الرئيسية

تحليل إخباري| عيد الاضحى.. السوق يختبر توازناته بين تصريحات السياسيين واحتكار الشنّاقة 

بعد موسم استثنائي انقضى بدون عيد أضحى، اتسم بندرة الأضاحي وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، عاد ملف القطيع الوطني إلى واجهة النقاش العام مع اقتراب عيد الأضحى 2026، في سياق تتقاطع فيه التصريحات الحكومية مع واقع سوق ما زال يثير الكثير من التساؤلات حول الأسعار والقدرة الشرائية.

“هوامش”

في جلسة عمومية لمجلس النواب يومي 21 أبريل 2026، قدّم رئيس الحكومة عزيز أخنوش عرضا مفصلا حول حصيلة عمل حكومته، خصّص جزءا منه لقطاع الماشية، قائلاً إن “القطيع الوطني يسجّل أرقاما قياسية تتجاوز 33 مليون رأس من الأغنام والماعز، بل إن الرقم الإجمالي للماشية يصل إلى 40 مليون رأس، وهو ما لم يُسجَّل من قبل في تاريخ المغرب”. وأضاف رئيس الحكومة أن هذا التحسن “يعكس فعالية السياسات الفلاحية المعتمدة خلال السنوات الأخيرة”. 

وفي تفسيره لهذا التطور، أكد أخنوش أن الأمر مرتبط بعدة عوامل، موضحًا أن الحكومة “رصدت برامج دعم استثنائية بقيمة 20 مليار درهم، مكنت من توزيع 27 مليون قنطار من الشعير المدعم، و8.5 ملايين قنطار من الأعلاف المركبة”، وذلك في إطار دعم مربي الماشية خلال سنوات الجفاف. كما أشار إلى إطلاق “برنامج لإعادة تكوين القطيع الوطني بميزانية تبلغ 12.8 مليار درهم، يهدف إلى تعزيز الإنتاج وضمان استدامة القطاع”. 

وفي سياق عرضه، شدد رئيس الحكومة على أن وفرة القطيع يجب أن تنعكس على السوق، قائلاً: “ليس من المعقول بقاء الأسعار مرتفعة والقطيع يضم 40 مليون رأس“، في إشارة إلى الفرق القائم بين الأرقام الرسمية والأسعار المتداولة في الأسواق. كما توقف عند حجم الدعم العمومي، مؤكدًا أن الدولة “رصدت حوالي 13 مليار درهم لفائدة الكسابة”، معتبراً أن هذا الدعم يفترض أن يساهم في استقرار السوق. 

وأضاف أخنوش في لهجة حازمة: “هؤلاء الناس (الكسابة) الذين لازالوا يمسكون أكباشهم مخطئون، وعليهم أن يعرضوهم في الأسواق، لقد كانوا يحتفظون بأغنامهم من أجل الحصول على إمكانيات الدعم، والآن، تم توزيع ملايير الدراهم على الكسابة ولم يبق شيء آخر يمكن أن يحصلوا عليه، لذلك من يريد أن يدخل إلى السوق فعليه أن يفعل ذلك الآن، لأنكم إن دخلتم إلى السوق جميعا في وقت متأخر ستتهاوى الأسعار، وهذا ما يريده المواطن”.

وفي ما يتعلق ببنية السوق، وجّه أخنوش انتقادات غير مباشرة للوسطاء، داعيًا الكسابة إلى “قطع الطريق على الشناقة الذين يُضخّمون الأسعار”، ومؤكدًا على ضرورة “التسويق المباشر للمستهلكين” لتقليص حلقات الوساطة.

ويأتي هذا الخطاب في سياق محاولة رسم صورة لقطاع فلاحـي يتعافى من آثار الجفاف، لكنه في المقابل يفتح نقاشًا حول مدى صحة الأرقام ودقتها وانعكاس هذه المؤشرات على الواقع المعاش، خصوصًا في ظل استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي واللحوم في الأسواق حتى اليوم.

فما بين وفرة معلنة في الأرقام، وضغوط ملموسة في الأسعار، وكذلك بين خطاب رسمي يؤكد التحسن، وسوق ما زال يختبر توازناته، يظل السؤال مطروحا حول طبيعة هذا التحول، إن كان يتعلق الأمر بتعاف فعلي ومستدام، أم بوفرة رقمية “سياسية” لا تزال تصطدم  بتلاعبات في الأرقام وبواقع اقتصادي معقد وبنية سوق تقليدية يحتكرها “الشنّاقة”.

عدد رؤوس القطيع رقم صحيح أم رقم سياسي؟ 

تُظهر آخر المعطيات الرسمية، الصادرة عن وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أن القطيع الوطني في المغرب يضم نحو 32.8 مليون رأس تقريبا، بيد حوالي مليون و200 ألف كساب.

وفق هذه الإحصاءات، أوضحت الوزارة، في بلاغ، أن هذا القطيع يتوزع على الأغنام (23 مليون و158 ألف 248 رأس منها 16 مليون و348 ألفا و449 أنثى)، والماعز ( 7 ملايين و474 ألفا و172 رأس منها 5 ملايين و293 ألف و805 أنثى) والأبقار ( مليونان و94 ألفا و109 رؤوس منها مليون و556 ألفا و842 أنثى)، والإبل (106 آلاف و44 رأسا منها 91 ألفا و432 أنثى ). هذه الأرقام تجعل المغرب من بين البلدان التي تتوفر على رصيد مهم من الماشية، رغم التقلبات المناخية التي عرفتها السنوات الأخيرة.

وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، قال في دجنبر الماضي، إن البرنامج الوطني لإعادة تشكيل القطيع الوطني (2025-2026) مكن من تحقيق مكاسب مهمة، إضافة إلى إطلاق ورش ترقيم الماشية الذي بلغ مراحله النهائية، مشيرا إلى أن عدد الرؤوس المرقمة بلغ 25 مليون رأس، أي 92 في المائة لدى الكسابة المحصيين.

تضليل وغموض؟ 

في سياق عيد الأضحى، يزداد الوضع تعقيدا، فرغم وجود حوالي 32 مليون رأس، تشير التقديرات الحكومية إلى أن الطلب يتراوح بين 5.5 و6 ملايين رأس من الأغنام والماعز في عيد الأضحى، إضافة إلى ما يوجه إلى الذبح اليومي في المجازر الرسمية (ما يناهز 3.5  ملايين رأس سنويا) وخارج القنوات الرسمية، المجازر التقليدية، (نحو مليون رأس)، فإن الحاجيات الوطنية الإجمالية تصل إلى قرابة 10 ملايين رأس سنوياً فقط، وهو رقم يبدو أقل من حجم القطيع الوطني الإجمالي المصرح به رسميا. ما يطرح سؤالًا حول أسباب استمرار ارتفاع الأسعار رغم وفرة العرض المفترضة. لكن وراء هذا الرقم توجد عمليات معقدة بعيدة عن التجاذبات السياسية. 

في الواقع، رغم وفرة القطيع، فإن جزء مهما من هذا القطيع لا يدخل فعليا في دورة التسويق الخاصة بأضاحي العيد، بسبب عوامل تتعلق بالعمر والوزن والحالة الصحية والنوع، إضافة إلى توجيه جزء من الإنتاج نحو الاستهلاك اليومي أو إعادة التربية، وهو ما يجعل التصريح بوجود حوالي 33 مليون من القطيع ووفرته في سياق عيد الأضحى “رقما سياسيا” لا يأخذ هذه المؤشرات بعين الإعتبار. 

غير أن هذه المعطيات التي صرح بها أخنوش، بشكل رسمي أيضا، لم تُنه الجدل الدائر حول دقة الأرقام، فغير بعيد عن هذا الغموض، أُثيرت ملاحظات العام الماضي حول وجود تباين بين التقديرات الحكومية في فترات مختلفة؛ فبينما أشارت بعض البلاغات التقنية خلال سنوات الجفاف إلى أرقام أقل بكثير، عادت إحصاءات لاحقة لتُعلن في وقت وجيز عن مستويات تفوق 32 مليون رأس. هذا التباين فتح نقاشا حينها حول ما إذا كان الأمر يتعلق باختلاف في منهجيات الإحصاء، أم بتغير فعلي وسريع في بنية القطيع، أم بتداخل بين أرقام تقديرية وأخرى ميدانية أو سياسية.

ما يزيد المشهد تعقيداً هو التناقض الذي رصده مربو الماشية بين إحصاءات متتالية. فقد أبدى عدد من المربين“استغراباً كبيراً” من نتائج إحصاء  غشت 2025، الذي أعلن عن ارتفاع الأعداد بحوالي 7 ملايين رأس خلال خمسة أشهر فقط مقارنة بإحصاء فبراير 2025، أي بزيادة تقارب 50% في فترة وجيزة. وقد وصف مربو الماشية هذه الأرقام بأنها“غريبة وغير منطقية”، مؤكدين أنها “لا تعكس الواقع الذي يعيشونه”. 

في المحصلة، ورغم أهمية هذه المؤشرات الرقمية، فإنها لا تقدم وحدها صورة مكتملة عن سوق الأضاحي، حيث تظل عوامل مثل القدرة الشرائية، وكلفة الأعلاف، وسلاسل الوساطة التجارية، عناصر حاسمة في تحديد الأسعار النهائية التي يواجهها المواطن في عيد الأضحى.

المعلوم أن ليس كل القطيع صالحًا لأضحية العيد

يكمن جوهر الإشكال في أن الأرقام الإجمالية تبدو مطمئنة، لكن قراءتها الدقيقة تكشف هشاشة العرض الفعلي المتاح للأضحية. فمن 23.1 مليون رأس من الأغنام وهي التي توجه أساسا للأضحية في العيد الأكثر أهمية بالنسبة للمغاربة، تُمثّل الإناث 16.3 مليون رأس (أي ما يقارب 70%)، وهي مخصصة للتوالد واستمرار القطيع ونادرا ما توجه للسوق، ونادرا ما يتم التضحية بها بسبب التقاليد أيضا. أما ذكور الأغنام والماعز فلا تتجاوز 6.8 مليون رأس، وهي الفئة الوحيدة التي تُغذّي سوق الأضاحي بصفة رئيسية في الأعياد، وهو تقريبا الرقم الوطني المقدر الذي يوجه لسوق الأضاحي.

ويُضاف إلى ذلك القيد الشرعي المتعلق بالسن إذ يُشترط في الأضحية ألا يقل عمرها عن ستة أشهر، وفي الماعز ألا يقل عن سنة كاملة. وهذا يعني أن جزءاً من الولادات الحديثة البالغ عددها 6.4 مليون رأس (عمرها أقل من ستة أشهر حتى إحصاء غشت 2025) لن تكون مستوفيةً لشروط الأضحية يوم العيد في ماي 2026، إلا التي ستبلغ العمر المطلوب في الفترة الفاصلة. وهو ما يُضيّق هامش العرض الفعلي القابل للتسويق في سوق الأضحية ويناقض تصريحات رئيس الحكومة بشأن وفرة القطيع هذا العام. 

الخبير الزراعي رياض وحتيتا لخّص هذه المعادلة بوضوح في تصريح لمنصة محلية “جزء مهم من القطيع يتعلق بالإناث المخصصة للتوالد، وهو ما يحد من الكمية المتاحة فعلياً للتسويق خلال موسم الأضاحي”. وكان وزير الفلاحة نفسه أقرّ في غشت 2025 بأن عدد الأضاحي المتوفرة لعيد الأضحى السابق لم يتجاوز 3.5 مليون رأس، في مقابل حاجيات تفوق 6.5 مليون رأس وهو ما استدعى القرار الملكي بالامتناع عن الذبح.

في الواقع فإن الرقم 32.8 مليون رأس حقيقة رسمية موثقة بإحصاء وطني، لكنه لا يُقرأ بمعزل عن بنية هذا القطيع. العرض الفعلي المتاح للأضحية يبقى في حدود 7 ملايين رأس من ذكور الغنم البالغين، وهو ما يكفي نظرياً لتغطية الطلب. لكن “الكفاية” شيء، و”انعكاسها على السعر في السوق” شيء آخر وهنا تُطلّ الأزمة الحقيقية من الوساطة وضعف التوزيع.

وفرة في العرض وغلاء في الأسعار والاعلاف 

الإشكال الحقيقي في سوق الماشية لا يكمن في حجم العرض بقدر ما يرتبط بطريقة انعكاسه على الأسعار في الأسواق. هذا التباين بين المؤشرات الرسمية وواقع السوق يظهر بوضوح قبل عيد الأضحى، حيث تشير المعطيات إلى أن الوفرة الرقمية لا تترجم على مستوى الأسعار، التي ما تزال مرتفعة في عدد من المدن، في حين تجاوز سعر كيلوغرام لحم الغنم 150 درهماً في بعض المناطق الحضرية.

في قلب هذه المفارقة، يبرز دور الوسطاء أو ما يُعرف محلياً بـ“الشناقة”، الذين يعتبرهم مهنيون العامل الأكثر تأثيراً في تضخّم الأسعار. لا تمر الأضاحي من المربي إلى المستهلك بشكل مباشر، بل عبر سلسلة من الوسطاء، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع السعر النهائي. وقد سبق لرئيس الحكومة أن دعا بدوره الكسابة إلى “قطع الطريق على الشناقة، والتعامل المباشر مع المستهلكين”، في إشارة إلى اعتراف رسمي بعمق تأثير هذه الحلقة الوسيطة على السوق.

لكن الضغط لا يأتي من الوساطة وحدها. ففي نونبر 2025، خرج مئات من الكسابين للاحتجاج على الارتفاع الحاد في أسعار الأعلاف، حيث تضاعف ثمن النخالة بشكل لافت. ورغم تحديد أسعار الشعير المدعم، إلا أن الأسعار في الأسواق تفوق أحياناً 4 دراهم. 

بالإضافة الى ذلك كثيرا ما يواجه الكساب الصغير عبئا ضريبيا على الأعلاف المصنعة، في سياق يوصف بأنه غير متوازن، خاصة في مرحلة يُفترض أن تكون مخصصة لإعادة تكوين القطيع الوطني. وإلى جانب ذلك، ارتفعت تكاليف الإنتاج الفلاحي بنحو 30% خلال الفترة الأخيرة، بفعل ارتفاع أسعار الوقود والنقل، ما يضيف ضغطا إضافيا على كلفة الإنتاج النهائية.

في ظل هذه المعطيات، يبرز عامل آخر مرتبط بطبيعة موسم الأضاحي نفسه، حيث يتحول الطلب إلى ذروة مركزة خلال فترة زمنية قصيرة، تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع. هذا التركّز يخلق ضغطاً كبيراً على السوق، ويمنح الوسطاء هامشاً أوسع للتحكم في الأسعار، في ظل استعجال المستهلكين لاقتناء الأضحية في وقت محدود. وبين وفرة تُسجل على مستوى الأرقام، وضغوط تتراكم في حلقات الإنتاج والتوزيع، يبدو أن أزمة سوق الماشية ليست مرتبطة بندرة في العرض بقدر ما هي مرتبطة ببنية السوق نفسها. فوفق هذا المنظور، تظل الوفرة “موجودة نظرياً”، لكنها لا تنعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، ما لم تتم معالجة اختلالات الوساطة وتكاليف الإنتاج وآليات توزيع الدعم بشكل أكثر فعالية وشفافية.

هشاشة القدرة الشرائية وانعكاساتها على اقتناء الأضاحي 

نجح المغرب، وفق المعطيات الرسمية، في تحقيق تحول لافت داخل قطاع تربية الماشية خلال فترة وجيزة. لكن خلف هذا المؤشر الإيجابي على مستوى الإنتاج، تكشف المعطيات الاجتماعية صورة مغايرة. 

فوفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، الخاصة بالفصل الأول من 2026، صرح 87,8% من الأسر المغربية بعدم القدرة على الادخار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، فيما أكد 75,1% منها تراجع مستوى المعيشة خلال السنة الماضية. كما اضطر 37,5% من الأسر إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية النفقات اليومية، في حين يرى حوالي 93% أن أسعار المواد الغذائية عرفت ارتفاعاً ملحوظاً، ويتوقع أغلبها استمرار هذا المنحى التصاعدي.


تعكس هذه المؤشرات هشاشة واضحة في القدرة الشرائية. ففي سياق كهذا، لا يبدو اقتناء أضحية بسعر يتراوح بين 3000 و5000 درهم خياراً متاحاً لشريحة واسعة من الأسر، بل يتحول إلى عبء إضافي فوق كلفة معيشية متصاعدة. ويزيد من حدة هذا الوضع أن التضخم في أسعار المواد الغذائية بلغ حوالي 8% في فبراير 2026 (على أساس شهري)، ما يعني أن الجزء الأكبر من دخل الأسر يُستهلك أساساً في تلبية الحاجيات الأساسية.


وبينما تشير المؤشرات إلى أن المغرب يحقق نمواً يفوق 4,9%، تكشف مؤشرات المعيشة أن الغالبية الساحقة من الأسر لا تملك هامشاً للادخار، بل تواجه تراجعاً في قدرتها الاستهلاكية. وقد زاد الوضع تعقيداً بعد ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز. وفي هذا السياق، تصبح قضية الأضاحي أكثر من مجرد ملف فلاحي أو ظرف موسمي، لتتحول إلى مرآة لمشكلة أعمق بين وفرة الإنتاج وضعف القدرة الشرائية؛ فحتى في ظل استعادة القطيع الوطني لمستوياته، تظل الأسر محدودة الدخل خارج معادلة السوق، ليس بسبب ندرة العرض، بل بسبب محدودية الطلب الفعلي المرتبط بالدخل.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram