الرئيسية

مرثية لجمعة بلا صلاة.. حتى لا تتكرر مأساة مليلية

من الجمعة الدامي إلى اليوم، مازالت العدالة غائبة، ويبدوا أنها لن تبرح مكانها بعدما دفنت القضية في أرشيفات الدولتين؛ وبين هذا وذاك يواصل المغرب وإسبانيا "إدارة الحدود" بمنطق أمني، وتبقى ذاكرة الضحايا آخر ما يقاوم النسيان!

سعيد المرابط 

صبيحة الـ24 يونيو 2022، بدأ مئاتُ المهاجرين وطالبي اللجوء؛ أغلبهم من السودان الجريح؛ في النزول من الجبال المحيطة بمعبر “باريو تشينو” الفاصل بين مليلية والناظور، وهناك وقع أعنف وأدمى حادث على ذلك السياج الفاصل بين أراض مغربية وأخرى تديرها إسبانيا ويعتبرها الاتحاد الأوروبي حدوده الجنوبية؛ ففي ذلك اليوم، لقي أكثر من عشرين شخصًا مصرعهم، واختفى ما يناهز سبعين آخرين دون أن يتركوا أي أثر.

الذين ماتوا، قضى معظمهم اختناقًا وسط كومة من الجثث تراكمت عند بوابة فولاذية داخل المعبر المعروف بـ”باريو تشينو”، وهو موقع تؤكد سجلات المسح العقاري والمعهد الجغرافي الإسباني أنه يقع بالكامل تحت مسؤولية الإدارة الإسبانية. 

أما آخرون، فقد توفوا بعد تعرضهم للضرب المبرح، وإجبارهم على البقاء لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة في ذلك اليوم القائظ من شهر يوليو؛ ممددين على الجانب المغربي من السياج، من دون أي رعاية طبية، حسب شهادات شهود عيان سبق وأن نشرتها “هوامش” في تحقيقات عدة. 

كما سُجلت وفيات داخل الحافلات التي خصصتها السلطات المغربية لنقل الضحايا إلى مناطق بعيدة عن شمال المغرب، دون أدنى مساعدة طبية، رغم أن معظمهم من الشباب الفارين من أتون الحرب التي تدور رحاها في السودان.

مرت أربع سنوات، ومع ذلك لم يمثل أي مسؤول من الجانبين، أمام القضاء لتقديم تفسير أو تحمل المسؤولية؛ التي كشفتها تحقيقات صحفية وتقارير حقوقية؛ أشهرها قضية الشاب أنور، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة على جانب من السياج أكد وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أنه “يقع داخل الأراضي الإسبانية”. 

أنور، الذي كان يبلغ من العمر 27 عامًا، شاب سوداني فر من لظى الحرب في السودان، شأنه شأن معظم ضحايا تلك المجزرة، لا حظ له في العدالة؛ فالضحايا ليسوا بيضا كالأوكرانيين، ولاهم منحدرون من دول تحترم حقوق الإنسان، ورغم ذلك حالف الحظ آخرين تمكنوا من البقاء؛ فحسين علي يعيش اليوم ويعمل في مدينة إشبيلية الأندلسية، بينما يقيم الحافظ ترجوك في المملكة المتحدة، حيث نشر مؤخرًا كتابًا يروي فيه مشاهداته في ذلك اليوم المأساوي.

في هيئة تحرير “هوامش”، كان النقاش حامي الوطيس؛ هل ينبغي أن نصف ما جرى بالـ”مأساة” أم بالـ”مجزرة”، أم “الجمعة الدامي”، كانت كل العبارات تصف ما جرى، دون تهويل أو تبسيط وتهوين؛ وفي النهاية، تم اعتماد الأوصاف الثلاثة، لأن ذلك اليوم كان داميًا بما تحمله الكلمة من الدم المراق، ولأنها كانت فعلا مجزرة في حق أناس مهاجرين وطالبي لجوء ولها مسؤولون مباشرون؛ المغرب وإسبانيا، ولأنها مأساة، كانت آثارها على من نجا وعلى عوائل من قضى نحبه فيها. وهي كل تلك التوصيفات لأنها أيضًا ليست حادثًا عرضيًّا ولا نتيجة لحتمية الأقدار العمياء.

ولم تقتصر المراجعات على هذه الملاحظات، بل شهدت اجتماعات التحرير نقاشًا حول استخدام عبارة “الجمعة السوداء”، خوفًا من أن تُفهم باعتبارها قدحًا في لون بشرة المهاجرين أو أن تحمل إيحاءات تمييزية، فآثرنا استبداله بتعبير يحفظ المعنى ويجنب أي التباس. 

في المملكة القشتالية، أيدت النيابة العامة الإسبانية رواية الحكومة مرة أخرى، وخلصت إلى عدم وجود أي مسؤولية قانونية تستوجب الملاحقة بشأن تلك المجزرة. وسلكت النيابة المغربية المسار ذاته، وأرشفت القضية. 

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، صديق المغرب والمهاجرين، قال دون خجل إن ما حدث كان “عملية نُفذت بشكل جيد”؛ قبل أن يعود لاحقًا ويخفف من وقع تصريحاته.

في ذلك اليوم، وثّقت كاميرات الصحافيين والمواطنين والجمعية المغربية لحقوق الإنسان- فرع الناظور، كل ما جرى؛ دخول العشرات من عناصر القوات العمومية المغربية لجلب أكثر من 400 جسد من داخل معبر تسيطر عليه إسبانيا، 400 جسد محطم لمهاجرين كانوا بلا حراك، مغطين بالدماء، ومغمى عليهم، كما وثقت ذات العدسات تعذيبهم وضربهم على الجانبين. 

يومها، كانت بداية سياسة أوروبية ستعرف لاحقًا بـ”سياسة تصدير الحدود”؛ أوروبا لا تريد المهاجرين، وتريد الحد من تدفقاتهم على مناطق عبور مثل السياج الفاصل بين مليلية والناظور، حيث لا تسود القوانين، لأن القانون الوحيد في هذه المناطق هو الحدود نفسها. 

فإذا كانت القوانين على الجانب الإسباني والأوروبي تُتجاهل أو تُنتهك أو تُفسر سياسيا بما يخدم السلطة، فإن الجانب المغربي يخضع الحدود والهجرة لمقاربة سيادية؛ تدار بعقلية أمنية؛ لتصبح في المحصلة خارج العدالة والقانون.

في إسبانيا، أدلى غراندي-مارلاسكا، وزير الداخلية، بمعلومات غير صحيحة مرتين أمام البرلمان الإسباني، وهو ما أدى إلى توجيه لوم البرلمانيين إليه، رغم أن عددًا من السياسيين اليساريين، بمن فيهم بابلو إيغليسياس، امتنعوا عن مساءلته سياسيًا.

أما في المغرب، فمنع وفد، عن مجموعة اليسار في البرلمان الأوروبي، من الدخول إلى مدينة الناظور، للتحقيق في مأساة مليلية، بل إن الهيئة الرسمية للدفاع عن حقوق الإنسان؛ كانت أكثر شيطنةً للمهاجرين من محاضر الشرطة؛ فما وصفته الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنظمات حقوقية بـ”الاستخدام المفرط للقوة” من جانب القوات العمومية المغربية، اعتبره “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” تدخلا جاء “استجابةً للخطر الذي واجهته (القوات العمومية)، وفي ظل العدد الكبير من المهاجرين الذين كانوا مسلحين بالعصي والحجارة”. 

في مقابل كل هذا، شاهد عبد السلام شقيقه وابن عمه وهما يتعرَّضان للضرب من جانب القوات المغربية. في شهادته لمنظمة العفو الدولية “أمنستي”، يقول الناجي السوداني “كانا يحاولان تسلُق الجدار، لكن السلطات كان لديها الغاز المسيل للدموع والحجارة، وقد سقطا على الجانب المغربي وكانت الشرطة تضربهما بعصي خشبية؛ ففارقا الحياة جراء تعرّضهما للضرب”. 

اليوم مرت أربع سنوات، ولم تتلق أي من أسر الضحايا تعزية من الحكومتين الإسبانية والمغربية، رغم أن قوات الأمن التابعة لهما استخدمت عنفًا مفرطًا كان سببًا مباشرًا في الوفيات التي وقعت ذلك اليوم. 

أعتقد أني أعرف تراجيديا هذه المأساة عن قرب، فقد عشتها منذ البداية وأعرف تفاصيلها حد الوجع؛ من يوم الجمعة الدامي، إلى يوم الناس هذا، أذكر ما وقع وما تلاه من محاكمات، ورفض دخول أسر الضحايا إلى المغرب، وأثر ذلك على حياة عائلات بعض المفقودين الذين مازالوا يتشبثون بأمل ظهورهم، أو على الأقل الصلاة عليهم ودفنهم بكرامة.

أعرف أنه عندما يختفي شخص عزيز، يعيش أفراد أسرته ما يسميه علماء النفس بـ”الفقدان الغامض”؛ إذ تبقى حالة من عدم اليقين بشأن مصيره؛ سواء كان زوجًا أو ابنًا أو أخًا أو صديقًا. تبقى حياة أهل مجهول المصير معلقة في حبال أملٍ ممططة لا تنتهي، فلا مجال للحداد حيث تظل الجراح مفتوحة مدى الحياة. ورغم كثرة الخطابات الرسمية التي تتغنى بحقوق الإنسان وكرامة الأفراد على جانبي الحدود، فإن الوقائع، ومنها هذه المجزرة، تكشف حجمًا هائلًا من النفاق السياسي.

وبالنظر إلى الأحداث من منظور أوسع، فإن مجزرة مليلية كانت خطوة محفوفة بالمخاطر من جانب السلطات المغربية لإظهار قدرتها أمام إسبانيا باعتبارها الحارس الفعلي للحدود الأوروبية؛ إلا أن العملية خرجت عن السيطرة، بعدما فقدت القوات المغربية التحكم في الوضع؛ ورغم ذلك، لم يتحمل أي كان المسؤولية.

لقد استخدم المغرب، قبل عام واحد فقط، في الـ17 من ماي 2021، أسلوبًا مختلفًا تمامًا عندما فتح المجال للراغبين في العبور إلى سبتة لإظهار غضبه من إسبانيا. وقد وثقت هذه الوقائع في تقارير عدة صادرة عن جهاز الاستخبارات الإسباني، ونشرتها وسائل إعلام عالمية. وعرفت تلك السياسة باسم “توظيف تدفقات الهجرة”، وهي نتيجة لسياسة أوسع تسمى “إخراج إدارة الحدود إلى أطراف خارجية”، حيث تُوكل إدارة ملفات شديدة الحساسية، مثل الهجرة، إلى دول أخرى، بما يحمله ذلك من آثار خطيرة على الحقوق الأساسية.

ولكن أحداث 24 يونيو لم تقتصر على ما ظهر في وسائل الإعلام، ففي مقابلاتي طيلة هذه السنوات مع الضحايا، وكذلك مع مصادر من الشرطة المغربية والإسبانية؛ شاركت في الأحداث؛ يؤكد هؤلاء أنهم تصرفوا من دون بروتوكولات واضحة، دون أن تحاول وزارتا الداخلية في كلا البلدين تحميلهم أي مسؤولية. 

وإلى اليوم، مازال خالد الزروالي، في منصبه، والي مدير الهجرة ومراقبة الحدود بوزارة الداخلية، والمتحدث باسم المغرب في كل سياسات الهجرة، ويطالب بمزيد من الدعم المالي واللوجستي؛ كما أن الوزير الإسباني غراندي مارلاسكا، يمتنع عن وضع بروتوكولات واضحة لعمل عناصره على تلك المعابر، في حين يواصل إنفاق ملايين اليوروهات من المال العام لتحويل أسوار مليلية الخمسة إلى منظومة مراقبة مستقبلية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، لأن الحدود، في نهاية المطاف، أصبحت أيضًا مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا.

في مقولته المشهورة، يعتبر الفيلسوف جورج سانتايانا، ما مفاده أن “من ينسى تاريخه محكوم عليه بتكراره”، رغم أن المقولة الأشهر التي تصف ما جرى بدقة أكبر هي المنسوبة لكارل ماركس: “التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ الأولى كمأساة والثانية كمهزلة”، وبهذا علينا أن نعي بأن مجزرة مليلية أصبحت جزءًا من تاريخنا المشترك، في المغرب وإسبانيا وأوروبا، ويبقى الحفاظ على ذاكرتها مسؤولية كل من يؤمن بأن الصحافة الحرة ركيزة أساسية للديمقراطية. 

وقد أنشأت مجموعة “الأبوستوليات” في مليلية نصبًا تذكاريًا رقميًا لتخليد الضحايا، بينما يواصل مكتب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الناظور، رغم كل الصعوبات، ومجموعة “بوردر ريزيستنس” لعب دور محوري في كشف حقيقة ما جرى في 24 يونيو 2022، لأن الوفاء للذاكرة هو أيضًا شكلٌ من أشكال المقاومة، على الأقل حتى لا يتكرر يوم الجمعة الدامي الذي كان أيضا مجزرةً ومأساة.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram