الرئيسية

بورتريه| أيوب بوعدي.. حين تنهض تيزنيت من خرائطها وتلعب الكرة بأناقة

في قلب الملعب، تموضع بوعدي كما لو أنه "السور الحسني" الذي يطوّق تيزنيت منذ أواخر القرن التاسع عشر، يقف كمدينته في مفترق الطرق بين الدفاع والهجوم، يقطع الكرات قبل أن تتحول إلى خطر، ويغلق الممرات كما تغلق أبواب المدينة الست في وجه أي اختراق. كل افتكاك نظيف أمام أقدام البرازيليين كان يعيد رسم خريطة المباراة، ويمنح زملاءه فرصة التقاط الأنفاس، كما منح السور يومًا سكان المدينة فرصة الأمان في وجه رياح السياسة والاستعمار.

هوامش

وُلد أيوب بوعدي في الثاني من أكتوبر 2007 في مدينة سنليس (Senlis)، الواقعة في إقليم الواز شمالي باريس. لكن الوطن الحقيقي لهذا اللاعب لا يقع في فرنسا، بل تعود جذوره إلى حوالي ألف كيلومتر جنوبًا، حيث منطقة سوس بالمغرب. والداه مغربيان ينحدران من مدينة تيزنيت، جنوبي المغرب، على بُعد 81 كيلومترًا من أكادير و15 كيلومترًا من ساحل المحيط الأطلسي. تيزنيت مدينة معروفة بالحلي الفضية وبأمازيغيتها الأصيلة وتاريخها العريق، وهي الأرض التي شكّلت هوية أيوب في الخفاء قبل أن يكشتفها أمام العالم.

في ليلة نيوجيرسي أمام البرازيل، بدا أن العالم يكتشف، لاعبًا اسمه أيوب بوعدي، أداء الفتى، ابن العائلة التي تنحدر من عاصمة الفضة في الجنوب المغربي، قدّم نسخة معاصرة مدهشة لما تمثّله مدينته تاريخيًا، هدوء، ودفاع، ودقّة في التفاصيل.

في قلب الملعب، تموضع بوعدي كما لو أنه “السور الحسني” الذي يطوّق تيزنيت منذ أواخر القرن التاسع عشر، يقف كمدينته في مفترق الطرق بين الدفاع والهجوم، يقطع الكرات قبل أن تتحول إلى خطر، ويغلق الممرات كما تغلق أبواب المدينة الست في وجه أي اختراق. كل افتكاك نظيف أمام أقدام البرازيليين كان يعيد رسم خريطة المباراة، ويمنح زملاءه فرصة التقاط الأنفاس، كما منح السور يومًا سكان المدينة فرصة الأمان في وجه رياح السياسة والاستعمار.

هذا التشبيه لم يأت من محض الصدفة، في أواخر القرن التاسع عشر، وُلدت تيزنيت كمدينة “محور” بامتياز، إذ تأسست سنة 1882 بأمر من السلطان المولى الحسن الأول، في سياق حرْكاته (العمليات العسكرية) بسوس، لتكون خط الدفاع الأول ضد أي توغل أوروبي من جهة الأطلس ومركزًا لمراقبة الساحل بين أيت باعمران وطرفاية. 

قرب المدينة من البحر بحوالي 15 كيلومترًا، وموقعها على الطريق التجاري البري الرابط بين الصويرة شمالًا وكلميم جنوبًا، جعلا منها محطة أساسية لعبور القوافل والبضائع بين الداخل والساحل، بما يجمع بين الوظيفة الدفاعية والعصب الاقتصادي. وبعد إحاطتها بسور ضخم، تحولت المدينة إلى قاعدة عسكرية أمامية ومركز إداري دائم يتحكم في المجال الممتد بين وادي ماسة ووادي نون، حيث تجمّع الجند والقياد والعلماء، ومنطلق الحركات المخزنية نحو القبائل والصحراء. 

بين نفوذ زاوية تازروالت من جهة، وتصاعد الخطر الاستعماري الفرنسي من جهة أخرى، لعبت تيزنيت دور “لاعب الوسط” الذي يقطع خطوط التمرير بين القوى المتنافسة، ويضمن استمرار اللعب لصالح  الدولة، دفاعًا عن السواحل والحدود، و”لاعب الهجوم” عبر تنظيم التجارة والضرائب والبعثات العسكرية، لتغدو نموذجًا حيًا لموقع استراتيجي واحد يجمع في جغرافيته منطق الدفاع والهجوم معًا.

 هكذا جسد أيوب مدينته تيزنيت حين لامست الكرة قدميه دون ضغط، ليتحوّل إلى صائغ فضة كأهل تزنيت. تمريرات قصيرة ومتوسطة، زوايا محسوبة، وقرارات تُتَّخذ بدقة تذكّر بورشات الصياغة في أسواق المدينة العتيقة، حيث لا مكان للخطأ في قطعة تستغرق ساعات من العمل لتكتمل. 

أمام البرازيل، كانت بعض تمريراته أشبه بخطوط محفورة على حُليّ فضية لا ترى فيها حركة زائدة ولا لمسة مجانية. هكذا  ظهر ابن مدينة وُلدت من أسطورة عين ماء وقرار سلطاني وسنوات من المقاومة والتجارة والحرف، وقدّم نسخة كروية مكثّفة من هذا التاريخ: لاعب يحمل هدوء تلك العين الزرقاء، صلابة الأسوار في الصراع البدني، ودقة الصائغ في صناعة الهجمة. وهكذا، من دون تقارير سياحية أو أفلام وثائقية، صارت تيزنيت حاضرة في رواية كأس العالم من خلال قدمين فقط تحملان اسم: أيوب بوعدي.

نائب العمدة الذي ورّث ابنه الطموح

قصة صعود أيوب بوعدي لا يمكن ذكرها بعيدًا عن شخصية والده، حسن بوعدي، المهاجر المغربي المنحدر من مدينة تيزنيت في سوس، الذي شقّ طريقه في فرنسا بين العمل البنكي والخدمة العامة والرياضة.

 الأب، الذي راكم تجربة مهنية كإطار في قطاع البنوك، برز أيضًا كفاعل جمعوي وشخصية عمومية في مدينة كريل شمال باريس، حيث شغل مهمة نائب عمدة مكلف بالحياة الرياضية والجمعوية، في تماس يومي مع الجمعيات والأندية وسكان الأحياء الشعبية. 

قبل أن يصبح “والد نجم صاعد”، كان حسن لاعب كرة يد، وحين استشعر موهبة ابنه، لم يدفعه مباشرة نحو كرة القدم، بل فتح أمامه أبوابًا متعددة بين الجمباز والسباحة والتنس وكرة اليد، قبل أن يستقر مساره على المستطيل الأخضر، بدءًا من نادي AFC Creil المحلي. 

داخل هذا البيت العالق بين تيزنيت وكريل، صاغ حسن بوعدي مع زوجته معادلة تربوية دقيقة تقوم على ركيزتين، الدراسة أولًا ثم الرياضة، فكان أن تقدّم أيوب دراسيًا على أقرانه، وحصل مبكرًا على البكالوريا العلمية بميزة عالية، وواصل دراسته الجامعية في الرياضيات بالتوازي مع مسيرته الاحترافية في فريق ليل الفرنسي. 

حين اشتدّ التنافس بين فرنسا والمغرب حول جنسيته الرياضية، تشير تقارير صحفية إلى أن حسن بوعدي، والد أيوب بوعدي، لعب دوراً مهماً في الحفاظ على ارتباط ابنه بجذوره المغربية خلال سنوات تكوينه في فرنسا. كما تحدثت بعض المواد الصحفية عن ارتباط العائلة بمدينة تيزنيت، قبل أن يختار اللاعب تمثيل المنتخب المغربي.

طفولة في كريل.. حيّ الهضبة وأكاديمية الملاعب

ترعرع أيوب في حيّ الهضبة (Quartier du Plateau) بمدينة كريل، إحدى المدن العمالية التي تقع شمال باريس. وفي هذا الحيّ الشعبي، بدأ يداعب الكرة في أكاديمية نادي  AFC Creil وهو في سن الخامسة. لكن اللافت أن أبويه لم يكتفيا بتسجيله في أكاديمية كرة القدم وحسب، بل أوجدا له تجربة رياضية متنوعة وغير معتادة، فجرّب الجمناز والسباحة والتنس والريشة الطائرة وكرة اليد التي كان يعشقها والده، ومن هذا التنوع اكتسب المرونة الجسدية والذكاء التكتيكي الذي يُميّزه. كان طفلًا يركض خلف المساحات لا خلف الكرة، ويُفكّر في اللعبة حين يبدو أن الآخرين يتسلّون بها.

ما يجعل قصة أيوب فريدة أنها لا تكتمل خارج الفصل الدراسي. في المدرسة الابتدائية Jean-Macé بكريل، قفز أيوب فوق مرحلة دراسية كاملة (الصف الخامس CM2) وانتهى به المطاف في إعدادية Collège des Bourgognes في شانتيي، دائمًا بتفوّق وتقدم على أقرانه بسنة كاملة. وفي عمر السادسة عشرة فقط، اجتاز امتحان البكالوريا العلمية بتقدير “حسن جداً (Très Bien) قبل عام من رفاقه. ليس هذا فحسب، بل إنه يواصل حاليًا دراسته الجامعية في تخصص الرياضيات بالتوازي مع مسيرته الاحترافية. لهذا يُلقّبه بعض الصحافيين الفرنسيين بـ”أينشتاين” ، في إشارة إلى ذلك التناغم النادر بين عبقرية الملعب وعبقرية العقل.

وفي عام 2023، وفي سن الخامسة عشرة، كتب أيوب بوعدي أغرب فصول مسيرته، فاز بـالمسابقة الوطنية للخطابة المخصصة لأكاديميات كرة القدم الفرنسية، وتسلّم جائزته في قصر الإليزيه بحضور السيدة الأولى بريجيت ماكرون. موضوع خطابه الفائز كان فلسفيًا وجدليًا: “هل النتيجة أسمى من الأسلوب؟” (العلاقة بين الوسيلة والغاية/النتيجة) . الفتى الذي يداعب الكرة في الدوري الفرنسي الممتاز وقف أمام مسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى وتحدث بعمق فلسفي، لقطة تختزل شخصيته كاملة.

الاختيار الصعب: المغرب أو فرنسا؟

خاض بوعدي 8 مباريات مع منتخب فرنسا لأقل من 16 عامًا، وسجل خلالها 3 أهداف، ثم واصل مع المنتخبات الناشئة الفرنسية صعودًا حتى قيادة منتخب أقل من 21 عامًا. كان كل شيء يشير نحو “الديوك”. غير أن في قلب أيوب شيئًا لا يُقنّن، جذور تيزنيت. قال رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، في لقاء صحفي: “أيوب مغربي جينيًا وثقافةً مائة في المائة”. وفي مشهد درامي، قبل ساعة واحدة فقط من إعلان قائمة ديدييه ديشامب لكأس العالم 2026، أُعلن رسميًا أن أيوب بوعدي اختار المنتخب المغربي. 

سنة 2018، كان أيوب طفلًا في العاشرة من عمره يجلس في المدرجات يشاهد منتخب المغرب أثناء مشاركته في كأس العالم بروسيا. وبعد ثماني سنوات، تحديدا يوم 13 يونيو 2026، كان هو نفسه يرتدي القميص الأحمر ويواجه منتخب البرازيل في بطولة كأس العالم، على أرضية ملعب MetLife بنيوجيرسي. 

خلال مشاركته الأولى هذه، سجل أعلى عدد لمسات في المباراة بـ87 لمسة، وأتم 60 من أصل 66 تمريرة بدقة 91%، مع 100% من الدقة في الثلث الأخير من وقت المباراة (16 من 16 تمريرة)، وربح 9 مواجهات ثنائية. بعد أولى مشاركاته مع المنتخب المغربي، أشاد المدرب محمد وهبي بسرعة اندماجه ومستواه الفني، معتبراً أن استدعاءه كان منسجماً مع المؤهلات التي أظهرها في مسيرته مع نادي.

أرقام ذات دلالة:

  • أصغر لاعب في تاريخ البطولات الأوروبية بمشاركته مع ليل في 5 أكتوبر 2023 أمام كلاكسفيك (16 عامًا و3 أيام)
  • أصغر لاعب في الليغ 1 في القرن 21 بمشاركته أمام بريست في 22 أكتوبر 2023 (16 عامًا و20 يومًا)
  • لعب 96 مباراة احترافية مع ليل وعمره 18 عامًا
  • ثالث أصغر لاعب أفريقي يلعب أساسيًا في كأس العالم
  • عقده مُمتدّ حتى 2029 مع ليل وسط اهتمام أرسنال وليفربول وبرشلونة

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram