“هوامش”: متابعة
في نهاية الأسبوع الماضي، انتقل الجدل إلى مستوى آخر حيث تم سحب الفيلم من القاعات السينمائية، الأمر الذي يعيد للواجهة أسئلة حول شروط العرض داخل السينما المغربية، ويفتح نقاشا حول حدود حرية الإبداع والفن، وجدوى تحديد شروط العرض وبشكل خاص فيما يرتبط بالفئة العمرية المسموح لها بمشاهدة بعض الأفلام.
عنوان مزعج
في تقرير سابق على منصة هوامش، تناولنا الجدل المثار حول فيلم “المطرود من رحمة الله”، “Thank You Satan”، منذ بداياته، وكيف تطور من القراءات والانتقادات المختلفة إلى نقاش عمومي رافقته مواقف وانطباعات متباينة. غير أن هذا النقاش، الذي انطلق في سياق تقييم الفيلم، سرعان ما امتد ليشمل مسار عرضه داخل القاعات السينمائية.
بعد مرور أسبوعين على انطلاق عرضه في القاعات السينمائية، منذ يوم 8 أبريل 2026، في مدن كبرى مثل دار البيضاء، والرباط، ومراكش، وطنجة.. وفي مختلف مراكز المعهد الفرنسي بالمغرب، أصبح فيلم ”المطرود من رحمة الله”، لهشام العسري “مطرودا” من القاعات السينمائية، إذا تم سحبه من هذه القاعات السينمائية، وبات خارج برمجتها، وسط سجال عمومي رافق الفيلم منذ الإعلان عنه.
وكشف المخرج والكاتب هشام العسري، في تصريح خص به منصة “هوامش”، أن سحب العمل من القاعات ”جاء بعد نقاشات مرتبطة بعرضه، حيث واجه منذ الأيام الأولى لعرضه في القاعات السينمائية سلسلة من التحديات، بدأت بطلب مباشر لتغيير عنوانه الإنجليزي ‘Thank You Satan’ بدعوى أنه ‘مزعج’، وهو ما رفضته بشكل قاطع”، مؤكدا أن العمل السينمائي له قدسيته، ولا يمكن المساس بمكوناته الأساسية، سواء تعلق الأمر بالعنوان أو بالمحتوى”.
ورغم الجدل الذي رافق الفيلم، شدد العسري على أن فيلمه ”المطرود من رحمة الله”، قد ” استوفى جميع الشروط القانونية، إذ حصل على ترخيص من المركز السينمائي المغربي مع تصنيف (ممنوع لمن هم دون 16 سنة)، إضافة إلى أن الفيلم حظي بدعم مؤسسات وازنة كالتلفزة المغربية باعتبارها منتجا مشاركا”.
دعوات “ديموقراطية” لمنع الفيلم
لم تكن “جمعية ربيع السينما”، وحدها من أعلنت رفضها للفيلم بدعوى المساس بالأخلاق العامة، بل انضمت إليها ”الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان”، التي أصدرت بيانا استنكاريا بتاريخ 17 أبريل 2026، وصفت فيه المقطع الترويجي بأنه يتضمن “مشاهد إباحية صادمة تتنافى مع الثوابت الدينية والأخلاقية والاجتماعية”.
وقد حرصت الهيئة في بيانها على أن تبدي موقفا مركبا، إذ أقرت من حيث المبدأ بأن حرية الإبداع والفن حق دستوري، غير أنها اعتبرت أن هذا الحق لا يجيز “التعدي على الثوابت الأخلاقية، أو ترويج مشاهد إباحية تستهدف هدم القيم الأسرية”، مستندة إلى الفصلين 483 و503-2 من القانون الجنائي المغربي، المتعلقَيْن بالإخلال العلني بالحياء ونشر المواد الإباحية.
وذهب بيان الجمعية الحقوقية، إلى أبعد من مجرد موقف أخلاقي، حين اعتبر أن المطالبة بانتظار عرض الفيلم كاملا قبل إصدار الحكم عليه “ليست إلا مغالطة مكشوفة للالتفاف على القانون”، وهو موقف يكشف جوهر الإشكال، في محاكمة عمل فني استنادا إلى مقطعه الترويجي لا إلى الفيلم ذاته.
وطالب البيان كافة الجهات المسؤولة والرقابية بالتدخل العاجل لوقف عرض الفيلم ومنع ترويجه، مع توجيه دعوة صريحة للمنتجين والمبدعين إلى “استلهام أعمالهم من عمق الهوية المغربية الأصيلة”، محذرا مما وصفه البيان بـ”فخ التقليد الأعمى للسينما الأوروبية”.
حقوقيون في مواجهة حقوقيين
في المقابل، لم يخل المشهد من أصوات مغايرة داخل الحقل الحقوقي نفسه، حيث برزت مواقف داعمة للفيلم، كان من بينها موقف ”جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان”، التي أصدرت بيانا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، اتخذ منحى مختلفا عن ردود الفعل السالفة.
عبرت الجمعية عن استغرابها العميق، إزاء الدعوات الصادرة عن بعض الجمعيات للمطالبة بمنع عرض الفيلم، مسجلة أن إصدار بيانات لمنع عمل فني لم يشاهده أصحابها في شكله الكامل أمر مستغرب، وأن ثمة خلطا واضحا بين مجالات السينما، والتلفزيون، والإعلام، والقانون الجنائي، وهو ما لا يشكل أساسا سليما لتقييم الأعمال الفنية.
ولم تكتف الجمعية بالانتقاد، بل استحضرت المرجعية الدستورية، مذكرة بأن الفصل 25 يضمن حرية الإبداع والفصل 26 يكفل الحق في الولوج إلى الثقافة، معربة في الوقت ذاته عن أسفها لكون بعض الخطابات التي تتبنى الدفاع عن حقوق الإنسان تنزلق أحيانا نحو ممارسات تقيّد هذه الحقوق عبر تأويلات ذاتية.
وخلصت الجمعية إلى أن تطور المجتمعات يقاس بحيوية إنتاجها الثقافي، وأن دعوات المنع لا تؤدي إلا إلى إفقار النقاش وعرقلة الديناميات الإبداعية، داعية إلى بناء سياسات عمومية دامجة تتيح للجميع الولوج إلى الأعمال الفنية وتعزز حوارا ديمقراطيا تعدديا.
رقابة اقتصادية
أشار هشام العسري في حديثه لمنصة “هوامش” إلى ما سماه “الرقابة الاقتصادية”، حيث ”يتم إقصاء الأفلام الجادة بطرق غير مباشرة، عبر برمجتها في توقيتات غير ملائمة، مثل الصباح الباكر أو الساعات المتأخرة من الليل، مع استثنائها من عروض نهاية الأسبوع التي تشهد إقبالا جماهيريا”.
واعتبر المخرج أن ”الموزعين يشكلون العقبة الأكبر أمام تطور السينما المغربية”، معتبرا أنهم “يفتقرون للشجاعة الأدبية، ولا يلتزمون بإعادة المستحقات المالية للمخرجين، مما يضع صناع الأفلام في دوامة من المشاكل المادية والقانونية التي تهدد استمرارية الإنتاج السينمائي المستقل”.
لم تقف انتقادات العسري عند حدود التوزيع، بل شملت حتى مسيري القاعات السينمائية الذين وصفهم ”بأنهم يركزون على الربح المادي السريع على حساب القيمة الفنية، متجاهلين المساعدات التي يتلقونها من الدولة لترميم القاعات مقابل شرط عرض الإنتاجات الوطنية”.
وأوضح صاحب فيلم “المطرود” أن”هناك تفضيلا واضحا للأعمال الكوميدية الهزلية المستنسخة عن تجارب أجنبية، والتي توجه فقط للاستهلاك العائلي البسيط، مما يساهم في تكريس نوع من الأمية السينمائية التي تهمش دور المخرج والكاتب وتركز فقط على النجوم، وهو ما يدفع بسينما المؤلف إلى هامش يفتقر لأدنى مقومات الحماية والتقدير”.
وفي مواجهة فرضية ضعف الإقبال على “المطرود من رحمة الله”، قدم المخرج معطيات مغايرة، مستندا إلى جولة عروض نظمها الفيلم داخل معاهد ثقافية بعدد من المدن، حيث أكد أن ”القاعات كانت ممتلئة وأن بعض الحضور لم يتمكنوا من الولوج بسبب الاكتظاظ، ما يعكس وجود جمهور مهتم بهذا النوع من الأعمال، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول أسباب حرمانه من مشاهدتها داخل القاعات السينمائية”.
وخلص المخرج في حديثه إلى ضرورة “فتح حوار وطني شامل، حول مستقبل السينما في المغرب، يتطرق بجدية إلى أهلية المسيرين وكفاءتهم، ويوفر آليات حقيقية لحماية الفنانين وأعمالهم من الإقصاء والمزاجية”. كما دعا إلى ”حماية الفيلم المغربي من القرصنة التي تصبح الملاذ الوحيد للمشاهد في ظل التضييق على القاعات، مؤكدا أن المخرج المغربي الذي يحصد الجوائز والتقدير في المهرجانات الدولية يستحق أن يجد في وطنه بيئة حاضنة تقدر إبداعه، بدل أن يواجه سياسات الإقصاء التي تقتل روح الفن السابع”.
سياسة أصحاب القاعات
في خضم هذا التباين في المواقف، يقدم الناقد السينمائي المغربي، عبد الكريم واكريم، قراءة مغايرة تنقل النقاش من دائرة الجدل الأخلاقي إلى منطق اشتغال القاعات السينمائية، وقال في تصريح لمنصة “هوامش” إنه لا يظن أن سحب فيلم “المطرود من رحمة الله” من القاعات السينمائية التجارية المغربية، بعد أسبوعين فقط من بداية عرضه، كان بسبب ما أثير حوله من ضجة ودعوات للمنع، “لكن لأن سياسة أصحاب القاعات تنبني على ضرورة الربح الآني السريع، بحيث يظن أصحابها أن الفيلم الذي يستحق العرض لأسابيع كثيرة هو ذاك البسيط والذي يخلو من كل شيء يجعله يوصف بالفني والجميل” يؤكد واكريم.
ويضيف واكريم: ”هكذا نشاهد أشباه أفلام كوميدية تتجنى على الكوميديا وعلى الفن، وهؤلاء هم من يساهمون في تبليد الذوق وسيادة الرداءة سينمائيا في المغرب، بحرمان أفلام تتوفر على الحد الأدنى من الجودة الفنية من فرصة وصولها لجمهورها المفترض”.
ويشير عبد الكريم واكريم إلى أن “هناك أزمة في التلقي عموما، تتسبب في هوة هائلة بين العمل السينمائي، وعينة مهمة من المشاهدين المغاربة. إذ إن هناك سوء فهم كبير بخصوص تذوق الفن في المغرب، تغذّيه نزعات ذات توجه يعادي الفن عموما، والصورة بصفة خاصة، يستند إلى خلفية ذات مرجعية دينية متشددة”.
وبحسب الناقد واكريم فإن ”الحديث عن هوية خاصة بالسينما المغربية أمر جد معقد، ويتطلب دراسات معمقة مدعومة بأمثلة من أفلام ومسارات مخرجين ومخرجات، ولن يكفي جواب آني وسريع ليوفيها حقها، لكن عموما وكانطباع لحظي أظن أن بعض المخرجين والمخرجات قد استطاعوا أن يؤسسوا لهوية ذاتية، أولا في أفلامهم، وثانيا لهوية قد نصفها بأنها مغربية، في انتظار أن تظهر صناعة سينمائية مغربية حقيقية ذات هوية واضحة”.
ماذا تقول الأرقام؟
حسب موقع سوشيال بليد socialblade تعكس المعطيات الرقمية الخاصة بالصفحة الرسمية للمخرج هشام العسري، والتي تضم أزيد من 157 ألف مشترك، حضورا متزامنا مع انطلاق عرضه في القاعات السينمائية، إذ بلغت المشاهدات ذروتها يوم 8 أبريل بحوالي 3,354 مشاهدة، قبل أن تسجل ارتفاعا آخر يوم 14 أبريل بحوالي 3,462 مشاهدة، قبل أن يعود المنحنى إلى مستويات أقل في الأيام الموالية.
وعلى مستوى التفاعل الممتد، فقد سجلت القناة زيادة في حدود 1,000 مشترك خلال 30 يوما، وبشكل عام، توحي هذه الأرقام بأن يوم عرض الفيلم مثل لحظة ذروة رقمية واضحة، سواء على مستوى عدد المشتركين أو المشاهدات، غير أن هذا التفاعل لم يتحول إلى توسع كبير أو طويل الأمد، بل بقي محكوما بزمن الجدل وبدايات العرض داخل القاعات.
في حين تكشف بيانات Google Trends، عن حجم الاهتمام الحقيقي بفيلم “المطرود من رحمة الله”، في الويب العام، وهو ما لا تقوله الضجة الإعلامية؛ فخلال الفترة الممتدة ما بين مارس وأبريل 2026، سجل مصطلح “المطرود من رحمة الله” ذروته القصوى على مؤشر البحث، وتحديدا يوم 8 أبريل، وهو اليوم الذي انطلق فيه العرض الرسمي بالقاعات، ليبلغ 100 نقطة، وهو السقف الأقصى الذي يمنحه المؤشر. غير أن هذه الذروة لم تدم سوى يوم أو يومين، قبل أن ينهار المنحنى بشكل شبه تام، ليعود إلى مستويات هامشية كأن شيئا لم يكن.
والأكثر دلالة أن اسم مخرج الفيلم، هشام العسري، لم يبلغ ذروته إلا يوم 27 أبريل، وهو التاريخ الذي تزامن مع انتشار خبر سحب الفيلم من القاعات. نفس الأمر حصل على محرك البحث على منصة يوتيوب، حيث إن الذروة القصوى (100 نقطة) سجّلت يوم 27 أبريل، وهو يوم انتشار خبر سحب الفيلم من القاعات. وهذا يعني أن الناس لم يبحثوا عن الفيلم على يوتيوب لمشاهدة محتوى عنه إلا حين سحب من القاعات، وهذا يعني أن المنع صنع الفضول أكثر مما صنعه العرض.