الرئيسية

“طوابير الأمل”.. مغاربة إسبانيا يتسابقون نحو باب قد لا يُفتح مرتين

في برشلونة، وألميريا، وغيرها من المدن الإسبانية التي تتوفر على قنصليات مغربية، يشهد محيط مقرات المصالح القنصليةتوافدًا كبيرًا للمغاربة، تزامنًا مع دخول مسار التسوية الاستثنائية للمهاجرين غير النظاميين حيّز التنفيذ. طوابير يومية تتشكل منذ الصباح الباكر أمام القنصليات، فيما تشير التقديرات إلى أن عشرات الآلاف من المغاربة؛ بين نصف مليون مهاجر غير نظامي على مستوى إسبانيا، قد يستفيدون من هذا المسار، في ظل حضور مغربي بارز يشكل ركيزة اقتصادية وديمغرافية في البلاد.

“هوامش”: 

يستمر تجمّع العشرات من المغاربة في محيط مقر القنصلية المغربية، في مدينة ألميريا الإسبانية، أعداد كبيرة من الراغبين في تسوية أوضاعهم تتوافد على شارع البحر الأبيض المتوسط، حيث ينتظرون دورهم منذ الساعات الأولى من الصباح. 

يتزامن هذا الارتفاع في عدد المراجعين مع صدور المرسوم الملكي الإسباني، الذي سيؤطر مسار التسوية الجماعية للمهاجرين غير النظاميين، والذي نشر في الجريدة الرسمية الإسبانية (BOE) يوم الأربعاء الماضي.

وبحسب ما كشفت عنه وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة، إلما سايز، في مقابلة مع إذاعة “كادينا سير”، فإنه سيكون بالإمكان تقديم الطلبات إلكترونيًا، ابتداءً من يوم الخميس 16 أبريل، وبالحضور الشخصي ابتداءً من يوم الإثنين 20 أبريل الجاري، ضمن فترة تمتد إلى غاية 30 يونيو.

تدفق كبير 

سُجِّل أكبر تدفّق خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، رغم أن بعض الأشخاص كانوا يرافقون أفرادًا من عائلاتهم، أو أصدقاءهم، ولم يحضروا لإنجاز الإجراءات بأنفسهم. كما استمر توافد المرتفقين الثلاثاء الماضي أيضًا على محيط مقر القنصلية المغربية، حيث انتظر عشرات المغاربة دورهم للحصول على وثائقهم الخاصة بملف التسوية.

التقينا ياسين، 26 سنة، وهو يقيم في مدينة ألميريا منذ عامين، بعد قدومه مع عائلته من المغرب، وقد قصد القنصلية لأول مرة على الساعة الثامنة والنصف من صباح الثلاثاء 14 أبريل الجاري. هذا الشاب، الذي يعمل في مطعم خلال أشهر الصيف، ويزاول أعمالًا موسمية متفرقة، توجه إلى القنصلية بعدما أكملت عائلته كافة الإجراءات، وأخبرته أنه “يجب الإسراع للقيام بها”.

ويعكس هذا الإقبال المتواصل من المغاربة، وضمنهم من يقصدون ألميريا من مقاطعات أخرى في جنوب شرق إسبانيا بسبب سرعة هذه القنصلية، الحاجة إلى جمع الوثائق التي تطلبها الحكومة الإسبانية. إذ تشترط القواعد الجديدة، من بين أمور أخرى، إثبات إقامة متواصلة في إسبانيا لمدة خمسة أشهر قبل تقديم الطلب، وعدم التوفر على سوابق عدلية.

وأمام هذه التجمعات، تطالب القنصليات من المرافقين تجنب الازدحامات، كما ورد في إعلان صادر عن القنصلية المغربية في فالنسيا، أبلغت فيه المواطنين الذين “سبق لهم التقدم بطلب الحصول على شهادة السوابق” في الأسبوع الأخير من شهر مارس، أنه يمكنهم سحبها إبتداءاً من يوم السبت 18 أبريل الجاري، دون موعد مسبق. وعلى هذا النحو سارت أغلب إعلانات القنصليات المغربية في عموم التراب الإسباني. 

ولكن رغم هذه التوجيهات، يبقى الواقع الميداني أكثر تعقيدًا، حيث يدفع الخوف من ضياع الفرصة العديد من الأشخاص إلى التوجه باكرًا، وأحيانًا قبل اتضاح جميع الشروط النهائية.

ومن جهته دعا نائب مندوب الحكومة المحلية في ألميريا، خوسي ماريا مارتين، الثلاثاء الماضي، إلى “الهدوء”، موضحًا أن “الغالبية الساحقة من ملفات الهجرة تُنجز بشكل إلكتروني”، لذلك نصح بعدم التوجه فورًا للاصطفاف في الطوابير. كما أعلن أنه سيتم توفير فضاءات لإيداع الطلبات حضوريًا بـ “مواعيد مسبقة”.

سباق مع الزمن 

على الساعة الثامنة والنصف صباحًا، كان ياسين قد حجز مكانه في الطابور أمام القنصلية، قبل أن تشتدّ حرارة الشمس ويطول الانتظار، لم يكن هو الأوّل، ولن يكون الأخير، لكن بالنسبة له، لم يكن هذا مجرد إجراء إداري، بل خطوة حاسمة في مسار بدأ قبل عامين، حين وصل إلى ألميريا رفقة أسرته، حاملاً أحلاما صغيرة بحياة أقل قسوة.

ولا يملك هذا الشاب ترف الانتظار الطويل، فهو يعمل صيفًا في مطعم، وفي باقي أشهر السنة يقتات من أعمال متفرقة، “رزقي يوم بيوم”، يقول لـ”هوامش”، بمعنى أنه لا يملك عقد عمل دائم، ولا استقرار، هي فقط محاولات مستمرة لتفادي البقاء خارج هامش الحياة.

حين أخبرته عائلته بأن عليه الإسراع إلى القنصلية، لم يناقش كثيرًا: “قالوا لي خاصك تمشي دابا، راه الفرصة جات”، يروي لـ”هوامش”، وهو يراقب حركة الناس على إيقاع المناداة على الأسماء. بالنسبة له، المسألة واضحة؛ إما أن يلتحق بالمسار، أو يظل عالقًا في منطقة رمادية، حيث العمل ممكن، لكن الحقوق مؤجلة.

خلفه في الطابور، وجوه تشبهه؛ نفس القلق، ونفس الأسئلة؛ “واش خرج القرار في الجريدة؟ شوفلي خويا واش هاد الوثائق كافية؟ هل سيفتح هذا الباب فعلًا؟ أم أن الأمر مجرد حلقة أخرى في مسلسل الانتظار؟”. 

أما بالنسبة لياسين، فلا تبدو الأسئلة كبيرة بقدر بساطة الحلم، “نخدم قانوني، ونعاون عائلتي، ونعيش بحالي بحال الناس”، هكذا يبوح لمنصة “هوامش”، جملة تختصر ما تعنيه التسوية بالنسبة لآلاف مثله، إنها ليست امتيازًا، بل بداية حياة عادية.

لكن الطريق إلى تلك الحياة العادية يبدأ من هنا، من عتبات القنصلية، من طابور طويل، ومن مسار بيروقراطي مازال أمامه، وغيره من الحالمين، لكي يصبحوا مهاجرين نظاميين. 

“السجل العدلي”.. الوثيقة الأكثر طلبًا 

رغم اختلاف الجغرافيا بين الجنوب الشرقي الإسباني والشمال الشرقي، فإن الإيقاع العام يبدو متشابهًا، إذ تمتد هذه الحركة اليومية كخريطة ضغط صامتة عبر عدد من القنصليات، مع تفاوت في الكثافة لا في طبيعة الانتظار نفسه؛ ففي برشلونة، لا يختلف الأمر كثيرا عن باقي المدن الإسبانية، هي ذات الطوابير وذات الملامح، والغاية واحدة، هنا وهناك يتبادل الجميع الحديث، ونظرات الأمل والتفاؤل تغشى الوجوه، وفي هذا المشهد اليومي، أمام القنصلية الواقعة في شارع بوجاديس، بحيّ سانت مارتي شرق المدينة؛ تتقاطع قصص مختلفة لكنها تحمل الحلم نفسه.

في ظهيرة يوم الجمعة، وفي طقس ربيعي مستقر، وبينما تتسلل خيوط شمس دافئة من بين المباني الشاهقة لتثقل الهواء بحرارة لافتة، يخرج مصطفى من باب القنصلية المغربية في برشلونة حاملًا وثيقة لم تكلفه سوى ثلاثة أوروهات، لكنها تحمل قيمة حاسمة لمستقبله؛ شهادة رسمية تثبت، بعبارة “لا شيء”، أنه لم يُسجَّل بحقه أي حكم أو جريمة في بلده خلال السنوات الخمس الماضية. 

الشاب البالغ من العمر 23 عاماً، والذي يعيش في وضعية غير نظامية، يأمل أن تكون هذه الورقة بداية مرحلة جديدة في حياته. يقول في حديثه لـ”هوامش”: “أنا سعيد جدًا، سأترجمها الآن، وأعتقد أنني أصبحت أتوفر على كل شيء، كل الوثائق المطلوبة جاهزة الآن”.

يعمل مصطفى حاليًا في مجال توصيل الطلبات في ظروف هشة، لكنه يطمح إلى ممارسة المهنة التي تلقى فيها تكوينه بالمغرب، فهو ميكانيكي دراجات نارية وهوائية.

تُعدّ شهادة السوابق العدلية، “السجل العدلي” وفق اسمها الرسمي، أو “حسن السيرة”، كما يطلق عليها العامة، من بين الشروط الأساسية في عملية التسوية الاستثنائية التي أقرّتها حكومة بيدرو سانشيز، كما تُعتبر من أكثر الإجراءات التي تثير قلق المهاجرين. ففي بعض القنصليات، قد تؤدي البيروقراطية أو التأخير إلى حرمان البعض من الاستفادة من هذه الفرصة. 

وفي حال تعذّر الحصول على هذه الشهادة، يمكن للمعني بالأمر تقديم ما يثبت أنه طلبها عبر القنوات الدبلوماسية؛ بعد تفويض وزارة العدل للحصول عليها من القنصليات؛ وهو ما قد يعلّق ملف طلب التسوية لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر.

ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الإشكال يؤثر بشكل كبير على الجالية المغربية في إسبانيا؛ وهي الأكبر عدداً (حوالي 1.1 مليون شخص من مواليد المغرب)، متقدمة على جاليتي كولومبيا وفنزويلا. في قنصلية المغرب ببرشلونة، تُستخرج هذه الشهادة حاليًا في مدة تتراوح بين أسبوعين وشهر، حسب شهادات عدد من المعنيين، وهو أجل يُعتبر مناسبًا بالنظر إلى أن آخر موعد لتقديم طلبات التسوية هو 30 يونيو المقبل.

وساهمت سرعة تحرّك العديد من المغاربة في تفادي الضغط، إذ يتوافدون منذ شهر فبراير، مباشرة بعد إعلان الحكومة عن القرار، على القنصلية لبدء الإجراءات، ما تسبب آنذاك في ازدحام كبير. وكان يونس من بين هؤلاء، يقول لنا: “قدّمت الطلب في مارس، وها أنا أحصل عليها اليوم أخيرًا”.

أما علي، المقيم في “تيراسا” ضواحي برشلونة، فقد جاء بدوره لاستلام شهادته، ويقول إنه يعمل بدون عقد في محل للجزارة، ويصف العمل غير المصرّح به بأنه “استغلال” يتسم بساعات طويلة وأجور ضعيفة. ويرى أن التسوية قد تتيح له الخروج من هذا الوضع، وتجنّب ما وصفه بـ”الاستغلال، سواء من طرف الإسبان أو حتى المغاربة”.

ولا تقتصر كلفة المسار على ثلاثة أوروهات فقط، إذ سيؤدي علي نحو 25 أورو مقابل الترجمة المحلّفة، إضافة إلى حوالي 300 أورو هي أتعاب المحامي. ورغم أن الاستعانة بمحامٍ ليست إلزامية، إلا أن كثيرين يفضلون ذلك لتفادي الأخطاء، “أفضل أن أدفع على أن أخاطر بنقص وثيقة”، يقول علي لـ”هوامش”.

حتى المتأخرون في تقديم الطلبات يبدون واثقين من الحصول على وثائقهم داخل الأجل، يقول شاب مغربي آخر يعمل في البناء: “قالوا لي إنها ستكون جاهزة خلال أسبوعين”، ومن أجل ذلك مدّدت القنصلية ساعات عملها، بما في ذلك عطلة نهاية الأسبوع، لتلبية الطلب المتزايد.

“خبر جيد” 

طالب نائب مندوب الحكومة في ألميريا، خوسي ماريا مارتين، بالتهدئة إزاء المشاهد التي تكررت في الأيام الأخيرة أمام القنصلية. وأكد في تصريحات للصحافة أن اعتماد مسار استثنائي لتسوية أوضاع الأشخاص المقيمين بالفعل في إسبانيا يُعد “خبرًا جيدًا”، مشيرًا إلى أنه سيمكن الكثيرين منهم من “ممارسة حقوقهم، وكذلك الوفاء بواجباتهم”.

كما دعا مارتين إلى انتظار نشر المرسوم في الجريدة الرسمية للاطلاع على جميع التفاصيل، مشددًا على أن “غالبية الإجراءات الإدارية تتم بشكل إلكتروني”، مؤكدا أن التوجه الفوري إلى الطوابير أو المرافق الإدارية “لن يكون ضروريًا في الوقت الحالي”.

وأضاف المسؤول الحكومي أنه سيتم أيضًا توفير نقاط لتقديم الطلبات حضوريًا، يُرجّح أن تكون في مدينة ألميريا، وذلك عبر نظام المواعيد المسبقة، داعيًا لمتابعة “القنوات الرسمية” للحصول على المعلومات، في إشارة إلى الموقع الإلكتروني للوزارة، ودليل الأسئلة والأجوبة الذي يُنتظر نشره لتوضيح الإجراءات وتفادي الشائعات أو المعلومات المغلوطة.

ويهدف هذا الإجراء الاستثنائي إلى تسوية أوضاع الأجانب المقيمين في وضعية غير نظامية، ممن كانوا متواجدين في إسبانيا قبل فاتح يناير 2026، ويثبتون إقامة متواصلة لا تقل عن خمسة أشهر، ولا يتوفرون على سوابق عدلية. وتشير بعض المعطيات غير الرسمية إلى أن ما بين 30 ألفًا و40 ألف مقيم في ألميريا قد يتم الاعتراف بوضعهم الإداري، بما يتيح لهم العمل والاستفادة من الحقوق الأساسية بشكل كامل. 

بين تنظيم الإقامة ومتطلبات الإدماج القانوني

تشكل التسوية الجماعية لوضعية الأجانب في إسبانيا، كما ورد في المرسوم الملكي الإسباني المنشور في الجريدة الرسمية، آلية استثنائية تهدف إلى إدماج فئات من المقيمين غير النظاميين داخل سوق العمل والنظام القانوني، وفق شروط محددة ومعايير دقيقة ترتبط بالإقامة والاندماج والوضع القانوني.

أولًا، يشترط المرسوم، الذي اطلعت عليه “هوامش”، إثبات الإقامة الفعلية والمتواصلة داخل التراب الإسباني قبل 1 يناير 2026، وهو تاريخ مرجعي أساسي لتحديد الفئة المستفيدة. ويُقصد بالإقامة الفعلية وجود الشخص داخل البلاد بشكل مستمر، وهو ما يتم إثباته عبر وثائق متعددة مثل شهادة السكن المسجلة في القوائم البلدية (empadronamiento)، أو عقود الكراء، أو الفواتير، أو أي وثائق إدارية أو اجتماعية تثبت الاستقرار الفعلي.

ثانيًا، يُطلب من المتقدمين إثبات مدة إقامة لا تقل عن خمسة أشهر على الأقل قبل تقديم الطلب، وهو شرط يهدف إلى التأكد من وجود الارتباط الواقعي بالمجتمع الإسباني وليس بمجرد وجود عابر أو مؤقت. ويُعد هذا الشرط من العناصر الأساسية التي تُميز هذه التسوية عن إجراءات أخرى تقليدية.

ثالثًا، يشترط المرسوم عدم التوفر على سوابق عدلية، سواء داخل إسبانيا أو في بلد الأصل. ويشمل ذلك الجرائم التي قد تعتبر خطيرة أو التي تمس النظام العام، حيث تُعتبر “النظافة الجنائية” شرطًا جوهريًا في أي طلب للتسوية، لما لها من ارتباط بمفهوم الأمن العام وسياسة الهجرة.

رابعًا، يُشترط أن يكون المتقدم في وضعية غير نظامية وقت تقديم الطلب، أي أنه لا يتوفر على تصريح إقامة ساري المفعول أو وضع قانوني مستقر. ويستهدف هذا الإجراء تحديدًا الأشخاص الذين يعيشون في الهامش القانوني، رغم وجودهم الفعلي داخل البلاد، ومشاركتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

خامسًا، ينص المرسوم على ضرورة توفر بعض مؤشرات الاندماج الاجتماعي أو الاقتصادي، حيث يكفي توفر عنصر واحد من بين عدة عناصر، مثل وجود عقد عمل أو عرض شغل، أو ممارسة نشاط مهني مستقل، أو وجود روابط عائلية داخل إسبانيا (كالأبناء أو الزوج/الزوجة أو أفراد معالين)، أو إثبات وضعية هشاشة اجتماعية تُثبت الحاجة إلى الحماية القانونية.

سادسًا، تتطلب العملية تقديم مجموعة من الوثائق الرسمية، من بينها جواز السفر (حتى وإن كان منتهي الصلاحية في بعض الحالات)، شهادة السكن، ما يثبت الاستقرار في إسبانيا، إضافة إلى سجل عدلي من البلد الأصل مترجم ومصادق عليه وفق الإجراءات القانونية المعتمدة. كما قد تُطلب وثائق إضافية حسب الحالة الخاصة بكل ملف.

سابعًا، فيما يتعلق بالآجال والإجراءات، فإن باب التقديم مفتوح من 16 أبريل إلى 30 يونيو المقبل، ويمكن إيداع الطلبات عبر المنصات الإلكترونية، أو من خلال مكاتب إدارية مع الالتزام بنظام المواعيد المسبقة في الحالات الحضورية. وتشير التقديرات الحكومية إلى أن هذه العملية ستشمل مئات الآلاف من الأشخاص على مستوى البلاد.

وأخيرًا، يمنح هذا الإجراء، في حال القبول، تصريح إقامة أولي لمدة سنة قابلة للتجديد، مع حق العمل والإدماج في سوق الشغل، ما يشكل تحولًا مهمًا في الوضع القانوني للمستفيدين، ويساهم في تقنين وجودهم داخل المجتمع الإسباني بدل بقائهم في وضعية غير مستقرة قانونيًا.

وبهذا الشكل، تمثل التسوية الجماعية محاولة لإعادة تنظيم واقع اجتماعي واقتصادي قائم بالفعل، عبر تحويل وجود غير نظامي طويل الأمد إلى وضع قانوني مندمج، ضمن شروط توازن بين متطلبات الدولة وواقع الهجرة. 

إثبات “الوضعية الهشة”

فاطمة، شابة مغربية، تعمل في مجال رعاية المسنين وفي مجال الطبخ في الوقت نفسه، وتأمل بدورها في تسوية وضعها وممارسة مهنتها الأصلية؛ وهي تدريس الأشخاص في وضعية إعاقة. 

تخبرنا فاطمة بابتسامة أمل، “بغيت نرجع للمجال ديالي الحقيقي”، موضحةً أن الظروف الإدارية والاجتماعية هي التي دفعتها للعمل في مهن بعيدة عن مجال تكوينها. 

في محيط القنصلية، يستمر تدفق المراجعين لكن دون تسجيل الازدحام الذي طبع الأسابيع الماضية، في مشهد يبدو أكثر هدوءاً وتنظيمًا مقارنة بالفترة السابقة؛ وفي المقهى المحاذي للقنصلية، يجلس الشباب المغاربة الذين أنهوا معاملاتهم في القنصلية، أو من ينتظرون رفيقا مازال داخلها، وهناك أيضًا من جاءوا ليستفسروا عن معلومات جديدة، خاصة موضوع “الوضعية الهشة”.

هذه العبارة يختصرها الجميع هنا بـ”الهشاشة”، حتى أصبحت موضوعا للتنكيت وللمزاح، هنا نسمع شابا ينادي على صديقه القادم “وفين أ الهشاشة”، بعد قليل يلتحق بهم علي، الذي يغادر القنصلية بملامح عابسة، وبرأسٍ منحنٍ مثقلٍ بالقلق.

أسامة، 21 سنة، شابٌ ريفي من الناظور، لم يمضِ على وجوده في إسبانيا سوى عام واحد فقط، مازال لا يتقن اللغة الإسبانية، يعبر عن تخوفه من مسألة إثبات “الوضعية الهشة”، وهو واحد من الشروط الأساسية في مسار التسوية والذي صار كابوسا بالنسبة لهؤلاء المهاجرين. 

يقول أسامة لـ”هوامش”، إن هذا الجانب بات “يشكل مصدر قلقي الرئيسي، أكثر من أي إجراء إداري آخر”، نظراً لصعوبة تقديم ما يثبت وضعه الهشّ في بلد جديد عليه، وما يزال يحاول التأقلم فيه.

وفي الوثيقة التي يحملها عليّ بين يديه، كتبت عبارة “لا شيء” بخط كبير، وهي عبارة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها بالنسبة له تحمل معنى أوسع بكثير، إذ تمثل بداية محتملة لحياة أكثر استقرارًا، وفرصة للخروج من الهشاشة القانونية والاجتماعية التي يعيشها منذ وصوله. 

أما “الوضعية الهشّة“، التي تربكه، فهي ليست مفهومًا قانونيًا مستقلًا بقدر ما هي توصيف اجتماعي، يُستخدم داخل مساطر تسوية وضعية المهاجرين، لتقييم درجة الاستقرار التي يعيشها الشخص داخل المجتمع. 

ويُقصد بها الحالات التي يكون فيها المهاجر في وضع معيشي غير مستقر، سواء من حيث العمل أو السكن أو الدخل أو الحماية القانونية، مثل العمل بدون عقد، أو الاعتماد على مداخيل غير ثابتة، أو غياب الاستقرار السكني، أو محدودية الاندماج في محيطه الاجتماعي. 

وفي هذا السياق، تُثبت “الوضعية الهشّة” عمليًا عبر تقرير اجتماعي تُعدّه مصالح البلدية أو هيئات مختصة، ويصف ظروف العيش والاندماج، ويُدرج ضمن ملف التسوية كعنصر يساعد الإدارة على تقدير الحاجة إلى تسوية الوضع القانوني. 

ولكن في مقابل هذا، يوضح أسامة أن “الإشكال لا يكمن في ملء الاستمارة، بل في صعوبة الحصول على المصادقة الاجتماعية”، والتي تُعد شرطًا أساسيًا للاستفادة من بعض الخدمات أو الدعم.

ويضيف أن “الأخصائية الاجتماعية لا تعتمد الوثيقة إلا بعد التحقق الميداني من الوضعية الاجتماعية للشخص، عبر زيارة المنزل للتأكد من ظروف العيش، أو اشتراط التسجيل في مركز إيواء في حالة التشرد”.

ويشير أسامة في حديثه لـ”هوامش” إلى أنه تلقى هذا التوضيح من إحدى العاملات في الصليب الأحمر، معتبرًا أن “المساطر المعتمدة تُعقّد الولوج الفعلي للمساعدة أكثر مما تُيسّره”. كما لفت إلى أن المواعيد تُمنح غالبًا بعد مهلة أسبوع فقط من أجل إيداع الملف، قبل الدخول في مرحلة انتظار جديدة لاتخاذ قرار بشأن قبول الحالة أو رفضها. 

وفي هذا السياق، قالت “الجمعية المغربية لإدماج المهاجرين”، عبر صفحتها الرسمية على منصة إنستغرام، إن ما يُعرف بـ”تقرير الهشاشة” يُعد من بين الوثائق الأساسية في مسار التسوية، إذ لا يكتمل الملف بدونه، باستثناء حالات محددة سبق توضيحها ضمن التوجيهات المرتبطة بالإجراء.

الجمعية التي سبق أن قدمت شرحًا لـ”تقرير الهشاشة” أكدت أنها تواكب المهاجرين خلال مختلف مراحل إعداد التقرير، وفق المعايير القانونية المعتمدة، من خلال “إجراء تقييم اجتماعي يهدف إلى توثيق الوضعية المعيشية لمقدّم الطلب، سواء على مستوى السكن أو العمل أو الاستقرار الاجتماعي”.

وبحسب توضيحات الجمعية، يتم “طلب التقرير عبر ملء استمارة إلكترونية، قبل أن يتواصل فريق مختص مع المعنيين لإجراء تقييم ميداني أو مقابلة اجتماعية، تُبنى على أساسها الوثيقة التي تُدرج ضمن ملف التسوية”.

المغاربة الأكثر حضورًا ضمن الأجانب

ضمن المهاجرين الذين ينتظرون التسوية، تُعدّ الجنسية المغربية الأكثر عددًا، إذ تمثل أكثر من 40 في المائة من إجمالي المقيمين الأجانب. وتُشكّل هذه الفئة دعامة أساسية لقطاع الفلاحة في ألميريا، وقطاعات أخرى منها النقل والبناء والتوصيل في برشلونة؛ كما تُعدّ المحرّك الديمغرافي الرئيسي في كثير من مناطق إسبانيا السياحية، حيث تساهم في تعويض تراجع عدد السكان المحليين.

وحاليًا، يشهد أكثر من نصف بلديات ألميريا نموًا سكانيًا بفضل الهجرة، وفي ثماني بلديات تتجاوز نسبة الأجانب 40 في المائة من إجمالي السكان.

وتعتبر الجالية المغربية الأكبر داخل إقليم كتالونيا، حيث يُقدَّر عدد المغاربة المقيمين هناك بأكثر من 200 ألف شخص، وهو ما يجعلهم أكبر جالية أجنبية في المنطقة من حيث العدد.  

وتتوقع الحكومة الإسبانية أن يستفيد نحو نصف مليون شخص في عموم البلاد من هذا المسار الاستثنائي، المستوحى من مبادرة تشريعية شعبية حظيت بدعم أكثر من 600 ألف توقيع. 

هذا، وتكشف حالة ياسين، وفاطمة، وعلي، وأسامة، والحالات المشابهة، في ألميريا وبرشلونة وغيرها من مدن إسبانيا، عن واقع يتجاوز مجرد الإجراءات الإدارية نحو سؤال أعمق يتعلق بموقع المهاجر داخل منظومة قانونية تتحرك بين الحاجة إلى التنظيم وضغط الواقع الاجتماعي والاقتصادي. 

فالتسوية هنا، وفق حقوقيين إسبان؛ ليست فقط مسارًا قانونيًا لتصحيح الوضعية، بل اختبارا لقدرة السياسات العمومية على تحويل الهشاشة إلى اندماج فعلي، بدل إبقاء آلاف الأشخاص في منطقة رمادية بين العمل والحماية.

وبين الطوابير الممتدة أمام القنصليات، والوعود المرتبطة بالمرسوم الجديد، يظلّ الأمل معلقًا على تنفيذ واضح وشفاف يضمن ألا يتحول هذا الإجراء الاستثنائي إلى مجرد محطة أخرى من الانتظار الطويل. أما ياسين، فيبقى نموذجًا لجيل كامل يراهن على فرصة واحدة كي ينتقل من واقع غير مستقر إلى حياة قانونية أكثر وضوحًا، حيث يصبح العمل حقًا معترفًا به لا مجرد ضرورة يومية للبقاء. 

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram