مروان المودن
انتخابات 1963، وما تلاها من استحقاقات في سنوات 1970 و1977 و1984، جرت في ظل دساتير منحت الملك صلاحيات واسعة على المستويين التنفيذي والتشريعي. و كثيراً ما وُجّهت، في تلك المرحلة، انتقادات للعملية الانتخابية بسبب ما اعتُبر استعمالاً مكثفاً لتقنيات عميقة للتحكم في النتائج، والمتعلقة أساسا بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية أو ما يُعرف بالتقطيع الانتخابي ، إضافة إلى تأثير الإدارة في موازين المنافسة، بما يخدم أحزاباً قريبة من دوائر السلطة.
مع بداية التسعينيات، دخل المغرب مرحلة جديدة يمكن أن توصف بـ”الانفتاح المراقَب”. فقد سعت الدولة إلى توفير مناخ للانفراج السياسي واستيعاب قوى المعارضة التاريخية داخل الحكومات. وبلغ هذا المسار ذروته سنة 1998 مع تشكيل حكومة التناوب التوافقي بقيادة عبد الرحمان اليوسفي، وهو حدث اعتُبر آنذاك تحولاً مهماً في الحياة السياسية المغربية. ومع ذلك، لعبت الانتخابات خلال تلك الفترة دوراً أساسياً في تجديد واجهة النظام السياسي وإدماج المعارضة داخل الحكومة، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في مركز القرار، الذي بقي في يد المؤسسة الملكية.
خرج عبد الرحمن اليوسفي من تجربة التناوب التوافقي وهو يحمل خليطًا من “الفخر والمرارة” معا، فالرجل الذي قَبِل أن يدخل الحكومة كيساري معارض، ليؤمّن انتقال العرش، ويختبر إمكانية الإصلاح من داخل النسق، انتهى إلى قناعة مفادها أن ما قُدِّم للمغاربة كـ”تحول ديمقراطي” لم يكن سوى استثناء ظرفيا أكثر منه قاعدة سياسية جديدة. فقد اعتبر أن التناوب منح المغرب ربيعًا قصيرًا، مع بعض الانفتاح، وبعض الإصلاحات، إضافة إلى إشارة قوية بإمكانية تداول نسبي على السلطة.
الأمل في “التغيير” سرعان ما تلاشى عند أول اختبار انتخابي سنة 2002، حين قرر الملك تجاوز الحزب المتصدر للنتائج وتعيين وزير أول من التقنوقراط. هناك بالضبط كتب اليوسفي، انسحابه، وشهادة وفاة “التناوب التوافقي” كما بشّر به، في خطاب نقدي شهير اعتبر قاسيا على النظام الحزبي والملكي معا، لا ديمقراطية بلا احترام لصناديق الاقتراع، ولا إصلاح من الداخل إذا ظلت قواعد اللعبة تُعاد صياغتها كلما اقتربت السياسة من خط التماس مع السلطة الفعلية.
أما التحول الأكبر فجاء مع دستور 2011، الذي أُقر في سياق المظاهرات التي عرفها المغرب بقيادة حركة 20 فبراير، ضمن موجة الحراك التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد وسّع الدستور نظرياً صلاحيات رئيس الحكومة والبرلمان، ومنح للحكومة دوراً أكبر في إدارة الشأن التنفيذي، كما نص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات لأول مرة في التاريخ الحديث.
غير أن العديد من الباحثين (أهمهم أحمد البوز والطوزي) يشيرون إلى أن جوهر السلطة بقي مركزا في يد الديوان الملكي، خاصة بعد تغير موقع فؤاد عالي الهمة مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة، من فاعل سياسي إلى أهم مستشاري الملك، حيث احتفظ الدستور للملك بصلاحيات استراتيجية في مجالات الأمن والدين والسياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، استمر تعديل القوانين الانتخابية بطريقة تهدف إلى الحفاظ على توازنات المشهد السياسي، بما يمنع بروز حزب مهيمن قادر على احتكار السلطة التنفيذية أو فرض أجندة سياسية منفردة.
كان القانون الانتخابي أحد أهم الأدوات التي استُخدمت لرسم معالم المشهد السياسي المغربي. ففي سنة 2002، تم إدخال نظام الاقتراع باللائحة النسبية على مستوى الدوائر المحلية، مع إحداث لائحة وطنية خُصصت لاحقاً لتعزيز تمثيلية النساء داخل البرلمان. وقد قُدِّم هذا الإصلاح آنذاك كخطوة لتحديث النظام الانتخابي وتوسيع التعددية السياسية، لكنه في الوقت نفسه ساهم في تشتيت الأصوات بين عدد كبير من الأحزاب، ما جعل تشكيل أغلبيات برلمانية قوية أمراً صعباً بل مستحيلا.
بعد اعتماد دستور 2011، دخلت الحياة السياسية مرحلة جديدة تمثلت في صعود الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية إلى قيادة الحكومة. فقد فاز حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى في انتخابات 2011 و2016، خاصة بعد أن استخدم في أدبياته شعارات حركة 20 فبراير (الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد)، رغم أن زعيمه السياسي كان ضد الخروج للشارع، والمشاركة في مظاهرات الحركة، بل وصف المحتجين، في فيديو شهير، مستخدما لغة دارجة قدحية، بـ “الطبالة والغياطة”.
لكن بعد مرور عدة أشهر فهم عبد الإله بنكيران أنه أمام فرصة سياسة قد لا تتكرر، إذ إنه بعد الانقسامات التي حدثت في الأمانة العامة صمت أخيرا عن حضور شبيبة الحزب في الجموعات العامة لحركة 20 فبراير والمظاهرات الميدانية، خاصة في المدن الكبرى كالرباط والدار البيضاء وطنجة. بعد أن كان قد منع ذلك بصفتهم الحزبية. وتعلق الأمر بمجموعة داخل شبيبة العدالة والتنمية عُرفت باسم حركة «بركة»، شكّل نوعًا من الحركة الداخلية التي خالفت قرار قيادة الحزب بعدم الانخراط في احتجاجات 20 فبراير.
لقد مكنه هذا النهج السياسي (اللعب على الحبلين، أي الخروج للشارع ودعم سياسة المخزن)، من قيادة الحكومة الأولى وتكليفه بتشكيل للحكومة الثانية، قبل أن يتم التخلص منه بطرق ماكرة وتعويضه بسعد الدين العثماني. غير أن هذا الصعود جرى داخل نظام انتخابي نسبي مجزأ، يفرض على الحزب المتصدر تشكيل تحالفات واسعة مع أحزاب أخرى، كثير منها يُنظر إليه على أنه قريب من السلطة أو من الإدارة، الأمر الذي حافظ على التوازنات التقليدية داخل المشهد السياسي وجعل من الحزب المتصدر للانتخابات مجرد ملحق لحزب ليبرالي (التجمع الوطني للأحرار)، وهو حزب نخبة اقتصادية مهيمنة على أهم المجالات الاقتصادية (المحروقات)، كان يتحكم في بعض القرارات السياسية، بل ساهم بشكل كبير وبنجاح في طرد بنكيران من كرسي الرئاسة بعد عملية “البلوكاج”، ليتم تعويضه بـ “أضعف” رئيس حكومة، سعد الدين العثماني، وفق تعبير الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بن عبد الله، الذي وصف حكومة العثماني بأنها أضعف حكومة في تاريخ المملكة المغربية المعاصر، وهاجم أداءها، خاصة قراراتها خلال جائحة كوفيد‑19، واعتبرها متأخرة وغير منسجمة سياسيا. بينما مررت من خلاله الدولة مشاريع منافية حتى لأدبيات ومبادئ الحزب (التطبيع، اللغة العربية).
وجاءت سنة 2021 لتشكل محطة مفصلية في هذا المسار. فقد تم تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي. وقد أدى هذا التعديل إلى تقليص الفارق بين الأحزاب المتنافسة وتوزيع المقاعد على عدد أكبر من الأحزاب. كما جرى عملياً إلغاء العتبة الانتخابية، مما زاد من “بلقنة” المشهد السياسي.
وقد ساهمت هذه التعديلات المتتالية في تشكيل برلمان متعدد الأحزاب بشكل كبير، حيث أنتجت مشهدا برلمانيا متعدد الفاعلين بدل ظهور قوة سياسية واحدة مهيمنة. يعزز هذا النموذج “الاستقرار المؤسساتي” من خلال توزيع القوة السياسية، ويضعف القدرة على تنفيذ برامج إصلاحية واضحة بسبب الحاجة الدائمة إلى تحالفات حكومية، غالبا ما تكون مختلفة جذريا من حيت الخلفية الإيديولوجية والبرامج. ليس ذلك فحسب، وإنما تسعى دائما إلى تنفيذ برامج أخرى قد لا تتوافق مع مرجعيتها.
دراسة أكاديمية حديثة للباحث معاذ الفيتور، بعنوان، «الاستيعاب والتحييد: كيف تقوم الملكية المغربية باحتواء المعارضة من اليساريين إلى الإسلاميين» , «Incorporation and neutralisation: how the Moroccan monarchy co-opts opposition from leftists to Islamists»، خلصت (الدراسة) إلى أنه على امتداد عقود، يتكرر في المشهد السياسي المغربي نمط يبدو في ظاهره متناقضاً: أحزاب معارضة تصل إلى قيادة الحكومة، بينما يظل مركز القرار الحقيقي خارج نطاق تأثيرها.
وتضيف أن تجربتي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وحزب العدالة والتنمية بعد عام 2011، تكشفان عن خيط مشترك يتمثل في دخول القوى المعارضة إلى الحكومة خلال فترات الأزمات، ثم تقليص نفوذها تدريجياً عندما تتحول شعبيتها إلى عامل مقلق في معادلة الحكم.
وتنطلق الدراسة من أواخر التسعينيات، حين تولى عبد الرحمن اليوسفي رئاسة حكومة التناوب، في سياق وصفه كثيرون بأنه لحظة “السكتة القلبية” السياسية والاقتصادية التي عرفها المغرب، بالتزامن مع تدهور صحة الملك الحسن الثاني وقوة المعارضة اليسارية. في ذلك الوقت رُفع شعار الانتقال الديمقراطي وطي صفحة الماضي، لكن بنية السلطة لم تشهد تحولا جذرياً؛ فقد بقيت وزارات السيادة ضمن المجال المحفوظ للقصر، واستمرت الظهائر الملكية في أداء دور تشريعي حاسم. وفي المقابل، وجد الاتحاد الاشتراكي نفسه في موقع تحمّل كلفة التوقعات المرتفعة لدى الرأي العام، مقابل نتائج إصلاحات محدودة. “وحتى المبادرات الرمزية الكبرى، مثل هيئة الإنصاف والمصالحة ومدونة الأسرة، نُسبت سياسياً إلى المؤسسة الملكية أكثر مما نُسبت إلى الحكومة التي مهدت لها”، بحسب نفس التحليل.
وبعد أكثر من عقد من الزمن، تقول الدراسة، تكرر المنطق ذاته مع اختلاف الفاعل السياسي. فقد فتحت احتجاجات 20 فبراير عام 2011 الباب أمام تعديل دستوري محدود. وقد قُدم إشراك الإسلاميين في الحكم بوصفه دليلاً على قدرة النظام على تحمل الإصلاح من الداخل، وعلى أن المغرب اختار مساراً مختلفاً عن موجات العنف التي شهدتها دول أخرى في المنطقة. غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن مشروع بنكيران الإصلاحي كان يصطدم بسقف غير مرئي، تجلى في عدم القدرة على فتح ملفات الفساد البنيوي، وتعدد مراكز القرار، ووجود مجالات تعتبر محفوظة للمخزن. وكلما اقترب الخطاب السياسي من هذه الحدود، (كنشر لائحة المأذونيات) برزت مقاومة من قوى غير مرئية كثيراً ما أشار إليها الفاعلون أنفسهم دون تسميتها صراحة، بينما يصفها بنكيران بالتماسيح والعفاريت.
لقد شكل إعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، بعد انتخابات 2016، بعد تصدر حزبه للنتائج، نقطة مفصلية في هذا المسار، كما تشير نفس الدراسة، فتعثر المفاوضات لتشكيل الحكومة لم يكن مجرد خلاف بين أحزاب متنافسة، بل عكس قدرة مراكز النفوذ المرتبطة بالقصر على إعادة تشكيل المشهد الحزبي، ومنع أي رئيس حكومة منتخب من تحويل شرعيته الانتخابية إلى قوة تفاوضية فعلية. وجاء تعيين سعد الدين العثماني وتشكيل ائتلاف حكومي واسع، يضم أطرافاً كانت مرفوضة سابقاً من طرف بنكيران، ليؤكد رسالة واضحة مفادها أن المشاركة السياسية ممكنة، لكنها تظل محكومة بشروط محددة سلفاً.
وعادت الدراسة التي نُشرت على موقع مجلة Third World Quarterly الصادرة عن Global South Ltd، بتاريخ 28 فبراير 2026، ضمن قسم الدراسات الدينية بجامعة جورجيا (University of Georgia) في الولايات المتحدة، إلى اتفاق التطبيع مع إسرائيل عام 2020، والذي كشف حدود استقلالية القرار الحكومي. فبالنسبة لحزب بنى جزءاً كبيراً من رصيده الرمزي على الدفاع عن القضية الفلسطينية، مثّل توقيع أمينه العام ورئيس الحكومة على الاتفاق ضربة قوية لمصداقيته أمام قاعدته الاجتماعية. وقد أبرز هذا الحدث بوضوح أن ملفات السياسة الخارجية وقضايا السيادة لا تخضع لسلطة الحكومة، وأن هامش المناورة المتاح للأحزاب يبقى ضيقاً عندما يتعلق الأمر بالخيارات الاستراتيجية التي تحددها المؤسسة الملكية. لذلك لم يكن الانهيار الانتخابي لحزب العدالة والتنمية في 2021، حين تراجع من 126 إلى 13 مقعداً، مجرد عقاب انتخابي عادي، بل محطة أخيرة في مسار تحييد حزب لعب دوراً في امتصاص صدمة الربيع الديمقراطي قبل أن يفقد وزنه السياسي.
وما يجمع بين تجربتي الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية، وفق التحليل نفسه، هو هذا المنطق المزدوج الذي يقوم على الاحتواء ثم التحييد. ففي أوقات الأزمات، وتحت شعارات الاستقرار والمصلحة الوطنية، تُفتح أبواب الحكومة أمام قوى كانت حتى وقت قريب في صفوف المعارضة القوية. وغالباً ما تقبل هذه القوى بالدخول تحت عباءة السلطة بشروط غير متكافئة، إما بدافع الخوف من الفراغ، أو الحرص على تجنب سيناريوهات عدم الاستقرار التي عرفتها دول أخرى. غير أنها تخرج من التجربة محملة بحصيلة إصلاحية محدودة، وتتحمل وحدها تبعات خيبات الأمل الشعبية، بينما تبقى أدوات السلطة الحقيقية في مواقعها.
ويستند هذا الوضع إلى إطار دستوري يمنح الملك صلاحيات واسعة، تشمل قيادة الجيش، وحل البرلمان، ورئاسة المجلس الوزاري، والإشراف على التعيينات في المناصب العليا في الدولة. كما تضيف الشرعية الدينية المرتبطة بلقب “أمير المؤمنين” بعداً رمزياً يجعل أي منافسة سياسية على هذا المستوى شبه مستحيلة. وبهذا المعنى تتحول التعددية الحزبية، على حد تقييم الدراسة، إلى آلية لإعادة تدوير النخب وتوزيع الكلفة السياسية، بدلاً من أن تكون وسيلة فعلية لتداول السلطة. وتجد الأحزاب نفسها أمام خيارين صعبين، إما البقاء خارج اللعبة السياسية وتحمل تبعات التهميش، أو المشاركة ضمن شروط تجعلها شريكة في إدارة الأزمات دون أن تكون شريكة في اتخاذ القرارات الاستراتيجية.
ولا يقتصر نموذج “التعددية المُدارة” على المغرب وحده، لكنه يكتسب فيه طابعاً خاصاً بحكم التاريخ الطويل لسلطة “المخزن”، وقدرتها على إعادة تشكيل الحقل السياسي كلما اقتضت الضرورة. فالتقريب بين خصوم أيديولوجيين، وإنشاء أحزاب إدارية، إضافة إلى توظيف الخطاب الديني والحقوقي بالتناوب، كلها أدوات تسهم في الحفاظ على مركز القرار بعيداً عن المنافسة الانتخابية المباشرة، مع الحفاظ على واجهة مؤسساتية تعكس صورة نظام ديمقراطي من حيث الشكل.
في ضوء ذلك، يبدو السؤال المطروح اليوم أمام الفاعلين السياسيين والمجتمع المغربي أعمق من مجرد تقييم تجربة هذا الحزب أو ذاك. فالقضية تتعلق بطبيعة العقد السياسي نفسه، هل يمكن تحقيق إصلاح تدريجي حقيقي، في إطار بنية تجعل من المشاركة السياسية مساراً يؤدي تدريجياً إلى استنزاف رصيد المعارضة؟ أم أن المرحلة تستدعي نقاشاً صريحاً حول حدود “الإصلاح من الداخل” وإمكانات بناء توازن جديد بين الشرعية التاريخية والمؤسساتية من جهة، ومتطلبات المساءلة الشعبية الفعلية من جهة أخرى؟
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، المقررة في 23 شتنبر 2026، طُرحت مشاريع قوانين انتخابية جديدة تتضمن تشديداً في شروط الترشح. ومن أبرز هذه المقترحات منع ترشح كل شخص متابع قضائياً أو صدر في حقه حكم ابتدائي، حتى وإن لم يصبح نهائياً بعد، إضافة إلى الأشخاص الذين سبق تجريدهم من مناصبهم.
وتبرر السلطات هذه الإجراءات بضرورة حماية “نظافة المؤسسات” وتعزيز الثقة في المجالس المنتخبة، خاصة بعد الفضائح التي شهدتها بعض الجماعات الترابية، عقب انتخابات 2021، حيث تورط عدد من المنتخبين محليا و جهويا، و حتى في البرلمان، في قضايا فساد أوتجارة المخدرات أو سوء التدبير.
غير أن هذه المقترحات أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية. إذ يرى منتقدوها أنها قد تمس بمبدأ قرينة البراءة، لأن مجرد المتابعة القضائية أو الحكم الابتدائي، غير النهائي، قد يؤدي عملياً إلى حرمان شخص من حقوقه السياسية. كما يخشى بعض المراقبين من إمكانية توظيف المتابعات القضائية في الصراعات السياسية المحلية لإقصاء منافسين محتملين من السباق الانتخابي.
ويقترح بعض الفاعلين بديلاً يتمثل في اعتماد ميثاق أخلاقي بين الأحزاب السياسية، يقضي بعدم تزكية مرشحين متابعين في قضايا فساد، بدلاً من تحويل المتابعة القضائية إلى مانع قانوني مباشر من الترشح.
وفق مقال تحليلي نشره موقع “حزب الإستقلال” بالإنجليزية، فإن هذه المقتضيات القانونية أثارت نقاشاً في البلاد، حيث انقسمت الآراء بين من يراها أداة لمنع المرشحين “الفاسدين” من الوصول إلى المناصب، ومن يحذر من أنها قد تنتهك عدداً من المبادئ الدستورية.
وفي أوائل دجنبر 2025، صادق مجلس النواب على ثلاثة مشاريع قوانين تتعلق بالغرفة الأولى للبرلمان، والأحزاب السياسية، والإجراءات الانتخابية، خلال جلسة حضرها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وتنص هذه التشريعات على منع الأشخاص المتابعين قضائياً، أو المدانين بأحكام قضائية نهائية، وكذلك الذين تم عزلهم من مناصبهم الانتخابية، من الترشح لعضوية مجلس النواب. ويأتي مشروع القانون، وفق ذات التحليل، ضمن، حزمة إصلاحات مؤسساتية أوسع اعتمدها مجلس الوزراء في اجتماعه المنعقد في 19 أكتوبر 2025 برئاسة الملك.
المشروع الجديد يظهر، على الورق، كـ”حملة تطهير أخلاقي” واسعة، أكثر مما هو مجرد تعديل تقني لقانون الانتخابات. فهو لا يكتفي بمعاقبة شراء الأصوات بالمال والهدايا والوعود بالمناصب، بل يفتح لائحة سوداء طويلة تضم كل من تورط في سلسلة من الجرائم، من تبديد المال العام والاختلاس والإضرار بالمال العام، إلى الاتجار في المخدرات، مرورًا بالتشهير والقوادة والبغاء وإفساد أخلاق الشباب. عمليًا، كل من حُكم عليه بحبس نافذ، أو حتى بحبس موقوف التنفيذ يتجاوز ثلاثة أشهر، أو بغرامة في قضايا سرقة وخيانة أمانة وإفلاس وتزوير، يُدفع خارج اللوائح الانتخابية، ولو لسنوات.
بلاغ للديوان الملكي، صدر حينها، قدم مشروع القانون باعتباره أداة لـ”تخليق” الاستحقاقات المقبلة و”تحصين” البرلمان من الفاسدين، مع تشديد العقوبات على كل من يعبث بنزاهة الاقتراع. لكن خلف هذا الخطاب الأخلاقي الصارم، يطرح المشروع سؤالًا سياسيًا مزعجًا، بشأن من يملك فعليًا مفاتيح تعريف “النخبة النزيهة”، ومن يقرِّر من يُسمح له بالولوج إلى المجال الانتخابي ومن يُقصى منه، في مشهد حزبي ضعيف وتابع، يمكن أن يتحول فيه سلاح “فقدان الأهلية” من آلية لحماية “الصندوق الانتخابي” إلى أداة إضافية للضبط والانتقاء من فوق.
يقدّم نص المشروع كدرس في “الأخلاق السياسية”، إذ يعلن أن هدفه ليس أقل من ترسيخ سلوك برلماني نزيه، وتحسين إدارة العمليات الانتخابية وتعزيز شفافية التصويت. في الواجهة، تبدو الصورة مثالية، وزير داخلية يتحدث أمام مجلس المستشارين بروح “مسؤولية عالية”، يؤكد أن التحضير للاستحقاقات المقبلة يروم إثبات متانة “النموذج الانتخابي المغربي”، ويصرّ على أن نجاح الدورة المقبلة يمر حتمًا عبر حماية نزاهة التصويت، وتطهير الممارسة السياسية من المال الفاسد.
في كلمته ليوم 2 دجنبر 2025، يرفع الوزير سقف الخطاب الأخلاقي أكثر، حين يصف المقتضى الذي يمنع المتابعين قضائيًا من الترشح بأنه “لبّ المشروع”، ويتحدث عن “حماية البرلمان والعملية الانتخابية” كغاية نهائية، بل يذهب إلى القول إن التشدد كان يجب أن يكون أكبر. هكذا تعلن الدولة أنها ستمنع استعمال الأموال غير المشروعة وستقصي المرشحين المدانين أو المشتبه فيهم بشكل جدي، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيدًا عن اللغة المنمّقة، هو من سيرسم فعليًا الخط الفاصل بين “الشبهة الجدية” و “التوظيف الانتقائي”، ومن يضمن ألا يتحول شعار تخليق الحياة البرلمانية إلى “فلتر” سياسي إضافي، يتحكم من خلاله المركز في من يحق له دخول اللعبة ومن يُترك خارجها؟
رغم لغة الحزم التي استعملها وزير الداخلية وهو يقدّم مشروع «تخليق» الحياة الانتخابية، برزت في البرلمان مخاوف لا تتعلق برفض محاربة الفساد في الانتخابات، بل بالثمن الدستوري لهذه الحرب. عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ذكّر أولًا أن حزبه “يدعم الأهداف المعلنة” للاستحقاقات المقبلة، من رفع نسبة المشاركة إلى “إبعاد الفاعلين الفاسدين عن العملية الانتخابية”، لكنه عاد ليضع إصبعَه على جرح 8 شتنبر 2021، حين انتهى الأمر بعدد من المنتخبين إلى السجن أو التجريد من العضوية بتهم فساد، في مشهد أضر بصورة المغرب خارجيًا.
ويرى بوانو أنه من الطبيعي أن يتفاعل البلد، لكن ليس عبر تعميم المنع القانوني على كل من “يُضبط متلبسًا” أو يخضع لـ”حكم ابتدائي” أو “متابعة قضائية”، لأن ذلك يضرب في الصميم مبدأي حرية الترشح وقرينة البراءة، اللذين يعتبرهما، إلى جانب خطب الملك والدستور وقرارات المحكمة الدستورية، مرجعية حزبه في هذا النقاش. وبدل هذا المنطق الزجري الواسع، يقترح بوانو ميثاقًا أخلاقيًا تُلزِم فيه الأحزاب نفسها بعدم ترشيح من تحوم حولهم شبهات جدية، أو من صدرت ضدهم أحكام ابتدائية في قضايا فساد، محولا جزءا من المسؤولية من النص إلى الفاعلين السياسيين أنفسهم.
من جهته، يذهب رشيد حموني، رئيس الفريق النيابي للتقدم والاشتراكية، في الاتجاه نفسه، لكن من زاوية أخرى، “المشكلة الأساسية التي تمس نزاهة الانتخابات لا تكمن أساسا في النصوص القانونية بل في الممارسات”، حسب تعبيره. بالنسبة له، الفاعلون الفاسدون “يبحثون دائمًا عن طرق للالتفاف على القانون”، ما يجعل أي تشديد نصي وحده غير كاف، إذا لم ترافقه إرادة فعلية لدى السلطات لـ”تنظيف المشهد الانتخابي والمؤسساتي”، مركزا على مسؤولية حقيقية للأحزاب في اختيار مرشحيها، ودور حاسم لإعلام مسؤول ومستقل، ولمجتمع مدني يقظ، وقبل كل ذلك لمواطنين يذهبون إلى الصندوق بوعي لا بدافع الزبونية.
في قراءة هذه المواقف، يبدو أن جزءًا من النخبة الأكاديمية يحاول أن يمنح المسار الجديد غطاءً نظريًا أنيقًا. رشيد لازرق، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري، يرى في “الخطاب الأكثر تشددا” لوزير الداخلية مؤشرا على تحول لدى مؤسسات الدولة نحو مقاربة تعتبر إعادة بناء الثقة الانتخابية “مطلبًا سياديًا قبل أن تكون إجراءً تقنيًا”. وفي الاتجاه نفسه تقريبًا، لكن بلغة أكثر مباشرة، يذهب المحلل السياسي وأستاذ القانون العام رشيد لبيكر إلى أن إقصاء “الشخصيات الفاسدة” يفتح المجال أمام “مرشحين وطنيين نزيهين لتحمل المسؤولية الحقيقية في التمثيل”.
بين هذا وذاك يبقى السؤال الأهم: أية سلطة لصناديق الاقتراع حقيقة في تغيير واقع المغاربة، وهل ستتغير اللعبة بعد انتخابات 2026 رغم أن التجارب التاريخية أثبتت العكس؟