الرئيسية

انتخابات 2026.. من يقنع الشباب المغربي بالتصويت؟ 

قبل عدة أشهر من انتخابات 2026، إلى حدود الأسبوع الماضي، واصلت وزارة الداخلية حث المواطنين والمواطنات، وتذكيرهم بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، سواء عبر قنوات الإعلام الرسمي، أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيما تشهد الساحة الحزبية ما يشبه "الميركاتو الانتخابي"، وذلك في سياق ترحالات واستقالات سياسية لعدد من المنتخبين والقيادات بين عدد من الأحزاب، من بينها أحزاب الأغلبية الحكومية، في سباق مبكر لإعادة ترتيب المواقع وتعزيز الحظوظ قبل موعد الاقتراع. 

عادل ايت واعزيز

في سنة 1977، خاض صاحب مفهوم “الدولة”، و”العقل”، و”الايديولوجيا العربية المعاصرة”، المفكر والمؤرخ عبد الله العروي، غمار الانتخابات التشريعية في الدار البيضاء، باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، غير أنه مني بهزيمة انتخابية قاسية، وكانت تلك أول وآخر تجربة انتخابية له، بدأت وانتهت سريعا، قبل أن يعود إلى مقعد التدريس والبحث العلمي.

بعد مرور قرابة نصف قرن على تجربة عبد الله العروي، لم يختلف كثيرا المشهد السياسي خلال السبعينات، عن المشهد الحالي، إذ لم تعد تبدو الانتخابات المغربية، التي تراهن على استقطاب النخب، تغري الشباب في المشاركة السياسية، وتقديم أصواتهم لأحزاب يرونها فاقدة للجاذبية، فمغرب الأمس الذي لم يمنح أبرز نخبه وعقوله، مقعدا برلمانيا، هو نفسه مغرب اليوم، الذي يشهد فجوة بين الأجيال الجديدة والعمل الحزبي التقليدي.

“لن أصوت!”.. نمطية النخب وسؤال الحكم أبرز عوامل العزوف

الجدل حول جدوى المشاركة أو المقاطعة، لا يقتصر على التنظيمات السياسية، إذ يجد صداه أيضا لدى فئة واسعة من الشباب غير المنتمين حزبيا، والذين يتابعون الاستحقاقات الانتخابية من خارج الاصطفافات السياسية. من بينهم حمزة الفضيل، صحافي شاب يقدم بودكاست “بصيغة أخرى”، يؤكد أنه لن يشارك في انتخابات 2026.

غير أن هذا الموقف بالنسبة لحمزة “ليس استراتيجيا”، وإنما هو موقف تكتيكي يتغير بتغير المؤشرات الواقعية والظروف التي تجرى فيها الانتخابات، “لأنها، مع الأسف، ليست صراعا حول السلطة أو تدافعا حول من يحكم، بقدر ما هي صراع حول مقاعد، هي في نهاية المطاف مقاعد صورية، لأن المؤسسات التي تحكم ليست هي المؤسسات المنتخبة، وإنما المؤسسات المعينة”، يقول الفضيل  في تصريح لمنصة “هوامش”.

ويرى الفضيل أن الانتخابات ستكون مجدية لو كانت فعلا تعكس تطلعات المصوتات والمصوتين، “بمعنى أن الحزب الذي سأصوت عليه هو من ستكون له الصلاحيات التي تمكنه من تطبيق البرنامج الذي صوتت على أساسه، غير أن الحاصل في المغرب، هو أن التباري بين الأحزاب حول برامجها السياسية، التي تشكل في الأصل تعاقدا بينها وبين المصوتين، يفقد معناه، لأنه منذ البداية هناك رؤى استراتيجية جرى إعدادها من قبل ما نسميه الحزب الحاكم”.

وبالتالي، يقول المتحدث: ”لا يمكن للأحزاب الأخرى القيام بما يتعارض معها (الاستراتيجية). لذلك، من الطبيعي أن يتخلى الحزب المتصدر للانتخابات عن جزء من برنامجه، حين يضطر إلى الدخول في تحالفات تفرض عليه تعديله والدخول في توافقات لم يصوت عليها المواطنون”.

ويعتبر الفضيل أن الأحزاب تتحمل أيضا جزءا من المسؤولية عن المقاطعة. فنخبها، بحسبه، “تتصارع حول مصالحها”، ولا تعتمد على كفاءات ونخب سياسية تحمل هما وطنيا، وإنما تعتمد بالدرجة الأولى على الأعيان و”موالين الشكارة”. ولا تتحرى نزاهة مرشحيها، وبالتالي “فإن ثقتي في هؤلاء المرشحين، وثقة العديد من الشباب، تكاد تكون منعدمة، خاصة ونحن نرى أحزابا كبرى في البرلمان تضم عددا من البرلمانيين المتابعين أمام القضاء بتهم الفساد”.

ويوضح المتحدث أنه يميز بين حزب وآخر؛ “فهناك أحزاب لها تاريخ نضالي كبير، وأخرى معروفة بنزاهتها، كما توجد أحزاب ضالعة في الفساد، ويبين تاريخها أنها نفعية تبحث عن مصالحها، ولا تملك رؤية شعبية، بل إن عمل كثير منها يشوبه الكثير من الشوائب”. ويضيف: “بالنسبة لجيلي من الشباب، نعتبر أننا لا ندخل ضمن أولويات الأحزاب السياسية في المغرب. وحتى الأحزاب الوطنية التي تحمل هما وطنيا ما تزال تراهن على نخب نمطية لم يعد لديها ما تضيفه في الحياة السياسية”.

هناك شروط حتى تصبح العملية الانتخابية مقنعة بالنسبة للفضيل، وكثير من الشباب. أولها، يقول: ”أن إشراف وزارة الداخلية على الانتخابات يطرح إشكالا كبيرا، لذلك من الضروري أن تتولى الإشراف هيئة مستقلة”. وثانيها، “لا بد من رد الاعتبار للمؤسسات المنتخبة في مقابل المعينة، وهذا شرط أعتبره أساسيا”.

إضافة إلى ذلك، ”ينبغي أن يتوفر الحد الأدنى من النزاهة والكفاءة في المرشحين. فالانتخابات، إذا أريد لها أن تحتفظ بحمولتها السياسية الحقيقية، يجب ألا تقوم على مول الشكارة أو على التحالفات القبلية والعائلية والعشائرية، بل ينبغي رد الاعتبار للبعد السياسي في العملية الانتخابية” يؤكد الفضيل.

ويختم حديثه معنا: ”لكي تعود ثقتنا في الأحزاب، من الضروري تعديل القوانين الانتخابية وإعادة النظر فيها بشكل جذري، حتى تكون أكثر وضوحا، بدل الاعتماد على بدعة القاسم الانتخابي الذي أفرز برلمانا مبلقنا. كما ينبغي تحقيق فصل حقيقي بين السلطة والمال، لأن تداخلهما يعد من أبرز الجراثيم التي تنخر العمل السياسي”.

رفض الشباب للتصويت أزمة بنيوية ممتدة

حين نعاين الأرقام الصادرة مع إغلاق باب التسجيل في اللوائح الانتخابية، يوم 13 يونيو 2026، والتي تضمنت كتلة ناخبة بلغت أزيد من 16 مليونا، ندرك حجم أزمة الفاعلية، خصوصا حين نجد أن الشباب، بين 18 و24 سنة، لا يمثلون سوى %3 من المسجلين، فيما لا تتجاوز نسبة الفئة بين 25 و34 سنة %15. في المقابل، تشكل فئة من تجاوزوا 60 سنة نحو %30 من الهيئة الناخبة، وبينما يتوزع المسجلون بين %55 في الوسط الحضري، و%45 في الوسط القروي، تبلغ نسبة النساء %46 مقابل %54 للرجال.

تكشف هذه الأرقام عن انفصال بين الشباب وبين المجال السياسي المؤسساتي، ويمكن قراءة غياب الشباب عن اللوائح الانتخابية، أو الحضور فيها بنسبة هامشية مقارنة بوزنهم الديمغرافي داخل المجتمع، كمؤشر على أزمة أعمق من مجرد العزوف الانتخابي؛ أزمة تمثيل، ومعنى، وفاعلية. ذلك أن جزءا من الشباب لا يبدو أنه يرفض التصويت فحسب، بل يشكك في قدرة العملية السياسية برمتها على الاستجابة لتطلعاته أو التأثير في مساره الاجتماعي. 

هذا التباين في التوزيع العمري للهيئة الناخبة ليس وليد انتخابات 2026، بل يجد جذوره في اتجاهات كانت المندوبية السامية للتخطيط قد رصدتها قبل انتخابات 2021. فقد أظهرت آنذاك أن معدل التسجيل في اللوائح الانتخابية لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 18 و24 سنة لم يتجاوز 33.6 في المائة، مقابل 94.4 في المائة لدى من تجاوزوا 60 سنة، بما يعكس فجوة عمرية واضحة في الإقبال على التسجيل.

 كما كشفت المعطيات أن الرجال يتسجلون في اللوائح الانتخابية أكثر من النساء، وأن نسب التسجيل ترتفع تدريجيا مع التقدم في السن. وهي مؤشرات توحي بأن ضعف الحضور الانتخابي للشباب ليس ظاهرة ظرفية مرتبطة باستحقاق انتخابي بعينه، وإنما هي اتجاه بنيوي ممتد، يثير تساؤلات حول علاقة الأجيال الجديدة بالفعل الحزبي وجدوى المشاركة السياسية. 

لا يعكس العزوف الانتخابي في المغرب لامبالاة أو انسحابا من الشأن العام، بل هو في جوهره “حكم نقدي على المنظومة”، وليس رفضا للمبدأ الديمقراطي ذاته، هذا ما خلصت إليه دراسة ميدانية أجرتها جمعية “المواطنون” بمشاركة أكثر من 3000 مواطن في الجهات الإثني عشر للمملكة، نشرت في يونيو 2026.

ورغم أن %66,6 من المستجوبين يعتبرون التصويت واجبا مدنيا مهما، فإن %41,3 ممن كانوا مؤهلين للتصويت في 2021 قاطعوا الاقتراع إراديا، فيما صرح %24,1 بألا شيء سيقنعهم بالتصويت مستقبلا. وأسباب ذلك ثلاثة؛ أولها انعدام الثقة في الأحزاب بنسبة %51,9، ثم القناعة بأن التصويت لن يغير شيئا %22,1، إلى جانب غياب مرشحين يمثلون تطلعات المواطنين بنسبة %11,3، وهي ثلاثة أسباب تمثل مجتمعة %85,3 من مجموع الدوافع المعلنة.

وتبلغ أزمة الثقة ذروتها مع المستجوبين الذين يثقون في مصداقية النتائج الانتخابية، وتبلغ نسبتهم %15,3 فقط، إلى جانب %66,1 منحوا المؤسسات العمومية أدنى درجات التقييم. أما شهادة أحد المقاطعين التي أوردتها الدراسة، فتختزل هذا كله في جملة واحدة: “الانتخابات صورية، ومن بيده السلطة الحقيقية لا يمر عبر الانتخابات”.

“البازار السياسي”.. مأزق ديمقراطية صناديق الاقتراع

في مؤلَّفه ”ما هي الديموقراطية”، يرفض عالم الاجتماع الفرنسي، ألان تورين، اختزال الديمقراطية في صناديق الاقتراع، ويعتبر أن الديمقراطية المعاصرة، التي تعيش مأزقا حادا حسب رأيه، يتم تجريدها من حمولتها “التحررية”، إذ يتم حصرها في المؤسسات والانتخابات، الأمر الذي يحولها إلى ”بازار سياسي”، حسب تعبيره، يغيب فيه الفعل الاجتماعي. كما يتحول فيه المواطنون من ذوات فاعلة إلى مجرد مستهلكين للوعود، أو أرقام في معادلات إحصائية.

تورين يؤكد أن الديمقراطية الحقيقية، لا تتجلى فقط في حكم الأكثرية، الذي تفرزه الصناديق، بل في القدرة على الاعتراف بالآخر وحماية التعددية والحد من تغول السلطة ”التقنية”، التي تتخفى وراء شرعية الصندوق، لتمرير قرارات تكنوقراطية لا تعبر عن نبض الشارع.

ويوضح أن الديمقراطية بما هي ”مسطرة قانونية” أو “صناديق”، تبقى هيكلا عظميا بلا جسد، فإذا لم تستطع هذه الصناديق أن تضمن ”الحرية الايجابية”، وقدرة الشباب على التأثير الفعلي في مسار المجتمع، فإنها تبقى في نظره، رمزا تقنيا لا يغير من جوهر السلطة، يقول:”إن الفهم الإجرائي للحرية لا يكفي لتنظيم الحياة المجتمعية.. فهل بوسعنا أن نتخيل حقوقا مجتمعية مختزلة إلى مجرد الكود الإجرائي؟” 

ويتساءل في نفس السياق:”إذا لم تكن الديمقراطية إلا مجموعة من القواعد والإجراءات، فلماذا يكون على المواطنين، أن يدافعوا عنها بحماس؟ هكذا لايعود هناك من يخاطر بحياته من أجل قانون انتخابي إلا حفنة من المرشحين”.

الانتخابات:”آلية لتدوير النخب”

المقاطعة ليست فقط تعبير عن فقدان الثقة، بل هي موقف نقدي من نظام انتخابي يعيد إنتاج نفسه أكثر مما ينتج تغييرا، هذا ما تراه جماعة العدل والإحسان، ذات المرجعية الاسلامية، والتي تعتبر أن الديمقراطية الحقيقية لا تُختزل في آلية اقتراع، بل في سيادة شعبية فعلية وملزمة.

في تصريح  لمنصة “هوامش”، أكد الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان وعضو أمانتها العامة، بوبكر الونخاري، أن “هذا الشعور المتنامي لدى الشباب، لا يمكن اختزاله في أزمة ثقة في الأحزاب، بل يعكس في جوهره تراكما لتجربة سياسية جعلت الانتخابات تفقد معناها لدى فئات واسعة من المجتمع”.

ويشير الونخاري إلى أن تنامي خيار المقاطعة يرتبط بثلاثة مستويات، أولها “الخلل البنيوي في الهندسة الدستورية للسلطة، حيث أن الواقع يظهر أن مركز القرار السياسي، لا يتطابق بالكامل مع الإرادة المنبثقة عن صناديق الاقتراع، حيث تُمارَس السلطة الفعلية في مجالات استراتيجية خارج نطاق التأثير المباشر للمؤسسات المنتخبة. هذا التفاوت بين النص الدستوري والممارسة يفرغ جزءا أساسيا من العملية الانتخابية من مضمونها”.

ويضيف الونخاري: “محدودية الإطار القانوني والمؤسساتي للانتخابات، التي تُنتج في الغالب تنافسا سياسيا داخل سقف مضبوط مسبقا، يمنع تحول التغيير الانتخابي إلى تغيير حقيقي في بنية القرار. فتظل الانتخابات أقرب إلى آلية لتدوير النخب منها إلى أداة لإعادة تأسيس السلطة على أساس الإرادة الشعبية الكاملة”.

أما المستوى الثالث، فيتعلق حسب الونخاري بـ “انفصال النتائج الانتخابية عن القرار العمومي الفعلي، فحين تُفرز الانتخابات خريطة سياسية جديدة، فإن أثرها على القرار الاستراتيجي يظل محدودا، مما يعزز شعورا عاما بأن التصويت لا يفضي إلى تغيير فعلي في السياسات الكبرى”.

”البديل في تصورنا هو مشروع تغيير شامل يقوم على نقل السلطة من منطق التدبير المغلق إلى منطق السيادة الشعبية الحقيقية، بما يعني إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، لهذا ندعو إلى إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية كمصدر فعلي للسلطة، وجعل الديمقراطية مبدأ حاكما لا مجرد آلية انتخابية، مع إنهاء هيمنة القرار غير الانتخابي على السياسات العمومية، وربط ممارسة الحكم بقيمتي العدل والإحسان بما يضمن الحد من الاستبداد وترسيخ البعد القيمي في الفعل السياسي”. يقول الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان.

”حكومات مقيدة”

رغم اختلاف المرجعيات الفكرية والسياسية، يلتقي حزب النهج الديمقراطي العمالي، ذو المرجعية الماركسية، مع جماعة العدل والإحسان، في موقف مقاطعة الانتخابات، غير أنه لا ينظر إلى المقاطعة باعتبارها موقفا سلبيا أو انسحابا من السياسة، بل باعتبارها جزءا من معركة سياسية تهدف إلى فضح محدودية المسار الانتخابي القائم، والدفاع عن ضرورة التغيير الديمقراطي الحقيقي.

ويرى إبراهيم النافعي، الكاتب العام لشبيبة الحزب، أن “المؤسسات المنتخبة، سواء على المستوى المحلي أو الوطني، لا تتوفر على الصلاحيات السياسية الفعلية التي تمكنها من اتخاذ القرارات الكبرى المرتبطة بمصير البلاد”. لذلك فإن دورها بموجب الدستور يظل “محدودا داخل بنية سياسية تحتفظ فيها السلطة الفعلية بمراكز القرار الأساسية”.

واعتبر النافعي، في تصريح لمنصة “هوامش”، أن ”للانتخابات وظيفة أساسية تتمثل في إضفاء مظهر ديمقراطي على طبيعة نظام الحكم المخزني، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على جوهر توزيع السلطة، كما تساهم في تحويل غضب المواطنين، الناتج عن تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، نحو المنتخبين، بينما تبقى مراكز القرار الحقيقية بعيدة عن المساءلة الشعبية، كونها غير مُنتخبة ولا تستمد سلطتها من أي اقتراع”.

وبحسب الكاتب الوطني لشبيبة النهج، تؤدي الانتخابات بالمغرب أيضا وظيفة أخرى تتمثل في توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام عبر استقطاب فئات اجتماعية تطمح إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية من خلال الاندماج في المؤسسات القائمة. “لذلك نلاحظ أن التداول على المناصب الانتخابية لا يؤدي في الغالب إلى تغيير السياسات العمومية الكبرى المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل والسكن، رغم تعاقب الحكومات و الأغلبيات الحزبية منذ عقود”.

وتعتبر شبيبة النهج، أن نتائج الانتخابات لا تشكل العامل الحاسم في رسم السياسات العمومية، لأن الحكومات المتعاقبة “تظل، في نظرنا، مقيدة بحدود لا تسمح لها بإحداث تغييرات جوهرية في الخيارات الأساسية للدولة. كما أن التجربة أظهرت أن قوى رفعت شعار الإصلاح من داخل المؤسسات انتهت إلى التكيف مع شروط النظام القائم بدل تغييرها”، يؤكد الكاتب العام.

ولذلك تراهن السلطات، وفق ما يرى النافعي، على رفع نسب المشاركة باعتبارها مصدرا للشرعية السياسية، ولذلك فإن اتساع المقاطعة، خاصة في صفوف الشباب، يعكس أزمة ثقة في المؤسسات أكثر مما يعبر عن عزوف عن السياسة. ويوضح: “نحن نميز بين المشاركة الانتخابية والمشاركة السياسية، إذ أثبت الشباب المغربي حضوره في مختلف الاحتجاجات والحركات الاجتماعية، من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف وجرادة ونضالات الطلبة والأساتذة، وصولا إلى المبادرات الاحتجاجية التي يقودها شباب اليوم”.

ويؤكد المتحدث أن موقف النهج الديمقراطي العمالي من الانتخابات ليس موقفا مبدئيا ثابتا، بل هو موقف سياسي وتكتيكي يخضع للنقاش في كل محطة انتخابية. “من وجهة نظرنا، فإن أي انتقال ديمقراطي حقيقي يقتضي دستورا ديمقراطيا يضعه الشعب بإرادته الحرة، ويؤسس لفصل حقيقي للسلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يفتح الطريق أمام تعددية سياسية فعلية”، يقول النافعي.

الانسحاب غير مجد والملكية البرلمانية هي الحل

المقاطعة ليست الموقف الوحيد داخل العائلة اليسارية، فالحزب الاشتراكي الموحد يستعد لخوض انتخابات 2026 ضمن تحالف اليسار، ويطرح مقاربة مختلفة، تقوم على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية مع مواصلة المطالبة بإصلاحات سياسية ودستورية أعمق. 

واختار حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، إلى جانب حزب الاشتراكي الموحد، توحيد صفوفهما في إطار ”تحالف اليسار”، وذلك لطي صفحة التشتت التي طبعت محطات انتخابية سابقة، في محاولة لتعزيز حضورهما السياسي والانتخابي. وبين دعوات المشاركة، وحسابات التحالفات، وحركية الانتقالات الحزبية، يعود للواجهة سؤال جدوى المشاركة في الانتخابات.

في تصريح لمنصة “هوامش”، يقول عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، أسامة أوفريد: ”الشباب فقد ثقته في صناديق الاقتراع لأنها بالنسبة له لا تعكس إرادته وطموحاته وتطلعاته، فهو ينتظر من الانتخابات نتائج تنعكس على حياته الاجتماعية، وتستجيب لمطالبه المتمثلة في التعليم والصحة والشغل، كما أنها ردة فعل طبيعية على فساد المشهد السياسي الذي يعرفه وطننا”.

فقدان الشباب للثقة في الانتخابات، حسب أوفريد ما هو سوى ”جواب عفوي على الاستبداد القائم، وغياب مقاربة ديمقراطية حقيقية تهدف إلى بناء مغرب آخر يتسع لكل بنات وأبناء الشعب المغربي”، كما أنه أيضا “احتجاج على استمرار الاعتقال السياسي، الذي يمثل الشباب ضحيته الأولى، سواء مع معتقلي الحراك الشعبي بالريف، أو شباب جيل زد، الذين نجدد مطالبتنا بإطلاق سراحهم بدون قيد أو شرط، من أجل مستقبل بآفاق تبني وطنا ديمقراطيا”.

ويشير أوفريد إلى أن” ما يجعل الانتخابات تعرف حضورا ضعيفا للشباب، هو الاستمرار في عدم جعل التصويت بالبطاقة الوطنية بدل التسجيل في اللوائح الانتخابية، وعدم جعل العملية الانتخابية منفتحة تعتمد على تدافع البرامج الانتخابية أثناء فترة الحملة الانتخابية”.

ورغم ذلك ينتصر الحزب للمشاركة في الانتخابات، إذ أن “أول ما تعلمناه من التجارب التاريخية، هو أن الديمقراطية تبنى عبر تراكمات وصراعات طويلة فيها المد والجزر، ولا يمكن أن تبنى دفعة واحدة لأننا ننطلق من الواقع وتناقضاته، وليس من منطق مثالي يرى فقط الجانب الرومانسي والجميل، لذلك تظل بالنسبة لنا الانتخابات إحدى اللحظات التي يمكننا أن نتواصل فيها مع المواطنات والمواطنين، لنشرح لهم برنامجنا الانتخابي، وننقل الفعل السياسي إلى عمل منظم يقوم على سياسة القرب والتواصل اليومي”، يؤكد أوفريد.

ويعتبر الاشتراكي الموحد، حسب أوفريد، أن أي انسحاب من العملية الانتخابية يعني “ترك المكان فارغا للاستبداد والفساد، لإنتاج مؤسسات أكثر سلطوية وفسادا واستمرار غياب صوت معارض، ينقل صوت الشعب المغربي إلى داخل المؤسسات ويستمر في خلق أفق مشرق ونقاش سياسي مغاير يصنع وعيا مع الزمن والتراكم”.

 ويوضح المتحدث أن الانسحاب من الانتخابات يعني أيضا “ترك المجال للمال والمحسوبية والزبونية، ولمن يفهم السياسة بمنطق المصالح الذاتية والشخصية، بدل إعطاء المعنى النبيل للسياسة المبنية على قيم الوطنية والمواطنة والإنسانية، وجعل السياسة حقلا عاما لتطور الوطن والمجتمع”.

وبينما ترى جماعة العدل والإحسان أن الانتقال الديمقراطي رهين بالإرادة الشعبية، ويعتبر النهج الديمقراطي العمالي أن المشاركة الانتخابية محدودة الجدوى، يتمسك الحزب الاشتراكي الموحد بموقف إصلاحي من داخل المؤسسات، ويعتبر أسامة أوفريد أن “أول الإصلاحات التي نرى أنها كفيلة بإعادة الثقة في الانتخابات، إصلاح سياسي ودستوري يقوم على الملكية البرلمانية”.

وتقوم هذه الإصلاحات حسب أوفريد ”على فصل حقيقي للسلط، حيث البرلمان يشرّع، والحكومة تنفذ، والقضاء مستقل، لتصبح السلطة بشكل حقيقي في يد المنتخبين”، وأكد في تصريحه على ضرورة ”إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الحراكات الشعبية، ومعتقلي الرأي على رأسهم معتقلي الحراك الشعبي بالريف ومعتقلي حراك جيل زد”.

هذا، إلى جانب ”القطع مع كل أشكال الفساد والمال في الانتخابات وترشيح أناس شرفاء همهم خدمة الوطن والشعب بدل مصالحهم ذاتية، وجعل التصويت بالبطاقة الوطنية، لتكون الحملة الانتخابية فرصة لإقناع الناخبين، وحثهم على التصويت بمنطق البرامج الانتخابية والقناعات الكبرى، بدل منطق التحكم وضبط الخريطة الانتخابية بما يفقد الانتخابات بعدها الديمقراطي، وكأنها روتين يعاد كل خمس سنوات فقط”.

ويختم أوفريد حديثه ”بضرورة إشراف لجنة مستقلة على الانتخابات، بدل وزارة الداخلية، لجعلها أكثر نزاهة وديمقراطية، ولتكون بذلك هي المدخل الحقيقي لبناء مغرب آخر ممكن، مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والمساواة الفعلية”.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram