الرئيسية

سنغاليون مفرج عنهم يحكون.. هكذا انقلبت ليلة الكأس إلى كابوس 

لم تنتهِ قصة نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 مع صافرة الحكم، بل امتدت إلى ما بعد المدرجات، حيث تحوّلت لحظات التوتر في ملعب الرباط إلى مسارات قضائية، وتجارب إنسانية قاسية. فما بين شغف التشجيع وحدود القانون، وجد عدد من المشجعين السنغاليين أنفسهم في قلب أحداث عنف انتهت بالاعتقال والمحاكمة.

“هوامش”

بعد ثلاثة أشهر خلف القضبان، يعود بعضهم اليوم إلى الواجهة، حاملين روايات تكشف جانبًا آخر من تلك الليلة، حيث يتقاطع سوء الفهم مع الضغط الجماهيري، وتتشابك الوقائع بين الرواية الأمنية وشهادات من عاشوا التجربة. 

الخروج من السجن  

يوم السبت 18 أبريل الجاري، أُفرج عن ثلاثة مشجعين سنغاليين كانوا معتقلين في المغرب منذ نهائي كأس إفريقيا للأمم، بعد قضائهم عقوبة حبسية مدتها ثلاثة أشهر، بتهمة تورطهم في أعمال الشغب التي شهدتها المباراة التي أُقيمت في الرباط يوم 18 يناير. 

وجرى استقبالهم يوم السبت الماضي، من طرف ممثلين عن السفارة السنغالية فور خروجهم من السجن، قبل عودتهم إلى بلدهم.

ووُجّهت إلى المشجعين تهمة “التخريب”، وهي توصيف قانوني يشمل، وفق المعطيات القضائية، أعمال عنف ضد قوات الأمن، وإلحاق أضرار بمرافق رياضية، واقتحام أرضية الملعب، إضافة إلى رشق مقذوفات. 

وفي الوقت الذي غادر فيه الثلاثة السجن، مازال 15 مشجعًا سنغاليًا آخر يقضون عقوبات سجنية تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بعد أن تم تأكيد الأحكام في مرحلة الاستئناف. 

شهادات من وسط التجربة

في تصريحات إعلامية لهم عقب عودتهم إلى السنغال، قدّم المشجعون الثلاثة؛ إبراهيم ديوب، وعزيز واد، وعبدولاي دياني؛ روايتهم لما جرى داخل مدرجات الملعب، ثم خلال فترة اعتقالهم في سجن “العرجات” بالرباط. 

ونقلت صحيفة “لو أوبسرفاتور” هذه الشهادات، التي ركّزت بشكل أساسي على مسألة “سوء الفهم اللغوي”، باعتبارها أحد العوامل التي ساهمت في تصاعد التوتر.

عبدولاي دياني، الذي أُوقف بعد زميله إبراهيم ديوب، قال إنه كان شاهدًا مباشرًا على لحظة الاعتقال: “تم توقيفي بعد إبراهيم ديوب. كنت في المدرجات لحظة اعتقاله، ورأيت كيف تم رفعه عن الأرض. حاولت التدخل وفتح حوار، خاصة أننا كنا محاطين بعناصر أمن سنغاليين ومغاربة”.

“لكن سرعان ما برزت صعوبة في التواصل، إذ كان بعض المشجعين لا يتحدثون سوى الولوف،(اللغة المحلية للسينغال)، بينما كان عناصر الشرطة يعتمدون أساسًا العربية”، يوضح عبدولاي.

ويضيف دياني أن هذا الحاجز اللغوي أدى، بحسب تقديره، إلى سوء تقدير للوضع: “أعتقد أن أغلب ما وقع كان نتيجة سوء فهم. تم تفسير تحركاتنا على أنها محاولة لاقتحام أرضية الملعب احتجاجًا على ضربة جزاء، وهو أمر لم يكن صحيحًا. كما أن المقاعد في المدرج كانت ثابتة، ولم يكن هناك ما يشير إلى نية التخريب المسبق”.

كما أشار إلى أن الشرارة الأولى للفوضى ارتبطت بحادثة عرضية داخل المدرجات، حين وقع احتكاك مع أحد أعوان التنظيم، ما أدى إلى تصاعد التوتر بشكل سريع.

من جانبه، ركّز إبراهيم ديوب على الجانب النفسي للتجربة، واصفًا فترة الاعتقال بأنها كانت “شديدة الصعوبة”: “مررنا بلحظات قاسية للغاية، وكدنا ننهار نفسيًا في بعض الأحيان. التفكير في العائلة كان حاضرًا باستمرار، إلى جانب القلق من تداعيات ما حدث”.

وأضاف أن ما زاد من ثقل التجربة هو استحضاره لطبيعة العلاقات بين البلدين: “كنت أفكر في الروابط التي تجمع السنغال والمغرب، خصوصًا البعد الروحي المرتبط بالطريقة التيجانية. تساءلت إن كان ما نعيشه قد يؤثر على هذه العلاقات. ومع ذلك، حاولنا التماسك، وطمأنة عائلاتنا بأننا بخير”.

وتعكس هذه الشهادات رواية المشجعين لما جرى، والتي تركز على عنصر الارتباك وسوء الفهم، في مقابل الرواية القضائية التي صنّفت الأحداث ضمن أعمال شغب وتخريب. وبين الروايتين، تبقى الوقائع محل تأويل متعدد، خاصة في سياق مباراة نهائية اتسمت أصلًا بتوترات رياضية وجماهيرية كبيرة.

ورغم الإفراج عن بعض الموقوفين، مازالت تبعات هذه القضية مستمرة، في ظل استمرار تنفيذ أحكام بحق مشجعين آخرين، ما يجعل من هذه الواقعة واحدة من أبرز تداعيات نهائي “كان 2025” خارج المستطيل الأخضر.

علاقات دينية وسياسية متينة 

تتميّز العلاقات بين السنغال والمغرب بعمقها التاريخي وتعدّد أبعادها، حيث تتداخل فيها الروابط الدينية مع التعاون الأكاديمي والاقتصادي والدبلوماسي، في نموذج يُستشهد به داخل الفضاء الإفريقي.

في قلب هذه العلاقة، يبرز البعد الصوفي بوصفه أحد أقوى محدداتها؛ فالطريقة التيجانية، التي ذكرها المشجع السينغالي المفرج عنه، إبراهيم ديوب؛ هي واحدة من أبرز الطرق الصوفية في غرب إفريقيا، حيث شكّلت على مدى قرون جسرًا روحيًا متينًا بين البلدين. 

وتأسست هذه الطريقة على يد الشيخ أحمد التيجاني، قبل أن تستقر في مدينة فاس سنة 1757، حيث تحوّلت إلى قبلة روحية يقصدها المريدون السنغاليون بشكل مستمر. وما تزال هذه الرحلات الروحية، التي تأخذ طابع “الزيارة” أو “الزيارات السنوية”، تشكّل أحد مظاهر الحضور السنغالي في المغرب.

كما أن للزوايا التيجانية في السنغال، خاصة في مدن مثل تيواون وكولخ، ارتباطًا وثيقًا بالمراكز الروحية في المغرب، ما يعزز شبكة من العلاقات العابرة للحدود تقوم على البيعة الروحية، والتبادل الديني، والتعليم الصوفي. 

وساهمت هذه الروابط في ترسيخ نوع من “الدبلوماسية الروحية” أو “الدينية” غير الرسمية، التي ظلت فاعلة حتى في فترات التوتر السياسي، وأسهمت في الحفاظ على استمرارية العلاقة بين الشعبين.

إلى جانب ذلك، تتعزز هذه الصلات عبر التعاون الأكاديمي، حيث يستقبل المغرب آلاف الطلبة السنغاليين، ما يجعلهم من أكبر الجاليات الطلابية الأجنبية، في حين تستقطب الجامعات السنغالية عددًا من الطلبة المغاربة، خصوصًا في تخصصات الطب والصيدلة، في إطار تبادل معرفي متنامٍ.

أما على المستوى الاقتصادي والدبلوماسي، فقد شهدت العلاقات الثنائية دينامية متسارعة خلال العقد الأخير، تُرجمت في استثمارات متبادلة واتفاقيات تعاون متعددة. 

ويُعدّ اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء السنغالي، عثمان سونكو، بنظيره المغربي، عزيز أخنوش، بالرباط، يوم 26 يناير 2026، محطة مفصلية، حيث تم توقيع اتفاقيات جديدة تعكس رغبة مشتركة في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وبذلك، تبدو العلاقة بين السنغال والمغرب أكثر من مجرد تعاون ثنائي تقليدي؛ إذ إنها علاقة تتقاطع فيها الروحانية بالمصالح، والتاريخ بالراهن، في صيغة مركبة تمنحها خصوصية داخل المشهد الإفريقي.

ورغم الإفراج عن بعض المتورطين، واستمرار تنفيذ عقوبات في حق آخرين، فإن تداعيات النهائي تجاوزت حدود الرياضة، لتفتح نقاشًا أوسع حول تدبير المباريات الكبرى، وحدود الأمن الجماهيري، ودور التواصل في لحظات التوتر، والعاطفة التي قد تتحول إلى عنصرية أحيانا. 

وهكذا، لا تبدو صافرة النهاية في ذلك النهائي إغلاقا للحدث، بل بداية لملف ما زال يُكتب خارج المستطيل الأخضر، حيث تختلط كرة القدم بالعدالة والسياسة والذاكرة الجماعية. 

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram