الرئيسية

“أبطال بلا مجد”.. رحلة جنود مغاربة من “حرب الرمال” إلى ركام “بين القشالي”

ما إن تنتهي صلاة العصر وتبدأ الشمس تميل إلى جهة الغروب، حتى يبدأ جنود متقاعدون وأرامل زملاء له بالتجمع على رصيف الشارع الرابط بين حي تاركة وجليز، أحد أرقى وأغلى أحياء مدينة مراكش. يعتصمون هناك يوميا خلف لافتات تحمل مطالبهم. وعلى جذع شجرة يعلقون لوحة سوداء كتب عليها الرقم 132 وهو عدد أيام اعتصامهم بين الأنقاض حين زرناهم.

سامي صبير

تعود تفاصيل قضية حي يوسف بن تاشفين إلى أكثر من ربع قرن، وتحديدا سنة 2001، عندما صدرت مذكرة ملكية استنادا إلى مرسوم سنة 1994 المتعلق بإحداث وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية. المذكرة نصت على تفويت المساكن المملوكة للوكالة إلى شاغليها، بعد موافقة اللجنة المكلفة بالبت في ملفات الشراء، باستثناء المساكن الوظيفية. 

عقد من الانتظار

وفق مراسلة اطلعت عليها منصة هوامش، موجهة إلى الملك محمد السادس سنة 2002، فقد بدأت بالفعل عملية الإحصاء والتفويت قبل أن تتوقف عند حدود حي بين القشالي لأسباب مجهولة، وبعد صدور المذكرة الملكية باشر خرائطي (طوبوغراف) قياس “المساحة الإجمالية للمساكن من كل الجهات ومن السطح إلى الطابق الأرضي، وكذا تسجيل أسمائنا”، يقول المظلّي المتقاعد أحمد أمين.

ويضيف أحمد، “الجميع كان ينتظر التميلك، ثم توقفت العملية وبدأ التقاعس، يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، إلى أن حلت سنة 2011″، في هذه السنة ستعرف القضية فصلا جديدا، بعد صدور مذكرة إطار تنص على ترحيل سكان الحي إلى منطقة العزوزية، ومنحهم بقعا أرضية مساحة كل منها 80 مترا مربعا، مع تعويض قدره 60 ألف درهم (6 ملايين سنتيم)، أو بقعه عليها طابق أرضي نصف تشطيب (Semi-finie)، أو خيار ثالث، عبارة عن شقة اقتصادية بمبلغ 250 ألف درهم (25 مليون سنتيم)، وهو العرض الذي رفضته الساكنة لعدة أسباب.

بعد جلسات حوار، انتهى الأمر في 26 فبراير 2011 إلى توقيع كل من والي جهة مراكش آنذاك، محمد مهيدية، والقائد المنتدب للحامية العسكرية بمراكش، الكولونيل ماجور محمد وادي، محضر ينص على موافقة السلطات على مقترح الساكنة بعدم ترحيلهم إلى منطقة العزوزية، والعمل بدلا من ذلك على إعادة تأهيل الحي والبحث عن حلول أخرى تراعي مصالح السكان.

فلاش باك.. من “حرب الرمال” إلى ركام “بين القشالي”

بالنسبة للبعض، تعود الحكاية إلى أكثر من نصف قرن، كما هو الحال بالنسبة لأحمد أمين، الذي أمضى أكثر من عقدين في صفوف الجيش، وشارك في حرب الرمال سنة 1974، يوم كان بعيدا عن أسرته محاصرا في منطقة المحبس وسط إطلاق نار يخطف الأرواح من حوله. 

يتذكر أحمد تفاصيل مشاركته في الحرب، وهو يخوض اليوم إلى جانب رفاق السلاح القدامى والجيران معركة أخرى، هذه المرة ليست بالرصاص الحي وإنما بالقرارات. يؤكد أن “أغلب سكان الحي من الجنود المتقاعدين الذين خدموا في الصفوف الأمامية”، ويضيف أنه بعد قضاء أزيد من 28 سنة في الخدمة العسكرية، يجد نفسه اليوم مهددا بالترحيل ضد رغبته.

يقول مجيد، أحد سكان الحي وجندي سابق، “اعتبرها عملية ترحيل قسري لأنه لم يتم احترام لا المذكرة الملكية ولا محضر 2011” وباستفهام يضيف “لماذا لم يتم تفويت المنازل لقاطنيها كما جاء في المذكرة الملكية؟”.

اليوم 134.. اعتصام بين الأنقاض

مر يومان على لقائنا مجيد دون جديد يذكر، وهذه المرة قررت الساكنة الاحتجاج بصوت عال. تلحفت لطيفة بالعلم المغربي ووضعت على صدرها وسامين، واحد من ذكرى مشاركتها في المسيرة الخضراء، وآخر من ذكرى زوجها الذي فارق الحياة قبل سنوات، وانضمت إلى باقي أهالي الحي للاحتجاج، فالعرض الذي قدم لهم هذه المرة أقل مما قدمته السلطات في الماضي، حيث يقتصر على بقعة أرضية و6 ملايين سنتيم.

يقول أمين بوزار إنه يوم صدور محضر 2011، معظم أهالي الحي أنفقوا كل ما يملكون على إصلاح المنازل لاعتقادهم بأنه سيتم تنفيذ ما نص عليه المحضر ولن تتم مطالبتهم بالرحيل، مؤكدا أنه لحدود الساعة لا أحد يعلم السبب وراء عدم تنزيل مقتضيات المحضر على أرض الواقع رغم أنه نص على عدم الترحيل وإعادة هيكلة الحي.

ومن جهته يضيف مجيد، أنه “تم تجميد المحضر لأكثر من 15 سنة، ما دفعنا إلى الاعتصام بعد رفض جميع المؤسسات الحوار معنا ومطالبتنا بإفراغ منازلنا والانتقال إلى منطقة العزوزية”.

ويؤكد أمين بوزار، أحد سكان الحي، أنه “منذ 2011 ونحن نراسل الجهات المعنية ولكن بدون جواب”، ويضيف محدثنا: “استمر الحال على ما هو عليه إلى أن جاءت سنة 2026 وبدأت عملية الترحيل وهدم منازل من وافق على الانتقال”.

لماذا الرفض؟

يوضح أمين بوزار، بأن الساكنة رفضت مقترح الترحيل والعرض المقدم سنة 2011، فكيف تقبل به اليوم بعد مرور أزيد من 15 سنة، والأكثر من ذلك، “لم يتغير العرض ولم يتم تحسينه، بل اقتصر على منح بقعة أرضية ومبلغ 60 ألف درهم (6 ملايين سنتيم)، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار مواد البناء إلى أكثر من الضعف”.

في هذا السياق يشير أحمد أمين، إلى أنهم يطلبون من السكان مغادرة منازلهم، وبعد هدمها يتم منحهم المبلغ المالي، حيث يجد السكان أنفسهم مضطرين إلى كراء منزل وانتظار أن تجهز لهم الوثائق للشروع في بناء البقع التي تفوت لهم في منطقة العزوزية، وفي انتظار ذلك يضطرون إلى إنفاق الـ60 ألف درهم قبل حتى أن تجهز الرخص والتصاميم، علما أن معظم سكان الحي يتقاضون أجرة تقاعد هزيلة، وضمنهم عائلات مركبة تضم جيلين أو ثلاثة أجيال، ويضيف “عوض أن يكون هذا حلا تحول إلى مشكل يهددهنا بالتشرد” مؤكدا أنهم لن يرحلوا وسيظلون متشبثين بمنازلهم.

وبدوره، يؤكد الشاب أمين بوزار أن مطلب الساكنة واضح وهو “تفعيل محضر 2011، ورفض قرار الترحيل”، موضحا أنه “من غير المنطقي أن تفرض على أشخاص معظمهم من كبار السن ومعطوبي الحرب، مغادرة حي يوسف بن تاشفين الواقع بقلب مدينة مراكش حيث تتوفر لهم المرافق وسهولة التنقل والولوج للخدمات الصحية ومؤسسات التعليم، بغرض تفويت الحي إلى المنعشين العقاريين مقابل أسعار تتراوح بين 10 آلاف و40 ألف درهم للمتر الواحد”، وبالمقابل يتم “ترحيل من أمضى حياته في هذا الحي منذ أن كان ما يزال مجرد خلاء، إلى منطقة بعيدة عن المدار الحضري مقابل بقعة أرضية و60 ألف درهم لبنائها”.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram