الرئيسية

المسكوت عنه في تنظيم النسل.. النساء يتحملن الكلفة وحدهن

"قضيت الأشهر الأولى من زواجي أتنقل بين العيادات والصيدليات بحثا عن حبوب تناسبني، لكنني لم أستقر على حل مريح"، تقول صباح (27 سنة)، التي بدأت رحلتها مع حبوب منع الحمل، مباشرة بعد زواجها قبل ست سنوات. وتوضح صباح أنها في البداية استخدمت حبوبا وصفتها لها طبيبتها، لكنها عانت معها من التوتر وسرعة الانفعال وتقلبات المزاج خلال فترات متقطعة. لاحقا، قررت استشارة طبيب آخر، فوصف لها نوعا مختلفا من الحبوب.

إكرام اقدار 

“لم تكن هذه المرة أفضل من سابقتها”، تضيف صباح، مشيرة إلى أن النوع الجديد تسبب لها في زيادة ملحوظة في الوزن، إلى جانب إرهاق دائم وانخفاض في الطاقة انعكسا تدريجيا على حياتها اليومية. 

ولم تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ تقول إن التجربة أثرت أيضا على حياتها الخاصة من خلال انخفاض في الرغبة الجنسية، ما جعل التكيف مع وسائل منع الحمل أكثر صعوبة بالنسبة لها.

بعد إنجاب طفلتها، قررت صباح عدم تكرار تجربة الحمل مجددا، لكنها وجدت نفسها أمام معادلة معقدة: هل تستمر في استخدام الحبوب رغم آثارها الجانبية، أم تبحث عن وسيلة أخرى، قد لا تكون مضمونة.

عندما يطرح سؤال تنظيم النسل، يتوقع سلفا أن يذهب النقاش نحو رحلة النساء في البحث عن الوسيلة المناسبة، ومعاناتهن مع مختلف الآثار الجانبية، أو قصص الحمل غير المرغوب فيه بسبب نسيان موعد الحبة اليومية أو استخدامها بشكل خاطئ. 

تبدو هذه التفاصيل مألوفة إلى درجة أنها أصبحت جزءا من الخطاب المتداول حول الصحة الإنجابية. لكن خلف هذه القصص الفردية تختبئ مفارقة أكبر، غالبا ما تغيب عن النقاش العام؛ وهي  إلقاء مسؤولية تنظيم النسل بشكل حصري على النساء.

هذه المفارقة ليست معطى جديدا، بل هي امتداد لتاريخ طويل، خاضت فيه النساء، ولا يزلن معارك مرتبطة بالتحكم في الحمل والخصوبة، غالبا على حساب صحتهن الجسدية والنفسية. فمن الحبوب الهرمونية إلى اللولب والشرائح، أو الحقن طويلة المفعول، تمحورت معظم الابتكارات الطبية في مجال منع الحمل حول أجساد النساء، بل تم صنعها ليتم توجيهها للنساء بالضرورة، وفي المقابل ظلت الخيارات المتاحة للرجال محدودة للغاية، رغم مرور أكثر من ستة عقود على ما يعرف بـ “ثورة وسائل منع الحمل”.  

في كثير من المجتمعات، بما فيها بلدان شمال أفريقيا، لا تناقش هذه المفارقة كثيرا. إذ إن تنظيم النسل يقدم غالبا باعتباره جزءا من مسؤوليات النساء داخل العلاقة الزوجية، إلى درجة تتحول فيها أجسادهن إلى “خط الدفاع الأول ضد الحمل غير المرغوب فيه”. وبينما استمرت النساء في استخدام وسائل هرمونية قد تخلف آثارا جسدية ونفسية متفاوتة، تعثرت محاولات تطوير بدائل فعالة للرجال مرارا، بدعوى المخاوف المرتبطة بالآثار الجانبية. 

في السياق المغربي، أوردت المندوبية السامية للتخطيط في تقرير حديث، حول نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025، أن 66% من النساء  المتزوجات يستخدمن هذه الوسائل، موضحة أن أكثر من ثماني حالات من أصل عشرة (85.7%)، يتم فيها اتخاذ القرار بشكل مشترك بين الزوجين، بغض النظر عن البنية العائلية أو وسط الإقامة. 

وأضافت المندوبية في ذات التقرير أن القرار المتخذ من طرف المرأة بمفردها، يظل محدودا نسبيا (13%)، في حين يبقى القرار الصادر عن الزوج وحده أو عن أفراد آخرين من العائلة هامشيا.

لكن، ورغم هذا الطابع “المشترك” الذي تعكسه الأرقام، يرى رشيد البيض، باحث في علم الاجتماع، أن مسؤولية تنظيم النسل تاريخيا، لم تقع على كاهل النساء بالصدفة، بل جاءت بل نتيجة “لبناء اجتماعي وثقافي طويل الأمد”. ويوضح أن المجتمعات التقليدية ربطت النساء تاريخيا بالوظيفة الإنجابية بالدرجة الأولى، إلى حد أن جسد المرأة كان يُنظر إليه في كثير من الأحيان باعتباره ملكية جماعية يتقاسمها الزوج والعائلة والقبيلة.

ويضيف الباحث أن هذا التصور ظل حاضرا حتى داخل العلاقات الزوجية، حيث ارتبط عدم الإنجاب بالنساء، بينما بقي الرجل “بعيداً عن دائرة الشك”، وفق تعبيره. وحتى بعد ظهور وسائل منع الحمل الحديثة، “استمرت الفكرة نفسها بأشكال مختلفة، إذ بني جزء كبير من الخطاب المرتبط بتنظيم النسل على نفس التصور الذي يختزل المرأة في الدور الإنجابي”.

لفهم أبعاد الموضوع، لا يكفي النظر إلى وسائل منع الحمل كأدوات طبية فحسب، بل يجب العودة إلى تاريخ ظهورها، وكيف تطورت، ثم إلى الأبعاد الاجتماعية الذي جعلت مسؤولية تنظيم النساء ترتبط بالنساء أكثر من الرجال.

كيف بدأت وسائل منع الحمل؟ 

تنظيم النسل ليس فكرة حديثة، بل ممارسة رافقت المجتمعات البشرية منذ قرون طويلة، حتى وإن اختلفت الوسائل والمعارف الطبية المرتبطة بها. فقد استخدمت مجتمعات قديمة وسائل بدائية لمنع الحمل، مثل العزل وبعض الحواجز التقليدية، كما استُخدمت أعشاب ووصفات شعبية في حضارات مختلفة، من مصر القديمة إلى اليونان وروما، بهدف الحد من الخصوبة أو تأخير الحمل.

في عام 1960، وافقت  إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أول حبوب منع حمل هرمونية، بعد أبحاث قادها علماء مثل غريغوري  بينكوس وجون روك. وخلال سنوات قليلة فقط، استخدمت ملايين النساء في الولايات المتحدة هذه الحبوب، قبل أن تنتشر تدريجيا في بقية أنحاء العالم.

وعليه، اعتبرت حبوب منع الحمل واحدة من أكثر الابتكارات الطبية تأثيرا في القرن العشرين حسب منظمة الصحة العالمية، لأنها منحت النساء لأول مرة قدرة أكبر على التحكم في الحمل، وهو ما انعكس على التعليم والعمل والحياة الاجتماعية، وارتبط لاحقا بتحولات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية أوسع تتعلق بأدوار النساء داخل المجتمع.

ومع مرور الوقت، ظهرت وسائل أخرى مثل اللولب الرحمي، والشرائح الهرمونية، والحُقن طويلة المفعول، الشيء الذي وسع خيارات منع الحمل بشكل غير مسبوق، إلا أن هذا التوسع في الخيارات لم يكن دائما متوازنا بين الجنسين.

عندما يتحول التحكم في الإنجاب إلى عبء جسدي ونفسي

مريم (اسم مستعار)، 25 سنة، تقول إنها اتفقت مع زوجها قبل الزواج على عدم استخدام حبوب منع الحمل، والاعتماد بدل ذلك على مراقبة الدورة الشهرية (Cycle Tracking) لتجنب أيام الإباضة.
“في البداية كانت الطريقة ناجحة، وكنت أعتقد أنها كافية”، تقول مريم، “لكنني حملت بعد مدة، رغم أنني لم أخطط لذلك”.

بعد إنجاب طفلها، شعرت مريم أن الاعتماد على تتبع الدورة الشهرية لم يعد خيارا مطمئنا بالنسبة لها، لاسيما مع الخوف من تكرار تجربة الحمل غير المخطط له، ما دفعها إلى استخدام حبوب منع الحمل لأول مرة.

لكن التجربة، بحسب قولها، لم تكن سهلة، “بدأت أحس بتوتر وقلق مستمرين، مع إرهاق جسدي وآلام في الظهر”، تقول مريم، موضحة أنها لم تكن تتوقع أن تؤثر الحبوب على حالتها النفسية والجسدية بهذا الشكل.

وتضيف أن أكثر ما كان يزعجها هو شعورها بأنها انتقلت من قلق الحمل غير المخطط له، إلى قلق آخر مرتبط بالآثار الجانبية للوسيلة نفسها، “كأن كل حل يأتي معه نوع جديد من التعب”.

 رغم أن وسائل منع الحمل الحديثة منحت النساء قدرة أكبر على التخطيط للحمل، إلا أن هذا التحكم لم يكن دائما بلا ثمن. إذ أن معظم الوسائل الهرمونية تعمل عبر التأثير على التوازن الطبيعي للهرمونات داخل الجسم، وهو ما قد يرافقه لدى بعض النساء طيف واسع من الآثار الجانبية، تتراوح بين الصداع وتقلبات المزاج واضطرابات الدورة الشهرية، وصولا إلى الآثار المرتبطة بالصحة النفسية، والالتهابات المزمنة، وهي الأكثر تعقيدا.

في هذا السياق، يوضح يوسف بنجلون، طبيب مختص في أمراض النساء والتوليد، أن الآثار الجانبية لحبوب منع الحمل تختلف من امرأة إلى أخرى، لكنها تبقى مرتبطة أساساً بالتغيرات الهرمونية التي تحدث داخل الجسم. موضحا أن أكثر الأعراض شيوعاً تشمل “التوتر وتقلبات المزاج، الصداع، احتباس السوائل، الشعور بالإرهاق، وتغيرات في الرغبة الجنسية، إضافة إلى احتمال حدوث زيادة طفيفة في الوزن لدى بعض النساء”.

ويشير بنجلون إلى أن بعض المضاعفات الأكثر خطورة، وإن كانت أقل شيوعا، “قد تشمل اضطرابات في تخثر الدم مثل الجلطات أو الانصمام الرئوي، خاصة لدى النساء اللواتي تتوفر لديهن عوامل خطر مثل التدخين أو السمنة أو ارتفاع ضغط الدم”.

تشير دراسة حديثة، قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، إلى أن حبوب منع الحمل الهرمونية قد تؤثر على طريقة استجابة النساء للتوتر نفسيا وبيولوجيا. 

الدراسة التي نشرت، سنة 2024، في مجلة Brain, Behavior, and Immunity قارنت بين نساء يستخدمن موانع حمل هرمونية وأخريات لا يستخدمنها، عبر تعريض المشاركات لاختبارات نفسية ضاغطة مع قياس مؤشرات الاستجابة للتوتر في أجسادهن، وخطر إصابتهن بالأمراض المرتبطة بالالتهابات.

واعتمد الباحثون على عينة تضم نحو 130 امرأة، بينهن 60 يستخدمن حبوب منع الحمل الحمل الهرمونية و 67 لا يستخدمنها، وخضعت المشاركات لاختبار نفسي ضاغط تضمن إلقاء خطاب أمام باحث لا يظهر أي تفاعل عاطفي، إضافة إلى اختبار حساب ذهني تحت الضغط، قبل  أن تؤخذ منهن عينات لعابية لقياس مؤشرات الاستجابة للتوتر.

وأظهرت النتائج أن النساء اللواتي يستخدمن الحبوب سجلن مستويات أعلى من بعض المؤشرات الالتهابية المرتبطة بالتوتر، كما أبلغن عن استجابة نفسية أكثر سلبية مقارنة بغير المستخدمات لها. كما لاحظ الباحثون أن ارتفاع هرمون الكورتيزول لدى مستخدمات الحبوب ترافق مع تدهور أكبر في المزاج، ما قد يشير إلى أن بعض الوسائل الهرمونية تؤثر في قدرة الجسم على العودة إلى حالته الطبيعية بعد التوتر.

ورغم أن الدراسة لا تدعو إلى التوقف عن استخدام وسائل منع الحمل الهرمونية، إلا أنها تسلط الضوء على نقطة كثيرا ما تظل هامشية في النقاش العام؛ وهي الآثار النفسية والبيولوجية لهذه الوسائل والتي تحتاج إلى فهم أعمق، خاصة وأن أكثر من 300 مليون امرأة حول العالم يستخدمها.

أما بخصوص التأثيرات طويلة المدى، يوضح بنجلون أن النقاش العلمي ما يزال مفتوحا حول العلاقة بين بعض وسائل منع الحمل الهرمونية وأنواع معينة من السرطان، خصوصا سرطان الثدي وعنق الرحم، مضيفاً أن “المعطيات الحالية تشير إلى أن الخطر المطلق يبقى منخفضا لدى النساء الأصغر سنا، كما يتراجع تدريجيا بعد التوقف عن استخدام الحبوب”.

في المقابل، يلفت المتحدث إلى أن دراسات أخرى أثبتت وجود آثار وقائية مهمة لبعض وسائل منع الحمل، خاصة في ما يتعلق بسرطان المبيض وسرطان بطانة الرحم، وهو ما يجعل تقييم هذه الوسائل مسألة توازن بين المخاطر والفوائد وليست حكماً واحداً ثابتاً.

كما يشير بنجلون إلى أن عددا من الجوانب الأخرى لا يزال قيد البحث، لاسيما ما يتعلق بالصحة النفسية والالتهابات المزمنة وتأثير الهرمونات على التوازن العصبي والجنسي لدى بعض النساء، مضيفا: “هناك نساء يتعايشن بشكل جيد مع الحبوب، فيما تعاني أخريات من آثار جسدية أو نفسية تجعل الاستمرار فيها أمراً صعبا”.

لماذا تعثرت موانع الحمل الخاصة بالرجال؟

رغم التطور الكبير الذي عرفته وسائل منع الحمل الخاصة بالنساء، ما تزال الخيارات المتاحة للرجال محدودة بشكل لافت، إذ تقتصر أساسا على الواقي الذكري أو التعقيم الجراحي الدائم.

ومنذ عقود يحاول باحثون تطوير وسائل منع حمل ذكورية، سواء عبر تقنيات هرمونية أو غير هرمونية، إلا أن كثيرا من هذه الأبحاث تتعثر في مراحل مختلفة بسبب المخاوف المرتبطة بالآثار الجانبية.

هنا تظهر مفارقة أكثر تعقيدا، وهي طريقة التعامل مع الآثار النفسية نفسها حين تظهر في تجارب تجرى على الرجال.

من بين أكثر التجارب التي أعادت فتح النقاش حول غياب وسائل منع الحمل المخصصة للرجال، دراسة أشرفت عليها منظمة الصحة العالمية، اختبرت حقنا هرمونية موجهة للرجال بهدف خفض عدد الحيوانات المنوية ومنع الحمل.

شملت التجربة 320 رجلا من مختلف الدول، تلقوا حقنة كل ثمانية أسابيع تحتوي على هرمونين يؤثران على إنتاج الحيوانات المنوية. وأظهرت النتائج الأولية فعالية مرتفعة، إذ بلغت نسبة نجاح هذه الوسيلة نحو 96% في منع الحمل لدى شريكات المشاركين. 

لكن الدراسة، التي نشرت نتائجها في The Journal of Clinical Endocrinology and Metabolism، توقفت قبل اكتمالها بعد ملاحظة ارتفاع معدل الآثار الجانبية بين المشاركين. فقد اشتكى عدد منهم من ظهور حب الشباب وتقلبات المزاج، فيما سجلت حالات أكثر خطورة مثل الاكتئاب الحاد، بل ومحاولة انتحار لدى أحد المشاركين.

مع ذلك، أشار التقرير إلى أن عددا من الرجال الذين لم ينسحبوا من التجربة، أكدوا استعدادهم لاستخدام الوسيلة إذا أصبحت متاحة. 

تلك الآثار الجانبية المرتبطة باستخدام موانع الحمل الهرمونية، والتي أتينا على ذكرها من قبيل اضطرابات المزاج و التغيرات الهرمونية، هي نفسها  الآثار التي عانت منها النساء منذ عقود ولا يزلن، إلا أن ذلك لم يمنع استخدامها على نطاق واسع.

وفي هذا السياق، يرى السوسيولوجي رشيد البيض أن المنظومة الطبية نفسها ساهمت، بشكل غير مباشر، في تكريس هذا التفاوت. ويوضح أن الأبحاث الطبية ركزت تاريخيا على أجساد النساء باعتبارها المجال الأساسي للتدخل الطبي في ما يتعلق بالخصوبة ومنع الحمل، بينما اعتبر الجسد الذكوري “المعيار الطبيعي” الذي لا يحتاج إلى تدخل.

ويشير الباحث إلى أن التجارب السريرية، الخاصة بوسائل منع الحمل الموجهة للنساء، استمرت لعقود رغم ما ارتبط بها من آثار جانبية، في حين توقفت بعض التجارب الخاصة بالرجال بعد ظهور أعراض مشابهة، مثل اضطرابات المزاج أو التأثيرات النفسية. وبالنسبة إليه، فإن هذا التفاوت يعكس “ازدواجية في طريقة التعامل مع الألم والآثار الجانبية بين الجنسين”، أكثر مما يعكس اختلافاً طبياً فقط.

في المقابل، يرى بعض الباحثين أن المقارنة هنا، ليست بالبساطة التي يبدو عليها الأمر، لأن تقييم المخاطر يختلف بين الرجال والنساء. بالنسبة للنساء تتوازى الآثار الجانبية المحتملة لوسائل منع الحمل مع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل نفسه، بينما لا يواجه الرجال المخاطر الجسدية المباشرة للحمل.

كما يلفت الباحثون إلى أن تطوير وسائل منع حمل للرجال أكثر تعقيدا من الناحية البيولوجية، لأن جسم الرجل ينتج ملايين الحيوانات المنوية باستمرار، على عكس الدورة الإنجابية لدى النساء، التي تعتمد على بويضة واحدة شهريا، وهو ما يجعل التحكم في الخصوبة الذكورية أكثر صعوبة من الناحية التقنية. 

هذا التفاوت، لا يعني بالضرورة تجاهل صحة الرجال أو التقليل من أهمية السلامة الطبية، بقدر ما يفتح نقاشا أوسع حول الطريقة التي بنيت بها أبحاث الصحة الانجابية تاريخيا، وحول من يتوقع منه تحمل الكلفة الجسدية المرتبطة بتنظيم النسل.

كيف يحدد الضغط الاجتماعي مسؤولية تنظيم النسل

بعيدا عن المختبرات والدراسات الطبية، يرتبط موضوع تنظيم النسل أيضا بتوزيع الأدوار الاجتماعية، ففي كثير من الحالات، تصبح متابعة وسائل منع الحمل جزءا من “المهام غير المرئية” المنوطة بالنساء بشكل تلقائي، من تذكر مواعيد الحبوب، إلى متابعة الآثار الجانبية أو حتى إجراء الفحوص الطبية. 

ومع الوقت، يتحول هذا الدور إلى أمر بديهي داخل العلاقات، لا يطرح غالبا باعتباره مسؤولية مشتركة، بل باعتباره جزءا من الأدوار التقليدية المرتبطة بالنساء. وهو الشيء الذي جعل وسائل منع الحمل تتمحور حول ما يناسب النساء، أكثر من تركيزها على توسيع الخيارات المتاحة للطرفين معا. 

وفي هذا الإطار، يرى الباحث رشيد البيض أن ما يسميه الباحثون “التطبيع الاجتماعي لمعاناة النساء” لعب دورا في جعل الألم المرتبط بالصحة الإنجابية يبدو أمرا عادياً داخل المجتمعات. ويوضح أن النساء تعلمن تاريخيا التعامل مع الألم المرتبط بأجسادهن باعتباره جزءا طبيعيا من أدوارهن، سواء تعلق الأمر بالدورة الشهرية أو الحمل أو وسائل منع الحمل.

وفي المقابل، يرتبط الجسد الذكوري، وفق الباحث، بصورة القوة والصلابة داخل المخيال الاجتماعي، ما يجعل أي تدخل هرموني مرتبط به ينظر إليه أحيانا باعتباره تهديدا لفكرة الرجولة التقليدية، أكثر من كونه إجراء طبيا عاديا.

في حديثه عن البدائل الممكنة، يرى بنجلون أنه “لا توجد وسيلة مثالية تناسب جميع النساء”، موضحا أن اختيار وسيلة منع الحمل يجب أن يتم وفق الحالة الصحية والعمر ونمط الحياة والتاريخ الطبي لكل امرأة.

ويعتبر المتحدث أن اللولب النحاسي من أكثر الخيارات استخداما في الحالات التي يفضل فيها تجنب الهرمونات، لأنه لا يرتبط بالمخاطر السابق ذكرها، بينما قد يكون اللولب الهرموني أو وسائل أخرى أكثر ملاءمة لبعض الحالات الخاصة، مثل النساء اللواتي يعانين من آلام الدورة أو بطانة الرحم المهاجرة.

ويؤكد بنجلون أن الاتجاه الحالي في طب النساء يميل نحو “تخصيص وسائل منع الحمل بدل وصفها بشكل تلقائي”، مع مراعاة الفروق الفردية بين النساء على المستويين الصحي والنفسي.

ورغم التقدم العلمي في هذا المجال خلال العقود الماضية، يبدو أن النقاش حول العدالة في الصحة الإنجابية لم يحسم بعد. حيث أن الأمر تحكمه علاقة معقدة بين العلم والمجتمع والصحة والسلطة على الجسد، وبينما منحت وسائل تنظيم النسل للنساء قدرة أكبر على التحكم في حياتهن، فإنها فتحت في الوقت نفسه نقاشا مستمرا  حول من يتحمل الكلفة.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram