقة، الحرّ لا يسمح بشيء، ولكن المشجعين بدأوا يتوافدون على الملهى الليلي فرادى وجماعات؛ هذا المكان لم يكن حانة ولا مرقصًا، ليلة أمس، فقد تحول  إلى مدرّج مغربي مؤقت، علّقت فيه الآمال على شاشات عملاقة، وصار ملاذًا لأبناء الجالية المغربية الذين قرروا أن يعيشوا مباراة منتخبهم كما لو كانوا وسط شوارع المغرب، رغم أن بينهم وبين الوطن مضيقًا وبحرًا.

جدلية اللون والهوية 

قبل صافرة البداية، كان الجميع يتبادلون التوقعات، لكن ما إن انطلقت المباراة حتى خفتت الأحاديث، وأصبحت كل الأنظار معلقة بالشاشات، بعضهم يرتدي قميص المنتخب الوطني، وآخرون يحملون “شالات” بالأحمر والأخضر، ثم حبست الأنفاس في انتظار بشارة من الأقدام التي تجري خلف الكرة في ميكسيكو.

التعليقات العابرة تكسر حدة التوتر، والأحاديث تخفف ضغط المباراة، النقاشات التي راجت في زوايا المكان لم تقف عند حدود كرة القدم بل تجاوزتها إلى أسئلة الهوية؛ بعض المتابعين يرون أن المباراة، من زاوية ما، مواجهة أفريقية خالصة؛ فعدد من لاعبي المنتخب الهولندي ينحدرون من أصول أفريقية، وذوي بشرة سوداء، هذه الملاحظة كانت كافية للبعض لاستحضار القارة الأم قبل أي انتماء آخر. وبين مؤيد لهذا التصور ومعترض عليه، استمرت المباراة، واستمر معها الجدل.

في الدقيقة الـ 20، اعتقد الجميع أن الشباك اهتزت أخيرًا، فانفجرت المدرجات الافتراضية بالصيحات وارتفعت الأيدي في لحظة فرح خاطفة، قبل أن يتضح أن الحارس الهولندي تدخّل في اللحظة الحاسمة وأفشل الهدف المنتظر؛ حينها انقلب المشهد من احتفال صاخب إلى زفرات حسرة جماعية، وكأن الفرحة وُلدت سريعًا كي تُسحب من أصحابها في اللحظة ذاتها!

مع كل لمسة للكرة من لاعب الوسط المغربي إسماعيل الصيباري، تنفجر القاعة بالتصفيق. لم يكن الأمر مجرد تشجيع للاعب يقدم أداءً جيدًا، بل احتفاء بابن الجالية الذي يحمل، في نظر كثيرين، قصة هجرة واندماج ونجاح. نادوا باسمه أكثر مما ذكروا تفاصيل المباراة نفسها، وكأن وجوده على أرض الملعب يمنح الحاضرين هنا جرعة إضافية من الفخر.

لحظة إعلان الحكم نهاية الشوط الأول، تحولتِ الطاولات المربعةُ والمستديرة إلى استوديوهات تحليل مرتجلة؛ هنا من يلوم المدرب، وهناك من يقترح تغييرًا في التشكيلة، وآخر يراجع اللقطات على هاتفه ليؤكد صحة رأيه، أما على أرض الواقع لم تكن هناك دكة بدلاء ولا محللون محترفون، بل جمهور يصنع تحليله بعفوية، تمتزج فيها الثقة بالغضب، والخبرة بالانفعال، واليقين بالحدس؛ والرهبة بالأمل! 

أكثر المواقف إثارة لم يكن على الشاشة، بل بين الحاضرين؛ فحين سجلت هولندا هدفها الأول، قفز أحد المتفرجين فرحًا على غير المتوقع، نهض الجميع والتفتت إليه عشرات الوجوه في ثانيةٍ امتزج فيها الاستغراب بالاستياء، وكادت فرحته العابرة تكلفه كثيرًا، لولا أن الموقف انتهى سريعًا وعاد الجميع إلى متابعة المباراة، وقد استعادت الكرة احتكارها للمشهد، كان الرجل قد قامر على خسارة المغرب، ووصلته النتيجة قبل البث المتأخر في الملهى!

“ساندنا منتخبنا بكل حواسنا”

خلال 20 دقيقة الأخيرة من عمر المباراة، كان على محمد وهبي اتخاذ قرارات حاسمة؛ بعضها كان حتميًا، مثل الاستغناء عن أيوب بوعدي، لاعب الوسط الذي تدور حوله منظومة اللعب؛ وأخرى كانت غير شعبية، مثل إبقاء إبراهيم دياز على دكة البدلاء، وهو النجم الذي لم يعد محبوب الجماهير في هذه الكأس.

بدا الصيباري المنهك وحيدًا تمامًا أمام فيرجيل فان دايك، الذي صار يحتفل بكل تدخل كما لو أنه هدف حقيقي، وكان كل شيء يوحي بأن الأمور ضاعت من أيدي “أسود الأطلس” إلى أن جاءت في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، طلقة الرحمة؛ حيث تقدم عيسى ديوب إلى منطقة الخصم وارتقى برأسه ليحوّل تمريرة مثالية من شمس الدين طالبي إلى هدف في شباك أبناء الأراضي المنخفضة. 

أنس، طالب مغربي يدرس في مالقة، يرى أن المباراة كانت عظيمة وضد ندٍّ قويٍّ، وبأن المنتخب المغربي “قدم نتيجةً مشرفةً ومبهرةً”، ويضيف في مقابلته مع منصة “هوامش” في نهاية المباراة: “كجالية ساندنا منتخبنا بكل حواسنا وأعصابنا، ولكن النتيجة أبهرتنا”. 

من جهته، يقول مروان إن “مشاهدة المباراة مع الجالية المغربية كانت أمرا رائعا وحماسيًا، وقد خرجنا فخورين وسعيدين بالفوز”. مروان المنحدر من الدار البيضاء، والذي تحدث إلينا بصوت مبحوح بالفرح وتشجيع المنتخب، لا يخفي أنه متعصب للمنتخب الوطني المغربي، ويتمنى “أن يفوز بكأس العالم” رغم أن أعصابه “لم تتحمل أن تكمل مشاهدة المباراة حتى ركلات الترجيح”.

إلى ذلك، يقول ياسين، مهاجر مغربي ينحدر من الناظور ويقيم في مالقة: “المباراة كانت حماسية في الملعب، وكانت أكثر حتى في الأشواط الإضافية، ثم تحمسنا أكثر في ركلات الترجيح”، ويوضح: “شعورنا كان متوترًا؛ فعندما أضعنا ركلتي جزاء وقع في قلبي الخوف، رغم أن المنتخب قدم مباراة في المستوى؛ ولكن أملنا في الكأس كبير”.

انتهت المباراة، وخرج المغاربة رافعي الرؤوس، يعبرون عن فرحتهم من نوافذ السيارات ومن شرفات المنازل في شوارع مالقة الساخنة؛ كانت تسعون دقيقة، وشوطان إضافيان، قبل أن تكتب ركلات الترجيح الفصل الأخير، كافية بأن تشحن فرحهم بالتوتر، وكل الذي أثقل حواسهم طوال المباراة انفلت دفعة واحدة عبر أبواق السيارات، وهتافات الحماس، وأعلامٍ ترفرف احتفاءً بفوز المنتخب.

خلف الشاشة: أرقام الفيفا

انتهت المواجهة بين المغرب وهولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2026 بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، بعدما افتتح كودي خاكبو التسجيل للمنتخب الهولندي في الدقيقة الثانية والسبعين، قبل أن يخطف عيسى ديوب هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، لتمتد المباراة إلى ركلات الترجيح التي انتهت لصالح المغرب بثلاثة أهداف مقابل هدفين، مانحة إياه بطاقة العبور إلى دور الـ16. 

غير أن النتيجة النهائية لم تكن مرآة دقيقة لما جرى فوق أرضية الملعب، إذ تكشف بيانات “الاتحاد الدولي لكرة القدم” (فيفا)؛ أن المنتخب المغربي كان الطرف الأكثر حضورًا وسيطرةً، في الوقت الذي نجحت هولندا في تعويض فارق الأداء بانضباط دفاعي وفعالية هجومية أكبر.

منذ الدقائق الأولى، فرض المنتخب المغربي إيقاعه على المباراة، مستحوذًا على الكرة بنسبة بلغت 61 بالمائة، مقابل 31 بالمائة فقط لهولندا، فيما صُنفت النسبة المتبقية ضمن الاستحواذ المحايد. 

ولم يقتصر هذا التفوق على الاحتفاظ بالكرة، بل ظهر أيضًا في جودة تداولها، بعدما تبادل اللاعبون 891 تمريرة بدقة وصلت إلى 91 بالمائة، مقابل 395 تمريرة فقط للمنتخب الهولندي، بدقة لم تتجاوز 78 بالمائة، وهو فارق يعكس قدرة المغرب على التحكم في نسق اللعب وبناء الهجمات بهدوء وثقة.

وعلى الصعيد الهجومي، ظل المنتخب المغربي الأكثر مبادرة، مسددًا 11 كرة، خمس منها بين الخشبات الثلاث، في حين اكتفى المنتخب الهولندي بست تسديدات، لم تجد منها سوى اثنتين طريقهما إلى المرمى. 

كما نجح “أسود الأطلس” في اختراق الثلث الأخير من الملعب في 79 مناسبة، مقابل 45 مرة فقط لمنافسيهم، بما يعكس ضغطاً متواصلاً ورغبة دائمة في الوصول إلى مناطق الخطورة.

ولعل المؤشر الأكثر دلالة على أفضلية المغرب هو ما يعرف بـ”خيارات التمرير المتاحة”، وهو مقياس يرصد عدد المرات التي يوفر فيها اللاعب نفسه كحل لزميله المستحوذ على الكرة. 

وفي هذا الجانب، سجل المنتخب المغربي 464 خيار تمرير، مقابل 192 فقط لهولندا، أي أكثر من الضعف، وهو ما يعكس حيوية التحرك دون كرة، وتماسك المنظومة الجماعية، وسلاسة تدوير اللعب.

ورغم هذه الأفضلية الرقمية الواضحة في معظم مؤشرات الأداء، إلا أن المنتخب الهولندي نجح في إبقاء المباراة متوازنة بفضل صلابته الدفاعية وحسن استغلاله للفرص، ليؤكد اللقاء مجدداً أن السيطرة على مجريات اللعب لا تكفي وحدها لحسم النتائج، وأن الفعالية أمام المرمى تبقى العامل الحاسم في مثل هذه المواجهات الكبرى، قبل أن يبتسم الحظ للمغرب في ركلات الترجيح.

منتخب متعطش للفوز 

يبدو أن المنتخب المغربي متعطش للفوز والوصول إلى أدوار لم يبلغها أقرانه من قبل؛ وهو عطش يستبد به منذ الظهور الأول له في كأس العالم على الأراضي المكسيكية خلال نسخة 1970، في محطة تاريخية دشّنت حضور الكرة المغربية على الساحة العالمية، وتزامن ذلك مع أجواء استثنائية عاشتها المكسيك بصفتها البلد المنظّم، وكان الاهتمام الجماهيري والإعلامي بالبطولة في ذروته، ما منح تلك النسخة طابعًا احتفاليًا خاصًا، ظلّ راسخًا في الذاكرة الكروية لسنوات طويلة بصفة عامة، وبصفة خاصة للمغرب الذي مازال يخلدها في أغاني تشجيعية للمنتخب. 

وشارك المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم 7 مرات منذ أول ظهور له سنة 1970 بالمكسيك، حيث خرج من دور المجموعات بعد أداء محترم أمام منتخبات قوية. وفي نسخة 1986 بالمكسيك حقق أفضل إنجاز له آنذاك ببلوغ دور ثمن النهائي، ليصبح أول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى هذا الدور. وبعد ذلك، شارك في نسخ 1994 و1998 و2018 دون تجاوز دور المجموعات، قبل أن يحقق إنجازًا تاريخيًا في مونديال قطر 2022 بالوصول إلى الدور نصف النهائي كأول منتخب إفريقي وعربي يصل إلى هذا الدور، محتلاً المركز الرابع في البطولة بعد أداء لافت أمام منتخبات عالمية كبرى.

وقدّم المنتخب المغربي في كأس العالم 2026 مسارًا متوازنًا ومثيرًا، حيث استهل مشواره في دور المجموعات ضمن المجموعة C بتعادل ثمين أمام البرازيل (1-1)، قبل أن يحقق فوزًا مهمًا على اسكتلندا (1-0)، ثم اختتم هذا الدور بانتصار قوي على هايتي (4-2)، ليحسم تأهله في المركز الثاني دون هزيمة، وفي دور الـ32، خاض مباراة صعبة أمام هولندا انتهت بالتعادل (1-1) بعد الوقتين الأصلي والإضافي، قبل أن يحسم أسود الأطلس المواجهة بركلات الترجيح (3-2)، بفضل تألق حارسهم ياسين بونو، ليواصل بذلك رحلته في البطولة بثقة وطموح كبيرين. 

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram