الرئيسية

شبكة معقدة تحت الأرض.. اكتشاف نفقٍ ثانٍ لتهريب الحشيش من شمال المغرب إلى سبتة 

عملية Operación Ares للشرطة الإسبانية، تكشف عن شبكة معقدة لتهريب الحشيش تنشط بين سبتة والمغرب، وتعتمد على بنية تحتية متطورة تشمل نفقًا سريًا متعدد المستويات، مجهزًا بأنظمة نقل وعزل متقدمة لنقل كميات كبيرة دون رصد. التحقيق، الذي بدأ في فبراير 2025، أظهر أن الشبكة تعمل بهيكل هرمي، وتستخدم وسائل تهريب متنوعة من الشاحنات إلى الزوارق، قبل أن تسفر المداهمات عن توقيف 27 شخصًا، وحجز أكثر من 17 طنًا من المخدرات ومبالغ مالية كبيرة. ورغم هذه الضربة، تؤكد السلطات أن النشاط يتجاوز ما تم كشفه، مرجحة وجود امتدادات دولية وأنفاق أخرى ضمن منظومة تهريب متطورة تعمل بعقلية تنظيمية وهندسية عالية.

“هوامش”:

سبتة المحتلة، مدينة تبدو هادئة السطح ومتحكما فيها عبر سياج حديدي صارم؛ لكن تحت الأرض كانت تخفي نشاطًا غير قانوني لا يتوقف. خلف جدران مستودع صناعي عادي، وُجد مدخل مموّه بعناية خلف جهاز تبريد ضخم ومعزول صوتيًا. ما إن أزيح، حتى انكشفت فوهة بئر تقود إلى عالم آخر؛ بنية تحتية متكاملة لتهريب المخدرات، تُدار بدقة وتخطيط أشبه بمنشآت صناعية.

هذا الاكتشاف، الذي جاء ضمن “عملية آريس” (Operación Ares)؛ لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء “تتويجًا لتحقيق استمر لأشهر”، وفق السلطات الإسبانية، حيث “كشف عن واحدة من أكثر الشبكات تعقيدًا في الاتجار بالمخدرات”، تنشط على الحدود الجنوبية لأوروبا.

بدأت خيوط القضية في فبراير 2025، حين ركّزت الشرطة أبحاثها على شبكة تنشط انطلاقًا من جيب سبتة المحتل، قادرة على نقل كميات كبيرة من الحشيش نحو إسبانيا وباقي أوروبا. 

ومع توالي عمليات المراقبة، تبيّن أن الشبكة تعتمد هيكلًا هرميًا واضحًا؛ زعيم رئيسي يتحرك من المغرب يشرف على الإمدادات، وشريك في سبتة يتولى التفاوض وإبرام الصفقات وإدارة التوزيع. 

وقد وصف المحققون الإسبان هذه المنظومة خلال عرضهم بأنها “شبكة شبكات”، في إشارة إلى تعدد امتداداتها وتداخل أدوارها.

شبكة معقدة 

مع تقدم التحقيق، بدأت المؤشرات تتجمع، حيث قاد حريق اندلع في أحد المنازل، بحي البرينسيبي، إلى حجز أكثر من 500 كيلوغرام من الحشيش، وربط الموقع بالبنية اللوجستية للشبكة. 

لاحقًا، كشفت عمليات أخرى عن شحنات إضافية، من بينها مئات الكيلوغرامات التي تم اعتراضها في أحياء مختلفة، قبل أن تأتي الضربة الأكبر في يونيو الماضي، حين تم حجز نحو 15 طنًا من الحشيش في شاحنة بمدينة آلميريا، كانت قادمة من مدينة الناظور. 

هذا الاكتشاف أكد أن الشبكة لا تعتمد وسيلة واحدة، بل منظومة نقل متعددة تشمل الشاحنات الثقيلة، والزوارق السريعة عبر السواحل الأندلسية ونهر الوادي الكبير، وحتى قوارب الصيد لنقل الشحنات نحو غاليثيا بعد تضييق الخناق على المسارات الجنوبية.

ورغم هذا التنوع، ظل النفق هو العنصر الأكثر تطورًا في هذه الشبكة؛ فقد كشفت المعاينات أنه يتكون من ثلاث طبقات رئيسية: بئر عمودية للنزول، وغرفة وسطى لتخزين الرزم تُعرف أمنيًا بـ”الناركوديسبينسا”، (مخزن التهريب)، ثم ممر أفقي يمتد نحو منزل خارج السياج الفاصل وداخل التراب المغربي، وداخل هذا المسار، تم تركيب نظام نقل متكامل يشمل سككًا حديدية صغيرة، وعربات، وبكرات، ورافعات، ما يسمح بنقل كميات كبيرة من المخدرات دون حاجة إلى جهد بشري مباشر.

وأبرز ما يميز هذا النفق، بحسب تصريحات الشرطة الإسبانية، أنه “صُمم ليعمل دون أي تواصل بصري مباشر بين المشاركين في العملية، ما يقلل من المخاطر الأمنية”. 

وحسب ذات المصدر، زُوّد النفق بأنظمة ضخ قوية لتصريف المياه الجوفية، إضافة إلى عزل صوتي دقيق مكّن الشبكة من تشغيله بشكل دائم دون إثارة الانتباه. 

واستعانت الشرطة، في تقييمها لحجم هذه البنية، بطائرة مسيّرة تحت الماء من “الجيل الأخير”، ما يعكس مستوى التعقيد الذي بلغته هذه المنشأة.

منجم للمخدرات

خلف جهاز تبريد ضخم، أنشأ المهربون متاهة حقيقية تحت الأرض، “ارفع من هنا، فهنا يوجد شيء”. كما نسمع أحد العناصر الأمنية يقول في الشريط الذي نشرته السلطات الإسبانية، إذ لم يكن جهاز التبريد سوى مدخل لما يشبه منجمًا للمخدرات.

هذا النفق إنجاز يتطلب مهندسًا، فتحت الأرض يبدأ عالم خفي كامل تسيطر عليه شبكات التهريب؛ نفقٌ للمخدرات مقسم إلى ثلاثة مستويات: الأول بئر للنزول، انزلق عبرها عناصر الأمن؛ والثاني طابق وسيط يُعرف بـ”مخزن المخدرات”، حيث كانت تُكدّس رُزم الحشيش على منصات قبل إخراجها إلى الخارج؛ أما المستوى الثالث، فيربط بين سبتة وباقي التراب المغربي. 

وبحسب أحد عناصر الأمن، فهو “نفق مُجهّز بشكل كبير ومُهيأ للغاية”. مع تصميم معقد إلى حد أنه يتوفر على نظام سكك وعربات، إضافة إلى رافعات وبكرات لنقل المخدرات. والمفاجأة أن هذا النفق يوجد داخل مستودع في المنطقة الصناعية “تاراخال”.

ووفق ما أعلنته الشرطة الوطنية الإسبانية، يبلغ عمق النفق 19 مترًا، وارتفاعه 1.20 متر، وعرضه 80 سنتيمترًا، وكان يسمح بنقل رُزم الحشيش دون أي تواصل بصري مباشر بين المشاركين في العملية.

وحسب نفس المصدر، كان شخصان يقودان هذه الشبكة؛ أحدهما من المغرب، يُوصف بـ”مهندس التهريب”، وهو نفسه المسؤول عن النفق الأول الذي تم اكتشافه العام الماضي؛ فيما كان الثاني ينشط من سبتة، حيث يتولى التفاوض على الشحنات وإبرام الصفقات. وأسفرت هذه العملية عن توقيف 27 شخصًا في المجموع، مع حجز 17 طنًا من المخدرات.

مهندس التهريب 

أفضت التحقيقات إلى تحديد شخصيتين محوريتين في قيادة الشبكة؛ الأولى تُعرف بلقب “الناركو-إنخينييرو”، (مهندس التهريب)، وهو العقل المدبر الذي كان يدير العمليات من داخل المغرب، ويُعتقد أنه المسؤول عن تصميم الأنفاق، بما في ذلك النفق الذي تم اكتشافه في العام الماضي ضمن ما عرف بـ”Operación Hades”.

أما الثانية، فهي شخصية متمركزة في سبتة، توصف بـ”ملك الحشيش”، كانت تتولى التفاوض على الشحنات وإغلاق الصفقات، ما يعكس تقسيمًا دقيقًا للأدوار داخل الشبكة.

بعد استكمال الأدلة، أطلقت الشرطة عملية واسعة النطاق شارك فيها أكثر من 250 عنصرًا، تمت خلالها 29 مداهمة متزامنة في عدة مدن، من بينها سبتة، وقادِس، وهويلفا، ومالقة وبونتيبيردي. 

وأسفرت العملية عن توقيف 27 شخصًا، وإيداع 15 منهم رهن الحبس الاحتياطي، إلى جانب حجز أكثر من 17 طنًا من المخدرات، و1.43 مليون يورو نقدًا، و66 جهاز اتصال، و15 سيارة فاخرة، إضافة إلى كميات من الكوكايين.

بنية تحتية معقدة

في المؤتمر الصحفي الذي عقد صباح يوم الثلاثاء الماضي، بمقر الحكومة المحلية في سبتة، تحدث المفوض الأول أنطونيو مارتينيز دوارتي، ورئيس الوحدة المركزية للمخدرات والجريمة المنظمة (UDYCO) التابعة للشرطة الوطنية، والمفوض بيدرو إجناسيو فيرير بينيا، المدير الإقليمي للعمليات بمقر شرطة سبتة؛ ومندوب الحكومة بالمدينة، ميغيل أنجيل بيريز تريانو.

وأوضح المتحدثون أن عملية، واسعة النطاق، نفذتها الشرطة الإسبانية ضد ما وصفه المحققون بـ”شبكة شبكات الحشيش”، أسفرت عن “اكتشاف بنية تحتية معقدة تحت الأرض في سبتة، مصممة لتهريب أطنان من المخدرات إلى إسبانيا”. 

ومكّن هذا النظام، بحسب المحققين، مهربي المخدرات من استيراد أطنان من الحشيش بأكثر الطرق أمانًا، ما يضمن سلامة الشحنات.

ورغم حجم هذه الحصيلة، تؤكد السلطات أن التحقيق لا يزال مفتوحًا، مع التركيز على تتبع مصادر التمويل والامتدادات الدولية للشبكة، واحتمال وجود أنفاق أخرى لم تُكتشف بعد. حيث تشير المعطيات، إلى أن ما كُشف ليس سوى جزء من منظومة أوسع، تستفيد من الموقع الجغرافي الحساس لسبتة، ومن الأرباح الضخمة التي يدرها هذا النشاط.

وحسب ما ذكرته وسائل إعلام محلية؛ يكشف هذا الملف عن تحول عميق في أساليب التهريب؛ حيث تحول من عمليات تقليدية إلى بنى تحتية معقدة تُدار بعقلية هندسية وتنظيمية عالية. ولم يعد الأمر مجرد عبور سري، بل صناعة متكاملة تعمل في الظل، حيث تتحول الأرض نفسها إلى مسار خفي لشبكات عابرة للحدود.

يذكر أن مصادر خاصة أخبرت منصة “هوامش”، في يناير الماضي، أن القاضية ماريا تاردون، المكلفة بملف النفق الأول في المحكمة الوطنية الإسبانية (القضاء المركزي رقم 3)، تواجه صعوبات كبيرة في الشق المتعلق بالمغرب.

وأفادت المصادر المقربة من التحقيق، لمنصة “هوامش”، أن “المغرب مازال يتجاهل الطلبات الرسمية التي أرسلتها المحكمة الإسبانية، ولم يقدّم إلى الآن أي معطيات جديدة بخصوص جانب النفق الواقع ضمن نطاق اختصاصه”.

بينما، ذهبت مصادر من الحرس المدني في سبتة أبعد من ذلك، معتبرة أن “كل شيء متوقف، والجانب المغربي صامت”، مضيفةً أن إثارة هذا الملف “لا تخدم مصالح داخلية في المغرب، لأنها قد تفتح باب محاسبةِ أطراف متعددة”.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram