الرئيسية

 من  الجامعة إلى المجهول.. تفاصيل توقف مسارات طلبة ابن طفيل

الساعة الحادية عشرة صباحا، في هذا المكان يعتصم طلبة طردوا من الجامعة، الوجوه يعلوها التعب رغم أننا لا زلنا في بداية اليوم، لكن الابتسامات لا تختفي، تدب الحركة في المعتصم، ويأتي طلبة يتضامنون مع زملائهم، أصواتهم المبحوحة تؤكد أن الحناجر أرهقها ترديد الشعارات، لكن عزيمتهم لم ترهق، هذا ما يلخصونه في أحاديثهم، وما تؤكده اللافتات التي تحيط بالمكان.

عادل ايت واعزيز

تجاوزنا بوابة جامعة ابن طفيل، بمدينة القنيطرة، الساحة التي تتوسط الحرم الجامعي تتفرق إلى مسارات تؤدي إلى الكليات، تماما مثلما تتفرق مصائر الذين يفدون من أجل إتمام دراستهم. الحركة حثيثة هنا، والهمم مشدودة إلى الكتب والمحاضرات من أجل الحصول على الشهادات والمرور إلى مرحلة أخرى.

يسير سعيد أمامنا ليرشدنا إلى كلية العلوم، تقابلنا أمام مقصف الجامعة فألقى التحية بلطف وأشار علينا بمرافقته. سعيد طالب في السنة الأولى شعبة الكيمياء، كان في السابق طالبا في شعبة علم النفس، وانتشر مقطع له على منصات التواصل الاجتماعي أثناء توقيفه بطريقة عنيفة من طرف ثلاثة من عناصر الشرطة في نفس المكان.

يعيد مرافقنا سرد الأحداث بتفاصيل دقيقة، فهذه الممرات تحولت في يناير الماضي إلى ساحة مواجهة مفتوحة. أمام المدرج 2، ترتفع لديه وتيرة السرد، يتحدث بسرعة، وهو يعيد ترتيب المشهد: “كان الطلبة يخوضون هنا شكلا احتجاجيا، لم أستوعب ما يحدث، سحبت وتم جري بعنف من قبل الشرطة”. حدث هذا مع سعيد يوم 19 يناير، حين قاطع الطلبة الامتحانات وشهدت الجامعة تدخلا عنيفا للقوات العمومية.

جدران تتحدث

داخل كلية الاقتصاد والتدبير، تحولت الساحة إلى فضاء احتجاجي دائم، تتكلم الجدران قبل أن يتحدث إلينا المطرودون، اللافتات أينما أدرت عينيك، ”لا لبولسة الجامعة”، و”القمع قائم.. النضال مستمر”، “هل مات الضمير؟”، إضافة إلى شعارات مناهضة للقانون 59.24، فضلا عن صور معتقلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، والعلم الفلسطيني الذي يظهر في كل زاوية، وتتوسط المشهد صورة سعيدة المنبهي، شهيدة “أوطم”، وملهمة أجيال من مناضليها.

قضى سعيد 50 يوما رهن الاعتقال، بسجن العواد بمدينة القنيطرة، بمعية رفاقه منعم، وبلال، والعلمي، وهو الآن ضمن الطلبة المطرودين بعد الأحداث التي تلت مقاطعة الطلبة للامتحانات.

يشرح لنا سعيد كيف تطورت الأمور في الجامعة إلى أن تم اعتقال عدد من الطلبة، وطرد آخرين: ”خضنا في البداية إضرابات بخصوص الامتحانات، لأن الجامعة لم تعوضنا عن الحصص التي لم نحضرها. واكتفينا حينها فقط بارتداء الشارات الحمراء رفضا لتواريخ الامتحانات”.

مع بداية كل موسم جامعي، تتكرر المطالب التي يرفعها الطلبة، وهذه السنة لم تكن استثناء ” هي نفس المطالب: فتح التسجيل بباكالوريا قديمة، تغيير الشعب، تسجيل طلبة الماستر في المطعم والحي الجامعي. يتم أحيانا الاستجابة لنا بعد حوارات مع الجامعة، ثم نعود في الموسم الموالي لنبدأ من النقطة نفسها”، يقول سعيد.

عند زاوية معتصم كلية العلوم، حيث يرتشف منعم قهوته بهدوء، كان علينا الانتظار حتى ينتهي من توجيه طالب يستفسر كيف يستعيد هاتفه بعد أن ضبط في حالة غش، فهو هنا يعتبر “مرشدا” للطلبة، يلجأون إليه من أجل فهم حقوقهم، والإجراءات التي عليهم القيام بها.

منعم، 23 سنة، بدوره مطرود بعد أن وصل إلى السنة الأخيرة في شعبة الاقتصاد والمالية، وكان “رفيق زنزانة” سعيد، هكذا ينعتون بعضهم البعض، منذ اعتقالهم في يناير الماضي، ووجهت إليهم تهمة العنف وإهانة الموظفين وتهديدهم، غير أن المحكمة برأتهم من تهمة العنف، ليقضوا شهرا وعشرين يوما في السجن.

”المحاكمة تفتقر إلى أبسط شروط العدالة، إذ تم تقديمي أمام رئاسة المحكمة دون أي دليل. فأين هم هؤلاء الأشخاص الذين يقال إننا عنّفناهم؟ وحتى لو افترضنا جدلا وجود عنف أو شغب أو تهديد أو فوضى، فلماذا لم يتقدم أي طالب بشكوى؟ جميع التهم ملفقة”، يقول منعم.

كان يوم 19 يناير 2026، في جامعة ابن طفيل يوما متوترا، وتزامنت مقاطعة الطلبة للامتحانات، مع تدخل أمني في جميع فضاءات الحرم الجامعي وممراته، يسترجع منعم أحداث ذلك اليوم، ينقبض وجهه ويصمت قليلا ثم يلخص الأمر في كلمتين: ”تدخل وحشي”. 

ويعتبر منعم أن الهدف من التدخل العنيف ذلك اليوم هو ”فرض إجراء الامتحانات بأي ثمن وبشكل قسري، وهذا لم يظهر فقط في يوم واحد، بل في كامل أسبوع الامتحانات، حيث كان الحي الجامعي مطوقا بشكل لافت”.

من طالب إلى “بوجادي”:

قبل مقابلة سعيد، شاهدنا فيديو، التقطه أحد الطلبة، لمشهد توقيفه، ظهر فيه ثلاثة عناصر يحملونه بعنف، كانوا يمسكونه من يديه وقدميه، وأحيانا يسحلونه، بينما يظهر أن كاميرا هاتف أحد العناصر الموجهة نحو الطلبة تردعهم عن التقدم لتخليص زميلهم، فيكتفون برفع الشعارات والصراخ “واك واك على شوهة”.

في مركز التوقيف ”لم يطرحوا عليّ أي سؤال لفهم ما يجري”، يقول سعيد، كانت “التهمة جاهزة، ثم أرغمت على توقيع محضر لا يعكس ما صرحت به فعليا”.

قضى سعيد ثلاثة أيام رهن الحراسة النظرية، برفقة زميليه بلال ومنعم، بعدها تقرر وضعهم قيد الاعتقال الاحتياطي، ثم جرى تحويلهم إلى سجن “العواد” بالقنيطرة.

في السجن، يصنف المعتقلون حسب الأقدمية و”الخبرة”، الطلبة الذين وصلوا كانوا في مرحلتهم الأولى “بواجدة”، وتعني الأغرار وقد تعني “المغفلون”. يصف سعيد المكان قائلا: “كان مكتظا، تفوح منه روائح كريهة، وتنتشر فيه الأزبال والحشرات”.

وداخل الزنزانة كانت الظروف أكثر قسوة، “كنا 31 شخصا في غرفة صغيرة، نمت في مساحة لا تتجاوز شبرا وثلاثة أصابع، وهي تسمح بالاستلقاء على جنب واحد دون حركة”، يقول محدثنا، “نمت كأنني في قبر، عند باب المرحاض، وكل من يريد قضاء حاجته كان عليه أن يتخطاني”.

خلال الخمسين يوما من الاعتقال، حاول الطلبة الحفاظ على إيقاع يخفف عنهم ما يحدث، لذلك كانت المكتبة ملاذهم، اهتم سعيد بقراءة عدة كتب تتوزع بين التاريخ والرواية، أما منعم فقد انكب على محاضراته ودروسه.

يحرك منعم الملعقة داخل الفنجان، ويتحدث دون أن يلتفت إلينا أحيانا، “كنت أطالع دروسي، وبين الحين والآخر أقرأ كتبا وروايات، قرأت عن حرب الريف ضد الاستعمار، وعن انتفاضة الريف سنة 1957. قرأت كذلك رواية أحد مناضلي منظمة إلى الأمام في فترة السبعينات، إضافة إلى رواية للكاتب عبد الرحمان منيف”.

ومن بين ما أثار انزعاجهم وضعهم مع متابعين ومحكومين بقضايا جنائية ثقيلة، يبسط سعيد كفه ثم يعد على أصابعه، “”كنا مع المهربين الدوليين، وتجار المخدرات، ومحكومين في قضايا مثل تجارة البشر والقتل. أحد الرفاق وضع في جناح الجنايات، الذي يضم محكومين بـ 20 سنة”.

“الطرد: وسيلة قمعية”

المسافة بين القضبان ومدرجات الجامعة، لم تكن سوى امتداد واحد لعقوبة أطول. بعد خروج سعيد ومنعم وجدا قرار الطرد من الجامعة في انتظارهما. 

”هذا الطرد إعدام لمستقبل أبناء الشعب وأحلامهم، وأحلام عائلاتهم. فقط لأنهم مارسوا حقهم في التعبير عن رأيهم”، يؤكد منعم في حديثه إلينا، ويجزم أن السبب الحقيقي هو موقفه “من القانون 59.24 التخريبي”.

بحسب منعم الطرد رسالة موجهة إلى كل صوت نضالي داخل الجامعة، فالأمر “لا يتعلق فقط باستهداف مناضلي ومناضلات أوطم لإظهارهم معزولين. أي أنهم طردوا ‘الرفاق’ فقط لأن الرفاق كانوا دائما ملتحمين مع باقي الطلبة”.

هذا رأي سعيد أيضا، وهو يؤكد في حديثه إلينا: ”لو كنت مجرد طالب يأتي إلى الجامعة، يدرس ويغادر في حال سبيله، لما تم طردي. لكنني كنت مناضلا. لديهم مشكلة مع الأصوات المناضلة التي تحتج على إشكالات الجامعة، ولذلك لم نتفاجأ”.

بوسع منعم أن يعود للقاعات، ويستأنف دروسه، لكنه لا يرى أية جدوى من ذلك في ظل هذا الوضع، ويقول بنبرة خافتة تثقل ملامح وجهه:”حتى إن دخلت الآن إلى الدرس أو تحدثت مع طالب بخصوصه، فلن يكون لذلك معنى. لا يمكنني أن أكون في هذا الجو الدراسي. فأنا في النهاية، أظل طالبا مطرودا”.

سابقة تاريخية

يرى رشيد ايت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، أن جامعة ابن طفيل اختارت الحل “الأسهل والأعنف” في تاريخها، بسبب عجز المسؤولين عن التجاوب مع مطالب الطلبة ومن بينها تأجيل الامتحانات، واعتبر أن هذا “يشكل انحرافا خطيرا في استعمال السلطة”.

وقال ايت بلعربي، في حديث لمنصة “هوامش”، إن قرار الطرد “كان موضوع طعن أمام القضاء الإداري بعد تأكد ثبوت مجموعة من الخروقات الشكلية والموضوعية”، بسبب “عدم احترام حقوق الدفاع وغياب وسائل إثبات تؤكد قيامهم بالأفعال المنسوبة إليهم”.

ومن بين ما ينسب للطلبة المطرودين “العنف ضد الأساتذة وعرقلة سير الامتحانات عن طريق منع باقي زملائهم الطلبة من اجتياز الامتحانات”، إلا أن ايت بلعربي يؤكد أن كل ذلك “أمور غير ثابتة قطعا حتى يمكن استخدامها ذريعة للطرد النهائي، كما أنه وعلى فرض وجود بعض التجاوزات أو سوء الفهم فإن الأمر كان يقتضي حله بالحوار وليس بالتأديب والتشريد الجماعي في سابقة لم تعرف لها جامعة بن طفيل مثيلا حتى في عز سنوات الجمر والرصاص”.

ولذلك فإن ”قرارات الطرد لا علاقة لها بأي أفعال ارتكبت من طرف الطلبة، بل هي نتيجة رغبة جامحة في تصفية قطاع طلابي يحمل على عاتقه هموم الطلبة والطالبات منذ زمن بعيد ويحمل على عاتقه أيضا هم استمرار الجامعة العمومية وحق أبناء الشعب المغربي في الاستفادة من حقهم الدستوري في التعليم” يؤكد ايت بلعربي. 

ويواصل المحامي: ”العنف لم يكن إلا وسيلة لتبرير الاستعانة بالسلطات الأمنية، واستباحتها لحرمة الجامعة أمام فشل مسؤولي هاته الأخيرة في التجاوب مع مطالب الطلبة، وفي تدبير شؤون المرفق بشكل يحترم المقاربة التشاركية كمبدأ دستوري، وهو ما انقشع يقول المتحدث بعدما قضت المحكمة الابتدائية بتبرئة كل المتابعين من جنحة العنف”. 

وجهان لعملة واحدة

فاطمة، طالبة في سلك الماستر، شعبة القانون والمنازعات بكلية العلوم القانونية والسياسية، وجدت نفسها ضمن دوامة الطرد والاعتقال، وصدر في حقها حكم بالسجن النافذ شهرين وغرامة مالية قدرها 500 درهم.

تستعيد هذه الطالبة ما حدث يوم 20 يناير، وهي تحدثنا عن تفاصيل ذلك اليوم، ”تم احتجازنا داخل الحي الجامعي. لم تكن الشرطة تسمح لأي مناضل في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ولا لمناضلي فصيل الطلبة القاعديين التقدميين، بمغادرة الحي. حتى الذهاب إلى المتجر لم يكن مسموحا لنا به”.

في أجواء مشحونة داخل الحي الجامعي، بدأت تصل أنباء الاعتقالات، ومن منطلق الالتزام النضالي، قررت مد العون لرفاقها ورفيقاتها الذين تم توقيفهم، “لم يكن بد من فعل شيء، حملت بعض الماء والمواد الغذائية، وخرجت من الحي برفقة عضو من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، واتجهنا نحو مركز الشرطة”، تقول فاطمة.

وتتذكر طالبة الماستر، كيف تحولت الرحلة القصيرة نحو مركز الشرطة إلى مطاردة صامتة، ”كانت سيارة الأجرة التي استقللناها تحت المراقبة”، تقول فاطمة، قبل أن يتم إيقافها قرب ماكدونالدز في القنيطرة، وهناك جرى استنطاقها هي ومرافقتها من الجمعية الحقوقية، وتضيف: ”سمحوا لنا بالمغادرة، لكن بعد تهديد وترهيب”.

بالنسبة لفاطمة، لا ينفصل الاعتقال عن الطرد، كلاهما في نظرها، وجهان لعملة واحدة. كانت تتحدث بثبات إلى أن وصلت للطرد، فبدأت تحكي بنبرة لا تخلو من انكسار: ”كان الطرد صدمة لنا. رغم أن كل شيء كان متوقعا، حتى الاعتقال. لكن طرد الطلبة مسألة غير أخلاقية، ولم نكن نتصور أنهم قد يصلون إلى هذه الدرجة”.

حسب طالبة قانون المنازعات، ”ما وقع هو تعسف وشطط في استعمال السلطة. أن يطرد طالب من الجامعة ويعاقب بأقصى العقوبات، التي عددها 8 عقوبات، دون إنذار أو توبيخ أو حتى توقيف مؤقت، أمر غير مقبول. لقد تجاوزوا سبع عقوبات، وذهبوا مباشرة إلى الثامنة”. 

لم يكن قرار طرد فاطمة من الدراسة، صادما لها وحدها، بل لأسرتها أيضا، لقد كانت تتشبث بمسارها الجامعي، وهو بمثابة أمل لها في تحسين مستواها ومستوى أسرتها، لكن، فجأة، وجدت نفسها خارج أسوار الجامعة، لكنها تؤكد أنه ”رغم ذلك، تؤمن أسرتي بعدالة قضيتنا، وهي مستعدة للانخراط معنا في هذه المعركة، إنهم على يقين أننا لسنا مجرمين ولا علاقة لنا باستخدام العنف”.

طلبة يسائلون أساتذتهم: “أين أنتم؟”

ترى فاطمة أن دوافع الاحتجاج لا تنفصل عن سياق أوسع، يتسم في نظرها، بتراجع واضح في الحقوق والحريات العامة، أولها ”تنزيل قانون يضرب مجانية التعليم واستقلالية الجامعة العمومية. لذلك كان خيارنا هو النضال ضده ورفع أصواتنا عاليا”. 

في لحظة من لحظات الحديث إلينا، لم تتوقف هذه الطالبة المطرودة عن طرح الأسئلة، ”ألم تكفهم شهور السجن لتشفي غليلهم فينا؟ هناك حقد دفين تجاه المناضلين لا يمكن وصفه”. ثم تلحق سؤالها بالاستفسار عن موقف النقابة الوطنية للتعليم العالي: ”أين وصل البرنامج الذي سطرته النقابة بعد أن أصدرت بيانات ترفض القانون 59.24؟ ولماذا لم ينسجم الفرع المحلي في القنيطرة مع خطوات المكتب المركزي؟ ولماذا وقف ضد الطلبة وأصدر بيانات في مواجهتهم؟ هل للأمر صلة بعلاقات بالعلاقة بين رئاسة الجامعة ووزارة التعليم، أو بكون الوزير سبق أن ترأس الجامعة؟”.

ووفقا لفاطمة، فإن ”أغلبية الأساتذة يقولون إنهم ضد هذه القرارات، وأنهم لم يريدوا أن تسير الأمور في هذا الاتجاه. لذلك أتساءل عن شرعية المجلس التأديبي: هل فعلا انبثق عنه قرار الطرد؟ بالنسبة لي، لم تكن تلك مجالس تأديبية بقدر ما كانت مجالس انتقامية. ومع ذلك، تفاجأنا بأساتذة ساروا مع هذه القرارات”.

القنيطرة “اختيار مدروس ومكتب مخترق”

يرى الأستاذ إبراهيم المعالج، عضو اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي، أن ما شهدته جامعة ابن طفيل يرتبط بمحاولة تنزيل القانون 59.24، معتبرا أن اختيار القنيطرة “لم يكن اعتباطيا”، بحكم ارتباط الوزير بالجامعة كرئيس سابق لها وأستاذ بها، إضافة إلى نفوذ حزبه داخلها.

ويقول المعالج إن أحداث يناير “تم النفخ فيها”، موضحا أن الأساتذة والموظفين جرى توجيههم لمواجهة الطلبة، قبل أن تتحول المواجهات إلى ملفات تتعلق بـ “إهانة موظفين”. كما اعتبر أن مناخا من “التشهير والدعاية” سبق التدخل الأمني، متهما بعض الأساتذة بتوفير غطاء له عبر بيانات طالبت بتشديد الأمن داخل الجامعة.

ويضيف المتحدث أن المكتب المحلي للنقابة بالقنيطرة “لم يجدد منذ سنوات”، معتبرا أنه يعيش حالة “اختراق حزبي”، في سياق أزمة أوسع تعيشها النقابة الوطنية للتعليم العالي، بحسب تعبيره.

ويعود المعالج إلى يوم اقتحام الحرم الجامعي، قائلا إن السلطات تدخلت داخل الكليات والمدرجات، وتم “سحل واعتقال” الطلبة أمام أعين الأساتذة. كما انتقد لجوء الجامعة مباشرة إلى عقوبة الطرد النهائي، متسائلا عن سبب تجاوز باقي العقوبات التأديبية.

لذلك، فإن “الطرد عبر مجالس تأديبية مفبركة، لم يكن عبثا، لو لم تكن هناك توجيهات عليا”، يقول المعالج، ويتساءل: “أين التدرج في العقوبات؟ لماذا تم القفز على العقوبات الأخرى، واعتماد العقوبة القصوى مباشرة، والتي لا تتلاءم مع الأحداث المعلنة أو المفترضة؟ الرئيس رفض استقبال لجنة الدعم وسبق له أن تحدى الطلبة في اليوم الأول من تعيينه عبر تسجيل صوتي منشور”.

ويعبر الأستاذ الجامعي عن رفضه للقانون 59.24، معتبرا أنه يقلص استقلالية الجامعة ويعزز منطق الوصاية الإدارية عليها، داعيا النقابة إلى الالتزام بخطواتها الاحتجاجية دفاعا عن الجامعة العمومية.

ويختم عضو النقابة الوطنية للتعليم العالي، ولجنتها الإدارية، حديثه بالقول: “أتمنى من المكتب المركزي، أن ينتفض، ويتحرر من أي تحكم حزبي أو مخزني، أو أي ضغط من أي جهة خارجية، ويحتكم لصوت العقل والحكمة، ويضع نصب عينيه مصلحة الجامعة والشعب المغربي”.

بحث علمي مطرود

إن كانت حكاية منعم، وسعيد، وفاطمة، قد رسمت ملامح هذا المسار المتوتر، فإن القصة تأخذ بعدا آخر مع إيمان (25 سنة)، طالبة في سلك الدكتوراه، والتي وجدت نفسها داخل دوامة الطرد والاحتجاج، بعد أن قضت 7 سنوات داخل أسوار جامعة ابن طفيل.

مشروع أطروحة إيمان في سلك الدكتوراه يندرج ضمن مجال الإنسانيات الرقمية، ويتمحور حول كيفية إعادة إنتاج الفضاء العمومي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد بدأت هذه الباحثة بالفعل في كتابة أول مقال علمي لها، وهي تحاول أن تفتح لنفسها أفقا جديدا؛ لذلك توضح أن الطرد لم يوقف اشتغالها الأكاديمي، لكن وضع مستقبلها في حالة غموض.

وتحرص هذه الطالبة الباحثة على حضور الأنشطة التي ينظمها مركز الدكتوراه والمختبر الذي تنتمي إليه، وتواصل البحث وتنقيح مشروع أطروحتها، رغم ما خلفته هذه الأحداث من ارتباك في مسارها. وتقول: ”تواصل معي الأستاذ المشرف، وأبدى أسفه الشديد واستنكاره لهذا القرار الجائر، كما أكد أنه لم يتم إشراكه في هذا القرار، وأنه تفاجأ به بدوره. وشجعني على الاستمرار في الاشتغال على أطروحتي إلى حين استرجاع حقي في متابعة الدراسة”.

لماذا يحتجون؟ ولماذا يتحملون كل هذا؟

لم يكن انتماء إيمان للجامعة يوما انتماء براغماتيا بهدف نيل شهادة ومغادرة أسوارها، كما تشرح لنا، بل كان ارتباطا أخلاقيا ووجدانيا بتاريخ هذه المؤسسة التي “طالما كانت عصية على التدجين”، لذلك انخرطت عن قناعة في أنشطة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب منذ سنتها الأولى.

وتعتبر المتحدثة أن قرار الطرد غير مسؤول، وأن “رئاسة الجامعة، ومعها وزارة التعليم، تتلاعب بمستقبلي ومساري الأكاديمي. كما أرى في هذه الخطوة تجاوزا خطيرا لكل المواثيق الدولية والإقليمية التي تنص على الحق في التعليم، وعلى توفير الشروط اللازمة لممارسته في جو يسوده الحوار والديمقراطية”.

وترى أن “الجامعة التي تسعى إلى إفراغ الباحث من قناعاته ليكون مقبولا بين نجبائها، هي جامعة لا يمكن أن تنتج بحثا علميا حقيقيا”.

إيمان، التي كانت ضمن لجنة “أوطم” وشاركت في حوارات مع الرؤساء الثلاثة الذين تعاقبوا على الجامعة، ومع عمداء الكليات الخمس تتأسف أن يتم التعامل معها ورفاقها اليوم “كمجرمين وأبناء عاقين لهذه الجامعة، وهم من يدافعون عنها ولازالوا يدافعون”.

وعلى غرار فاطمة ورفاقها، تعتبر إيمان أن ”قرار الطرد انتقامي يستهدف النقابة الطلابية عموما، والفصيل السياسي الذي ينشط بموقع القنيطرة، فصيل الطلبة القاعديين التقدميين، على وجه الخصوص، حيث يأتي في سياق سلسلة طويلة من التضيقات التي كانت تمارسها رئاسة الجامعة، عبر أذرعها من بعض الإداريين وبعض الأساتذة”، وفق تحليلها.

وتؤكد هذه الطالبة في ختام حديثها معنا أنها “متشبتة بحقي في استكمال الدراسة، وسأخوض كل الأشكال الاحتجاجية التصعيدية من أجل تحصين هذا الحق. كما لجأت، رفقة رفاقي المطرودين، إلى القضاء الإداري، الذي نأمل أن يكون منصفا في النظر إلى ملفنا”. 

بينما كنا نغادر مكان الاعتصام، حرص الطلبة الذين تحدثوا إلينا أن قضيتهم ليست فردية ولا شخصية، وأكدوا أن همهم الأول هو الحفاظ على الجامعة العمومية “فضاء للتفكير النقدي الحر، لا فضاء للمراقبة والعقاب، ولا كمرتع للبوليس السري والعلني”، هذا الهدف الذي يناضلون من أجله، وفق تعبيرهم، هو الضمانة الوحيدة لاستمرارها في أداء رسالتها النبيلة وهي إنتاج المعرفة.

تنويه: تواصلنا مع رئاسة الجامعة، قبل أسبوعين للحصول على توضيحات بشأن ما ذكرته مصادرنا، وتقديم روايتها، مع الإشارة إلى أننا سننشر الموضوع في وقت محدد، وقد أخرنا النشر لكننا لم نتوصل بأي رد.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram