هوامش
هذا المسار المتعثر للاندماج الاقتصادي للنساء تناولته ورقة بحثية حديثة صدرت في ماي 2026 للباحثين عمر إيبورك وطيب غازي عن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، مستندة إلى معطيات تحليلية للمندوبية السامية للتخطيط بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وتُبرز الدراسة كيف تتداخل المعيقات الذاتية مع هشاشة ظروف العمل، لتُنتج ما تسميه بـ”اللامساواة التراكمية” (Inégalités cumulatives). وهي عملية تتراكم آثارها عبر مختلف مراحل المسار المهني، لتدفع شريحة واسعة من النساء نحو أوضاع هشة، تنتهي في كثير من الحالات إلى تفاقم الفقر عند بلوغ سن التقاعد.
كثيرًا ما يُختزل النقاش العام حول ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل في عامل التأخر التنموي لبعض الأقاليم. غير أن الباحثين عمر إيبورك وطيب غازي يقدمان معطيات إحصائية تُعيد النظر في هذه الفرضية، من خلال اعتماد نموذج قياسي يأخذ بعين الاعتبار اختلاف الخصائص بين الأفراد والمجالات، بالاستناد إلى بيانات الإحصاء العام للسكان والسكنى.
ويقوم هذا النموذج على تفكيك العوامل المؤثرة في مشاركة النساء في سوق العمل إلى مستويين، عوامل مرتبطة بالمجال الجغرافي الذي تنتمي إليه المرأة، وأخرى مرتبطة بظروفها الشخصية والعائلية. وقد أظهرت نتائج مقياس “معامل الارتباط” داخل الفئة أن تأثير الإقليم يظل محدودًا، إذ لا يفسر سوى 5.56% من التباين في مشاركة النساء، في حين تعود النسبة الأكبر، والمقدرة بـ 94.44%، إلى الفروق الفردية داخل الإقليم نفسه، مثل مستوى التعليم والحالة الاجتماعية وعدد الأطفال.
معامل الارتباط داخل الفئة (ICC) عبارة عن مقياس إحصائي يُحدد نسبة التباين أو الاختلاف الإجمالي في احتمالية مشاركة المرأة في سوق العمل، والتي يمكن تفسيرها بالاختلافات بين الأقاليم مقارنة بالاختلافات الفردية داخل نفس الإقليم. هذا المعامل، “يستقر عند 5.56%، مما يعني أن 5.56% فقط من التباين الإجمالي في احتمالية المشاركة يُفسر بالاختلافات بين الأقاليم، بينما تعود النسبة المتبقية البالغة 94.44% إلى الاختلافات بين الأفراد داخل الأقاليم نفسها” كما يورد الباحثان إيبورك وغازي في دراستهما بشكل صريح.
ويضيف الباحثان أن المشكلة الحقيقية ذات طبيعة ثقافية واقتصادية بالأساس، وتتعلق بالزواج والأمومة. ويفسران ذلك من خلال مفهوم “الأجر الاحتياطي”؛ و هو (الحد الأدنى للأجر الذي تفضل المرأة عند عدم بلوغه البقاء في المنزل)، وعدم الخروج للعمل. وتشير الدراسة إلى أن هذا “الأجر الاحتياطي” يرتفع جداً في المغرب لأن المرأة تتحمل أعباء منزلية ثقيلة، إذ تكرس 5 ساعات يومياً للأشغال المنزلية مقابل أقل من ساعة للرجل، إضافة إلى ندرة دور الحضانة العمومية وارتفاع تكلفتها. لذلك، إذا كان الراتب المعروض في السوق لا يغطي هذه التكاليف والتضحيات، تختار المرأة عدم العمل.
وفي ظل هذا الواقع، ترتفع تكلفة الفرصة البديلة لخروج المرأة للعمل. ولهذا، يوضح الباحثان إيبورك وغازي أن فرصة المرأة المطلّقة في المشاركة في سوق الشغل تفوق نظيرتها المتزوجة بـ 2.22 مرة، مدفوعة بالضرورة الاقتصادية.
تعتبر دراسة الباحثين إيبورك وغازي أن التعليم هو المحرك الأساسي للمشاركة. ويشير الباحثان إلى أن التعليم العالي يُحدث الأثر الأكبر، إذ “يضاعف احتمالية مشاركة المرأة في سوق العمل بـ 8.3 مرات” مقارنة بامرأة بدون شهادة، معتبرين أن هذه النتيجة تؤكد “أن الاستثمار في رأس المال البشري النسائي يشكل الرافعة الأكثر إحداثاً للتحول”.
لكن هذا الاستنتاج النظري يصطدم بواقع تسميه المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها بـ “قيد الاستيعاب” (Contrainte d’absorption)، في إشارة إلى حالة الاختلال الهيكلي بين العرض المتزايد للعمل والطلب المحدود عليه، ويتمثل في عدم قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية في القطاع المهيكل لاستيعاب الكفاءات واليد العاملة المتاحة، ففي حين ترتفع احتمالية المشاركة بالتعليم، يشير الباحثان إيبورك وغازي إلى مفارقة مثيرة للانتباه، إذ تبلغ نسبة البطالة لدى الحاصلات على شهادات عليا 33.5%، مقابل 4.4% فقط لدى غير الحاصلات على شهادة.
ويعزو تقرير المندوبية السامية للتخطيط ذلك إلى أن الاقتصاد المهيكل لا ينمو بالسرعة الكافية لخلق مناصب مؤهلة قادرة على استيعاب الأفواج المتزايدة من النساء المتعلمات، موضحا أن السياسات التي تركز فقط على تحفيز “العرض” (أي تعليم النساء) دون تزامن مع سياسات لتحفيز “الطلب” (أي خلق وظائف مهيكلة من طرف الشركات)، تؤدي ببساطة إلى تكدس الخريجات في طوابير البطالة أو تحولهن نحو القطاع غير المهيكل.
لا تقتصر الأزمة على الخريجات، بل تتخذ أبعاداً أشد قسوة في العالم القروي. يلاحظ إيبورك وغازي أن معدل نشاط النساء القرويات تراجع بشكل حاد، مسجلاً انخفاضاً نسبياً بنسبة 44% بين عامي 1999 و2022، مقابل تراجع بنسبة 20% في المجال الحضري.
وحتى عندما تعمل النساء، فإنهن يتركزن في القطاع غير المهيكل بنسبة تصل إلى 71.9% من النساء النشيطات المشتغلات. وهنا يشير تقرير المندوبية السامية للتخطيط إلى تباين جوهري بين الجنسين. بينما يميل الرجال إلى “العمل المستقل” المدر للدخل، فإن 70.5% من القرويات النشيطات يتركزن في وضعيات هشة كـ “عاملات أسريات بدون أجر”. هذا الواقع، يضيف الباحثان إيبورك وغازي، “يترك الشابات القرويات في عزلة تامة، حيث أن أكثر من 60% منهن (بين 15 و29 سنة) يوجدن في وضعية «NEET» ( لا يعملن، ولا يدرسن، ولا يتلقين تكويناً).
تتجاوز خطورة هذا الإقصاء حدود الحاضر. إذ يربط تقرير المندوبية السامية للتخطيط بين هذه المسارات الهشة وبين ما يصفه بـ “اللامساواة التراكمية” (Inégalités cumulatives)، و تعني أن الفقر وضعف معاشات التقاعد الذي تعاني منه النساء في سن الشيخوخة ليس وليد اللحظة أو مجرد انقطاع مفاجئ عن العمل، بل هو نتيجة “تراكم” لسلسلة من العقبات على مدار حياتهن”. يبدأ هذا التراكم بالانقطاع عن العمل بسبب الزواج والأمومة، ويمر بالعمل في القطاع غير المهيكل أو كعاملات أسريات بدون أجر، وصولاً إلى التعرض للتمييز في الرواتب، لينتهي في سن التقاعد بحصولهن على معاشات تقل بتسع مرات (11.1%) عما يحصل عليه الرجال، فالمسارات المهنية المتقطعة، والتركز في العمل غير المؤدى عنه، تعني إقصاء هيكلياً من مراكمة حقوق التقاعد.
تحصل النساء في المتوسط على معاشات تقاعد تمثل 11.1% فقط مما يحصل عليه الرجال” وفق النتائج التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط. ويؤكد التقرير بوضوح أن هذا الفارق الهائل “ليس نتيجة انقطاع في نهاية المسار، بل هو نتيجة تراكمية لتفاوتات تنظيمية وعلى مستوى الأجر على امتداد دورة الحياة النشيطة”.ويهدد هذا الوضع الجيل الحالي من النساء بفقر مدقع في المستقبل بسبب تسارع الشيخوخة الديموغرافية، حيث ستتجاوز نسبة الإعالة للمسنين نسبة إعالة الشباب بحلول 2050.
يخلص إيبورك وغازي، مدعومين بخلاصات المندوبية السامية للتخطيط، إلى أن تجاوز هذا المأزق يتطلب تدخلاً متكاملاً يقطع مع المقاربات غير المندمجة.
ويقترح الباحثان، استنادًا إلى نموذجهما القياسي، مجموعة من الحلول الرامية إلى تعزيز مشاركة النساء في سوق الشغل، من بينها الاستثمار بشكل كبير في التعليم العالي للإناث، وتطوير خدمات عمومية لرعاية الأطفال مدعمة من الدولة، بما يساهم في تخفيف الأعباء المرتبطة بالأمومة وتكاليف العمل. كما يدعوان إلى دعم التعاونيات النسائية في الوسط القروي، باعتبارها آلية لتقليص العزلة الاقتصادية والاجتماعية وتوفير بدائل تضامنية للنساء.
ومن جهته، يشير تقرير صادر عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن فعالية هذه التدابير تظل رهينة بمدى التنسيق بين سياسات العرض، المرتبطة بالتعليم وتعزيز قابلية التشغيل، وسياسات الطلب، التي تشمل تحفيز المقاولات وتقليص كلفة التوظيف، وذلك من أجل تجاوز حالة الجمود التي يعرفها سوق الشغل.
ويرى الباحثان إيبورك وغازي أن الإدماج الاقتصادي للنساء لا يُعدّ مجرد قضية عدالة اجتماعية، بل يمثل شرطًا هيكليًا لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة في المغرب. ويحذّران من أن استمرار ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل يكلّف الاقتصاد الوطني خسائر ماكرو-اقتصادية تُقدَّر بنحو 2.2% من الناتج الداخلي الخام سنويًا.