الرئيسية

الحرائق والاستغلال يعرقلان تسوية أوضاع آلاف المهاجرين في هويلفا

فقد ما لا يقل عن 50 مهاجرًا مغربيا وثائقهم اللازمة لتسوية أوضاعهم، عقب حريق اندلع في أحد المخيمات العشوائية بهويلفا، بينما ادعى عدد من العمال الموسميين أن بعض أرباب العمل يبيعون عقود العمل مقابل خمسة آلاف يورو.

“هوامش” 

على بُعد أمتار قليلة من مكتب شؤون الأجانب في هويلفا، حيث ينتظر ما لا يقل عن 4000 شخص الاستفادة من عملية التسوية الاستثنائية، يقع المقر المحلي لحزب فوكس “Vox”، اليميني المتطرف، وعلى مسافة أبعد بقليل ينتصب تمثال ضخم لكريستوفر كولومبوس في إحدى الساحات الرئيسية للمدينة، يطل بصمت مهيب على حركة المهاجرين. 

أمام هذا المكتب الذي تُجرى فيه المعاملة، تقف ربيعة، مغربية أمضت أكثر من عامين في هويلفا تعمل في جني الفراولة، ومع ذلك في حديثها لمنصة “هوامش” تؤكد “اضطررتُ لدفع خمسة آلاف يورو لرئيسي مقابل عقد عمل”.

أما رشيد، الذي ينتظر بدوره في مكتب الأجانب، فيؤكد كلامها: “أنا محظوظ لأن لدي عقد عمل، لكن زملائي يدفعون ما يصل إلى ستة آلاف أورو للحصول على عقد”، يوضح هذا العامل الذي عاش أكثر من 20 عامًا في إسبانيا، آخر عامين منها كانت هنا في هويلفا. 

رشيد وربيعة، كلاهما يطرح أسبابًا متشابهة لرغبته في تسوية وضعيته: “أريد أن أواصل العمل”، يقول رشيد، بينما تؤكد ربيعة أنها تفعل ذلك “لأتمكن من إعالة أطفالي”.

بيع عقود العمل وشهادات السكن من طرف أرباب العمل ممارسة مستمرة منذ سنوات في هذه المقاطعة، وقد ازدادت أهميتها مع عملية التسوية الحالية، نظرًا لإلحاح آلاف الأشخاص على الاستفادة منها. 

ويُضاف هذا “النشاط” إلى قائمة انتهاكات حقوق الإنسان، التي يعاني منها عشرات الآلاف من العمال المهاجرين في البيئات الزراعية في كل من هويلفا وألميريا.

وثائق محترقة

يعيش معظم هؤلاء العمال في تجمعات عشوائية من الأكواخ، دون كهرباء أو ماء، ويتعرضون لظروف قاسية مثل الحرائق المتكررة التي تضرب هذه الأماكن، وآخرها يوم الأحد 19 أبريل الجاري، في بلدة لوثينا ديل بويرتو.

التهمت النيران 30 كوخًا، كان يعيش فيها ما لا يقل عن 50 عاملًا يمتلكون الوثائق اللازمة لتسوية أوضاعهم، وقالت منظمة “كفاح عاملات هويلفا”، (Jornaleras de Huelva en Lucha): “جوازات السفر، وشهادات السوابق العدلية، ووثائق الهشاشة… كل شيء اختفى، ومعه فرصة الاستفادة من هذا المسار، إذ من المستحيل إعادة استخراجها قبل 30 يونيو، وهو آخر أجل لتقديم الطلبات”. 

المتحدثة باسم المنظمة غير الحكومية، آنا بينتو، في حديثها لـ”هوامش”، تلخص الوضع بجملة واحدة “النار أحرقت حياتهم”.

ومن بين المتضررين، وفق ما تؤكده بينتو، عاملة في جني الفراولة فقدت وثائق تمت الموافقة عليها سابقًا لجمع شملها مع ابنتها، ذات التسع سنوات، الموجودة حاليًا في المغرب. ونددت المنظمة التي تتحدث باسمها بينتو بعدم حضور أي إدارة رسمية إلى موقع الحريق. 

ويقول الناشط الإسباني خوان روميرو: “إنه وضع مؤسف يجب التعامل معه بشكل عاجل”، فيما تؤكد بيبا سواريث من الجمعية متعددة الثقافات في مازاغون: “لا يمكننا التطبيع مع فكرة أن ربحية الفراولة تعني بؤس العمال”.  وتضيف: “على الإدارات والقطاع الخاص إيجاد حل”.

صعوبات في ألميريا

في الطرف الآخر من الأندلس، في ألميريا، ينتظر عشرات الآلاف من العمال المهاجرين، خصوصًا في القطاع الزراعي، تسوية أوضاعهم أيضًا. لكن الإدارات هناك تواجه صعوبات في تلبية العدد الكبير من الطلبات.

وقد أغلقت جمعية Almería Acoge أبوابها يوم الثلاثاء الماضي، لعجزها عن استقبال آلاف الأشخاص الذين كانوا ينتظرون أمام مقرها. ويوضح رئيسها خوان ميراييس أنه “لا توجد منظمات كافية لإصدار شهادات الهشاشة”، منتقدًا ضعف تعاون الخدمات الاجتماعية والبلدية.

ويضيف ميراييس أن العديد من البلديات ترفض إصدار هذه الشهادات “رغم أنها من واجباتها”. ومن المرتقب أن تستأنف الجمعية عملها لاستقبال طالبي الشهادات.

من جهتها، ذكّرت منظمة “Fundación Almería Tierra Abierta” المجتمع المحلي بأن عملية التسوية ستسمح “للعديد من المهاجرين الذين يعيشون ويعملون بالفعل في إسبانيا بتحسين جودة حياتهم”، وهو ما يعد “أمرًا إيجابيًا جدًا للمجتمع ككل”.

اليمين المتطرف.. التسوية وقود للانتخابات 

من جهة أخرى، بدأ التوظيف الانتخابي للتسوية، من طرف اليمين المتطرف في كلتا المقاطعتين (هويلفا وألميريا)، حيث يتمتع اليمين المتطرف بحضور قوي، ومن المتوقع أن يشكل محورًا أساسيًا في الحملات الانتخابية. ففي انتخابات الأندلس لعام 2022، صوّت 12.76 بالمائة من سكان هويلفا لحزب “فوكس Vox”، مقابل 20.72 بالمائة في ألميريا. 

أما في الانتخابات العامة لعام 2023، فقد ارتفعت النسبة إلى 21.28 بالمائة في ألميريا و14.64 بالمائة في هويلفا. وفي بلدات زراعية مثل لوثينا ديل بويرتو وإل إيخيدو، أصبح الحزب القوة الثانية متقدمًا على الحزب الاشتراكي.

ولم يفوّت الحزب الأسبوع الأول من عملية التسوية دون استغلاله انتخابيًا بخطاب معادٍ للهجرة، حيث ربط مرشحه في هويلفا بين التسوية والضغط على الخدمات العامة وانعدام الأمن، قائلاً إن “الفئات الأكثر فقرًا هي من ستدفع ثمن التسوية الجماعية”.

كما صرّح مرشح الحزب لرئاسة الحكومة الإقليمية، مانويل غابيرا، من معقله في إل إيخيدو، بأن الأندلسيين “سيتحملون تبعات التسوية”، مروجًا لمزاعم مثل “قدوم المزيد من الناس، وقلة المساكن، وارتفاع الأسعار”، أو غياب “أبناء البلد” من المستفيدين من السكن الاجتماعي.

في المقابل، تخشى أحزاب اليسار من أن يمنح هذا الخطاب دفعة للحزب اليميني في الانتخابات المقبلة. وصرّح مرشح “أديلانتي أندلوسيا” بأن “معارضة التسوية الجماعية تعني معارضة الديمقراطية”. بينما أكد زعيم “بور أندلوسيا”، أنطونيو مايلو، أن “التسوية تعني منح الكرامة لمن هم جزء من المجتمع الأندلسي”.

أما رئيس الحكومة الإقليمية الحالي، خوانما مورينو، فقد اختار موقفًا حذرًا، متجنبًا انتقاد العملية بشكل مباشر، على خلاف بعض قيادات حزبه، في محاولة للحفاظ على صورته كسياسي “معتدل” والابتعاد عن مواقف حزب “فوكس”.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتقاطع معاناة آلاف العمال المهاجرين مع حسابات السياسة وخطاباتها المتباينة، بين من يرى في التسوية مدخلًا للكرامة والاستقرار، ومن يوظفها وقودًا للصراع الانتخابي، خصوصًا من قبل حزب “فوكس”. 

وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأبرز أن هؤلاء العمال يشكلون جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وأن ضمان حقوقهم ليس فقط واجبًا إنسانيًا، بل ضرورة لبناء مجتمع أكثر عدلًا وتوازنًا. 

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram