هوامش
تسعةُ أيام فقط، هذا هو الوقت الذي أتيح للسلطات المغربية لتطبيق قرار حكومي استثنائي يهدف إلى ضبط أسواق بيع أضاحي العيد، وردع المضاربين، وكبح الأسعار، في فضاءات تقرّ التقارير الرسمية، بأنها تعاني من “غياب معايير لتوزيع الفضاءات” و”نقص في ضبط المعطيات والإحصائيات”.
الإشكال لا يبدأ من اليوم الأول للتنفيذ، بل من اليوم الذي سبق صدور القرار؛ إذ نُشر قرار رئيس الحكومة في الجريدة الرسمية يوم 20 ماي 2026 متضمّناً عبارة “وبعد استشارة مجلس المنافسة”، في حين أن هذا المجلس لم يُصدر رأيه الاستشاري إلا في اليوم التالي، يوم 21 ماي.
من البلاغ الصحفي إلى القرار الرسمي ثم الرأي الاستشاري: تسلسل زمني مرتبك
بدأ مسار الإجراءات التي أعلنتها الحكومة عبر بلاغ صحفي صدر بتاريخ 18 ماي 2026، إذ أن رئيس الحكومة “أصدر قراراً يقضي بإقرار تدابير مؤقتة تروم تنظيم عمليات تسويق وبيع أضاحي العيد”. هذا القرار، بحسب البلاغ، يروم صون القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، وضمان السير العادي والشفاف للأسواق، وتجنب الرفع غير المبرر لأسعار الأضاحي، فضلاً عن الحد من كافة أشكال المضاربة والاحتكار والممارسات غير المشروعة.
نفس البلاغ أشار إلى أن هذا القرار يأتي “بعد استشارة مجلس المنافسة، وذلك بهدف التصدي لكافة الممارسات التي من شأنها المساس بقواعد المنافسة المشروعة أو الإخلال بالتوازن الطبيعي للأسوق”، في المقابل، قرار مجلس المنافسة المشار إليه في البلاغ الحكومي، لم يصدر إلا يوم 21 ماي 2026، مشيرا في ديباجته، إلى أن “المجلس توصل بطلب من رئيس الحكومة يوم 19 ماي 2026″، وأنه “بناء على اجتماع هيئة مجلس المنافسة بتاريخ 4 ذو الحجة 1447 الموافق ليوم 21 ماي 2026″، لذلك قرر المجلس قبول الطلب ووافق على اتخاذ الحكومة لتدابير مؤقتة قصد تنظيم الأسواق المخصصة لبيع أضاحي العيد.
المثير للانتباه أن قرار رئيس الحكومة (رقم 3.26.26) صدر ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 ماي 2026، أي يوما قبل صدور ونشر الرأي الاستشاري لمجلس المنافسة، ورغم ذلك تضمنته ديباجته عبارة “وبعد استشارة مجلس المنافسة“، وقد حدد هذا النص القانوني فترة سريان هذه التدابير الاستثنائية من تاريخ نشر القرار إلى غاية 29 ماي 2026، مما يحصر الحيز الزمني المتاح للتنفيذ الميداني في تسعة أيام فقط، بينما تمتد الفترة المحددة من قبل مجلس المنافسة إلى غاية 3 يونيو 2026.
السند القانوني لتدخل الإدارة
استند قرار رئيس الحكومة إلى إطار قانوني يمنح السلطات صلاحية التدخل لضبط الأسواق في الظروف الاستثنائية. وقد ارتكز القرار على القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، وتحديداً المادة 110 منه، التي تمنح عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه صلاحية الإغلاق المؤقت لنقاط البيع وحجز الأضاحي في حالة مخالفة المقتضيات.
كما استند القرار إلى القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، من خلال تفعيل المواد 4، و6، و75، و76. فأحال على المادة 4 التي تتيح للإدارة، بعد استشارة مجلس المنافسة، اتخاذ تدابير مؤقتة (لا تزيد مدتها عن ستة أشهر) ضد الارتفاع الفاحش في الأسعار المبرر بظروف استثنائية أو وضعية غير عادية في السوق، ولتبرير منع شراء الأضاحي داخل الأسواق بهدف إعادة بيعها، تم الاستناد إلى المادة 6 التي تحظر الأعمال المدبرة أو التحالفات الصريحة أو الضمنية التي تهدف إلى عرقلة تكوين الأسعار عن طريق الآليات الحرة للسوق بافتعال ارتفاعها أو انخفاضها.
كما نص القرار على اتخاذ إجراءات زجرية تستند إلى المادة 75، التي تعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة من 10.000 إلى 500.000 درهم، أو بإحداهما، لكل شخص ذاتي شارك على سبيل التدليس أو عن علم في الممارسات المحظورة في المادة 6. كما تستند إلى المادة 76 التي ترفع العقوبة الحبسية من شهرين إلى سنتين، مع نفس الغرامة المذكورة، لكل من افتعل أو حاول افتعال رفع أو تخفيض سعر السلع.
بين صرامة النص القانوني وعشوائية “الرحبة”
يطرح التنزيل الفعلي للقرار الحكومي تحديات قانونية وعملية كبرى، خاصة فيما يتعلق بمدى قابلية تطبيق مقتضيات “قانون حرية الأسعار والمنافسة” على بيئة تقليدية وعشوائية كـ”رحبة” الأغنام. وتبرز “معضلة الإثبات” كأكبر عائق أمام السلطات لترجمة هذه النصوص إلى واقع ملموس.
ينص القرار صراحة على منع “شراء أضاحي العيد بهدف إعادة بيعها” داخل السوق، وهو ما يتقاطع مع المادة 6 من القانون 104.12 التي تحظر الممارسات التي تهدف إلى افتعال رفع الأسعار. لكن الإشكال الجوهري يكمن في كيفية إثبات “النية”، في فضاء تغيب فيه الفواتير والسجلات التجارية. فالمادة 58 من نفس القانون تُلزم “البائع بمجرد إنجاز البيع أو تقديم الخدمة بتسليم الفاتورة” لضمان شفافية المعاملات بين المهنيين. وفي غياب هذا التوثيق الورقي، كيف سيتمكن مراقبو الأسواق من التمييز بين مواطن يقتني عدة أضاحي لعائلته الممتدة، وبين “شناق” يقتنيها بنية إعادة البيع والمضاربة؟
ولإثبات المخالفات وتوقيع العقوبات القاسية (كالحبس والغرامات)، يشترط القانون 104.12 مسطرة دقيقة. إذ تنص المادة 68 على أن الأبحاث وتحرير المحاضر يجب أن تُنجز من طرف “مقررين وباحثين تابعين لمجلس المنافسة والموظفون بالإدارة المؤهلون خصيصا لهذا الغرض وأعوان هيئة مراقبي الأسعار”، والذين “يجب أن يكونوا محلفين وأن يحملوا بطاقة مهنية”. كما تُلزم المادة 69 هؤلاء الباحثين برفع محاضر وتقارير بحث للجهات المختصة. لهذا، فإن تطبيق هذه الآلية التحقيقية المعقدة يتطلب وقتاً وموارد بشرية هائلة، وهو ما يتناقض مع الحيز الزمني الضيق للقرار (9 أيام فقط)، ومع الطبيعة المكتظة والمفتوحة لأسواق العيد.
كما يُلزم القرار البائعين بـ “التصريح المسبق لدى السلطات الإدارية المحلية بهويتهم، وعدد الأضاحي المعروضة للبيع وكذا مصدرها، قبل ولوج الأسواق”. تطبيق هذا المقتضى يفترض وجود أسواق مهيكلة ذات بوابات محددة ونظام معلوماتي. غير أن التشخيص الرسمي يناقض هذا الافتراض.
يشير “دليل تدبير الأسواق“، الصادر عن المديرية العامة للجماعات المحلية إلى اختلالات هيكلية، خلصت إليها بناء على “دراسة حول إعادة هيكلة الأسواق الأسبوعية واحترافية تدبيرها”. الدليل يعترف صراحة بوجود “نقص في معرفة وضبط المعطيات والإحصائيات المتعلقة بتدفقات السوق”. وفي نفس السياق، يؤكد رأي استشاري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول “الأسواق الأسبوعية بالوسط القروي”، أن هذه الأسواق (وهي المزود الرئيسي بالأضاحي) تعاني من عجز هيكلي يتجلى في “تقادم البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية”، و”غياب معايير لتوزيع الفضاءات داخل السوق”، مما يجعل من عملية فرز البائعين وإحصاء أضاحيهم عند المداخل مهمة شبه مستحيلة لوجستياً وإدارياً.
على مدى الأيام الأربعة الماضية، نزل ممثلو السلطات إلى الأسواق المخصصة للأضاحي، نقلت الكاميرات مشاهد لعمال أقاليم ورجال سلطة يتفقدون الأسواق من أجل طمأنة المواطنين، وفي المقابل تظهر مقاطع المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي أن الأسعار لم تتأثر بإجراءات الحكومة و”وعيدها”، ولا بالجولات التفقدية، بل يكاد يجمع كل من تحدث إلى وسائل الإعلام والمدونين أن الأسعار بدأت تكسر حواجز غير مسبوقة في السنوات الماضية.
الوضع الذي يعيشه المواطن الآن باختصار يخلص في ثلاثة قرارات من ثلاث جهات، في تسعة أيام، لسوق لا يُحصى باعتُه ولا تُوثَّق معاملاته، يكشف ضعف تدخل الدولة في هذه الأسواق على مدى عقود، وحضورها الموسمي بالصورة لا بالبنية.