الرئيسية

“المطرود من رحمة الله” يثير الجدل.. هشام العسري لهوامش: الضجة سوء فهم لطبيعة أفلامي

قبل أن يتم عرضه في القاعات السينمائية، 8 أبريل 2026، سارعت "جمعية ربيع السينما"، إلى وضع شكاية لدى النيابة العامة، يوم 24 مارس 2026، على خلفية المقطع الترويجي لفيلم "المطرود من رحمة اللّٰه"، أو "Thank you Satan" بالانجليزية، بدعوى أن المقطع "إساءة لبيوت الله وللقرآن الكريم"، وتمت إحالة الشكاية على وكيل الملك في محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وسط جدال يعيد للساحة الفنية والسينمائية حرية الفن والإبداع.

عادل ايت واعزيز

يبدو أن دافع مناهضي فيلم هشام العسري ليس تحديدا المقطع الترويجي الذي، رغم كثير من الإيحاءات، لا يتضمن المزاعم المضمنة في الشكاية، بينما من المؤكد أن العنوان هو ما استفز الغاضبين منه. “المطرود من رحمة اللّٰه”، أو “Thank you Satan”، هذا هو عنوان الفيلم، وفي حين أن الجزء العربي من العنوان يأتي بلغة وصفية/ تقريرية تصف “الملعون”، يلبس الجزء الإنجليزي رداء الموقف، ليأتي بشكل إيحائي وأكثر صدمة وسخرية، “شكرا أيها الشيطان”، هذا العنوان المركب من لغتين، استلّه المخرج من مشهد في الفيلم، حين أوقفت إحدى الشخصيات شريط أغنية الموسيقي الفرنسي ليو فيري، التي تحمل نفس العنوان، واستبدلته بشريط لتلاوة القرآن يبدأ بالتعوذ من الشيطان، وهو المشهد الذي قد يلخص كل فكرة الفيلم.

لا يخلو الفيلم من أحداث واقعية، لكنها تتميز بكثير من الفنطازيا، وهي إحدى التقنيات الفنية للعسري، وتجمع أحداثه بين كاتبين، أحدهما “رحمان”، وهو شخصية مركبة، وتجسيد رمزي وجريء لكسر التابوهات، يؤدي دورها هشام العسري، وتحيل على الكاتب سلمان رشدي، الذي أهدر الخميني دمه بسبب كتابه “آيات شيطانية”. والثاني “سيرج”، شخصية متخيلة، مضطربة وانتهازية، تصور كاتبا رديئا وفاشلا، يعمل في فندق، ويواجه ضائقة مالية، ويحاول العيش من الكتابة، لكنه يفشل في كل مرة. 

تجمع أحداث الفيلم الشخصيتين في الفندق الذي يعمل فيه “فيكتور”، ويحل فيه “رحمان” كنزيل، حيث ينجرف الأول نحو كل ما هو غريب عنه، وعن هويته وثقافته، فهو فرنسي غير مسلم، فضلا عن أنه “لاأدري” (لا ينفي ولا يثبت وجود الإله)، لكنه يرى في تطبيق فتوى قتل “رحمان”، مخرجا من أزمته.

الفيلم الأسود

بعيدا عن الصورة السينمائية النمطية، يأتي الفيلم ليقترح تمرينا داخليا مزعجا، هو أن نروي حكاياتنا ونصنع صورنا بأنفسنا، هنا يضعنا المخرج أمام المرآة، فالفيلم لا يكتفي بعكس الصورة، بل يذهب ليعري الآليات التي تعيد إنتاجها داخل أجندة خفية، لا يظهر فيها العنف كخيار فردي، إنما كاستثمار لصناعة ذوات جاهزة للعنف الذي لا يكف عن إعادة إنتاج نفسه، إذ كلما قوبل بعنف مضاد صار امتدادا له.

هذا الفيلم المنتمي لسينما المؤلف، والتي تشترط أن يكون المخرج ذاتا معبرة، وإلى السينما السوداء film noir، في عالم ليلي مثقل بالخيانة والعنف والكوميديا السوداء، أمضى في تأليفه  الكاتب والمخرج هشام العسري 10 سنوات، وشاركت لمياء الشرايبي في إنتاجه، وضم فنانين وممثلين مغاربة وأجانب من بينهم توماس سيميكا، أليزيه كوس، نادية كوندا، أبوبكر بنسايحي، جولي جاييه، زوجة الرئيس الفرنسي السابق فرونسوا هولاند، ثم حسن بديدة، وصلاح بن صلاح وآخرون.

وقبل “شكرا أيها الشيطان”، الفيلم الثامن لهشام العسري، رسم الأخير ملامح عالمه السينمائي في أعمال سابقة لا تقل تمردا مثل: “النهاية” سنة 2011، وهو فيلم طويل، “هم كلاب” سنة 2013، “البحر من وراءكم” سنة 2014، “جوع كلبك” سنة 2015، “ضربة في الراس” سنة 2017، “مروكية حارّة” سنة 2023. كما أصدر العسري، ما يناهز 17 عملا أدبيا، منها مجموعات قصصية مثل: “الماضي البسيط”، و “المستقبل المفصول”، ثم رواية “ستاتيك”، التي أصدرها سنة 2010، إلى جانب رواية “القديسة ريتا” سنة 2015، كما ألف مسرحيات أهمها: “كريف”، و”حلم!” سنة 2006، “زمزم” سنة 2008 و”غير المرئيين” سنة 2017.

سينما المغرب الموازي

يعتبر هشام العسري، في حديث خص به منصة “هوامش”، أن هناك أشخاصا “يظنون أنهم يفهمون أكثر من الآخرين، وأنهم يتحكمون في كل ما يخص الشأن العام”، تعليقا على الضجة التي أثيرت حول فيلمه الأخير، ويعتقد أن الأمر يعود لسببين، “الأول إما أن نيتهم صالحة ولكن لايفهمون، أو أن نيتهم سيئة”، وفي كلتا الحالتين يؤكد أنه “ليس من حق أي شخص أن يظن أنه فوق القانون والدولة وأجهزتها، كي يحكم على فيلم لم يشاهده، فالأمر غير صحي وفيه نوع من التسرع”. 

ويضيف العسري في حديثه إلينا: “الأمر يصل أحيانا إلى التهديد، لأن هؤلاء الأشخاص يطلقون عليك كلابهم، لكن ما أنا متأكد منه أن كل هذا مجرد سحابة عابرة، وحين تنتهي سنلجأ للقانون كي نعرف من هم هؤلاء الاشخاص كي ندافع عن أنفسنا”. 

ويوضح المخرج “أن الشيء الذي علينا فهمه، هو أنه ليس هناك سينما تضم جماعات، بل هناك سينما فيها أفراد، والسينمائي بالنسبة لي هو من ليس لديه مشكلة في أن يطرح بكل أريحية أفلاما يعالج فيها أي مشكل كيفما كان، وهذا بحد ذاته يعيدنا للقصة وطريقة التعامل مع الفن والمواضيع الشاعرية وسلاستها، والتفكير في هواجس المجتمع وظواهره، كما أن السينما غير مرتبطة بتيمات اجتماعية أو تيمات مقلقة واستفزازية، لأننا نتكلم عن شخوص وأفكار وسيناريو”.

“أفلامي كلها تتكلم عن مغرب موازٍ، (المجتمع غير المرئي أو المهمّش) نقوم فيه بالدفع دراميا ببعض الظواهر كي نستخرج منها قصصا مثيرة ومشوقة بجرعة من الكوميديا الساخرة، أما هؤلاء الذين يحكمون على فيلم قبل أن يروه، فهم سفهاء ليست لديهم الأهلية أصلا كي يحكموا على الفيلم”، يقول المتحدث.

وفي معرض حديثه عن سينما المؤلف، يؤكد صاحب فيلم المطرود من رحمة الله: “لا أظن أن الأشخاص الذين يشاهدون أفلاما بليدة في التلفاز أو نتفلكس أو يوتيوب، مؤهلين كي يحللوا فيلما سينمائيا من نوع سينما المؤلف، فليس كل الناس من ذوي المعرفة، وصوتهم فيه قيمة استيتيقية أو قيمة مبدئية، وأعتقد أن الضوضاء الموجودة الآن على الانترنت غير صحية”. ويضيف “الناس اللي عندهم ما يقولوا كيسكتوا، و لي معندهم ما يقولوا هما لي كاتلقاهم كيغوتوا ومصدعين الوقت”.

ملصق الفيلم

السينما.. فن ولغة

وبحسب العسري فإن “الهدف من الفيلم هو أن نخلق شخوصا تعيش حالة استفزاز وهواجس صعبة، لأنها في بحث عن الربح”، وباللغة الدارجة “خصهم الهوتة”، هم أشخاص “بدون عمل ولا يقومون بأي مجهود يذكر، وكل هذا من خلال توظيف الدين، فحين نتكلم عن الفتوى التي إذا طبقت بالمال نكون أمام صفقة، هنا لا نتحدث عن الدين بقدر ما نتحدث عن السمسرة، كما أن الفيلم يبين كيف أن الدين يتم توظيفه أحيانا كسلاح للخوف وإرهاب الناس ودفعهم للصمت. نحن نحاول أن نقيم مقاربة بين معنى الخوف، ومعنى توظيف الدين لغاية في نفس يعقوب”، يوضح العسري.

ويشدّد صاحب روايتي”ستاتيك” و “القديسة ريتا” أنه “ليس من حق أي شخص أن يحكم على بني آدم إلا الله سبحانه وتعالى، وكما قال المرحوم الحسن الثاني il ne faut pas perdre son temps à avancer des arguments de bonne foi face à des gens de mauvaise foi (لا ينبغي إضاعة الوقت في تقديم حجج بحسن نية أمام أناس سيئي النية)”. ويضيف “النية وقلة النية مكيتلقاوش. أنا كفنان وسينمائي أحاول عمل أفلام تشبهني، وأتحدث فيها مع جمهور غير شعبوي قد يشاهد الأفلام الكوميدية العائلية الموجودة الآن مثل ‘جوج رواح’، و ’25 مليون’، التي تضم ملصقات تشبه الأفلام المصرية المتعلقة بالسينما الهابطة”.

“الفيلم حدد المركز السينمائي مشاهديه، ومنع على الناشئة أقل من 16 سنة، فهو ليس مثل هذه الأفلام العائلية التي اعتدنا عليها، والتي لا تنفع ولا تضر، يشاهدها الناس ثم ينسونها ولا يستفيدون شيئا، تماما مثل مشاهدتهم لتيكتوك، السينما بالنسبة لي فن و لغة، ومن الضروري أن تكون لنا مكانة كأمة وكمجتمع في العالم من خلال السينما أيضا، وليس فقط كرة القدم”، ينهي هشام العسري حديثه معنا.

ملاحقة السينما المغربية.. ليست أول مرة 

لم يخل تاريخ السينما المغربية من المنع والملاحقة والرقابة، حيث طالت الرقابة أعمالا سبقت “الملعون” بسنوات، كما لم تكن الجمعية التي رفعت شكواها ضد الفيلم، وافدة جديدة على المشهد، ويشكل فيلم “ماروك” الذي أخرجته ليلى المراكشي سنة 2005، أحد الأفلام التي أثارت موجة غضب واسعة، بسبب تناوله علاقة بين مسلمة ويهودي، إضافة إلى مشاهد اعتبرت حساسة دينيا.

أما “الزين لي فيك”، للمخرج نبيل عيوش، والذي صدر سنة 2015، فقد أثار اتهامات واسعة بالإساءة للأخلاق ولصورة المرأة، بعد تسريب مقاطع منه، ما دفع الحكومة المغربية لمنع عرضه، وفي سنة 2017، واجه فيلم “غزية”، لنفس المخرج مطالب بالمنع، حيث وصل الجدل الذي أثاره إلى قبة البرلمان، إلى جانب فيلمه “لحظة ظلام”، سنة 2003.

 وواجه فيلم “أزرق القفطان” للمخرجة مريم التوزاني، مطالب بالمنع أيضا، بسبب تناوله موضوع المثلية الجنسية، ونفس الأمر أثاره سنة 2019 فيلمها “آدم”، إذ خلق نقاشا حول الأمومة خارج إطار الزواج. كما لم يمر فيلم “حجاب الحب”، سنة 2009، للمخرج عزيز السالمي، مرور الكرام، إذ أثار جدلا حادا بين المتدينين وصناع السينما.

وبسبب مشهد قبلة، في فيلم “موت للبيع”، للمخرج فوزي بنسعيدي، والذي يعود تاريخ عرضه الأول إلى سنة 2011، اعترض على عرض الفيلم، حارس أمن في قاعة سينما الصحراء بمدينة أكادير سنة 2023، ، أثناء احتضانها  لـ “بانوراما السينما المغربية”، ولأنه يملك مفاتيح القاعة قام باستبداله بفيلم كوميدي.

أفلام أخرى مثل “كازا نيغرا”، و فيلم “بورن آوت”، للمخرج نور الدين الخماري لم يسلما من الجدل، واعتبر المعترضون عليهما أن المخرج يرصد المحظورات الأخلاقية، حين تجرأ على استحضار ما يتحاشاه المجتمع. 

ربيع السينما.. جمعية تطارد السينما بدعوى الأخلاق ؟

 ليست المرة الأولى التي تضع فيها جمعية ربيع السينما، شكاية ضد أفلام سينمائية وفنانين بدعوى المساس بالأخلاق العامة. بسبب مشاهد تمثيلية لفيلم إيطالي، تضمن مشاهد لتبادل القبل في ساحة 9 أبريل بمدينة طنجة، راسلت الجمعية عامل الإقليم ووزارة العدل، بعد أن اعتبرت المشهد مخلا بالحياء، وانتهاكا صارخا للأمن الأخلاقي داخل الفضاء العمومي، وطالبت بفتح تحقيق في الأمر.

وفي نهاية العام الماضي، وضعت الجمعية شكايتين لدى رئيس النيابة العامة بالرباط، والوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف، ضد فيلم “خلف أشجار النخيل”، للمخرجة الفرنسية المغربية مريم بن مبارك، المعروض ضمن فعاليات الدورة الـ22 من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، بدعوى أنه يتضمن مشاهد جنسية صريحة وواضحة، ومتجاوزة لكل الخطوط الحمراء، حسب وصف نفس الجمعية.

وفي نفس السنة، تقدمت الجمعية بشكاية إلى رئيس النيابة العامة بالرباط، ضد كل من وزير الشباب والثقافة والتواصل، ومدير المركز السينمائي المغربي، ورئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، تتهمهم فيها بارتكاب خروقات جسيمة تمس الأخلاق العامة والقوانين المنظمة للمرافق الثقافية والإعلامية، ودعم محتويات تتعارض مع الثوابت والقيم الوطنية.

لم تكتف ربيع السينما، بمراقبة الأفلام السينمائية فقط، بل “طاردت” بعض الفنانين الموسيقيين، ومن بينهم الرابور “الغراندي طوطو”، الذي وضعت شكاية ضده لدى وزير العدل، بعد سهرة أحياها بمدينة القنيطرة، كما طالبت النيابة العامة بالتدخل الفوري وتفعيل المقتضيات القانونية “ذات الصلة”، مثل الفصل 483 من القانون الجنائي، الذي ينص على معاقبة كل من ارتكب إخلالا علنيا بالحياء بالبذاءة أو الأفعال المنافية للآداب.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram