هوامش
في الأول من يوليوز 2025، أعادت الشرطة اعتقال سعيدة العلمي من شوارع الدار البيضاء. لم تكن هذه المرة الأولى. قبل سنة واحدة فقط، أُطلق سراحها بعفو ملكي، بعد أن أمضت سنتين خلف القضبان بسبب منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي. كانت تنتقد السياسات العامة وتُساءل المؤسسات. لم تحرّض، لم تشتم، لم تدعُ إلى عنف. لكن الكلمة، في سياقات بعينها، تصبح جريمة.
قضية العلمي ليست استثناء، بل هي واحدة من قضايا موثقة ضمن تقرير أعدّته مجموعة “شابات من أجل الديمقراطية” حول وضع المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب خلال عام 2025. التقرير، الذي استند إلى عشر ورشات عمل وعشرات الشهادات المباشرة، يرسم صورة قاتمة لنساء يخضن معارك يومية على أكثر من جبهة: في قاعات المحاكم، وفي التعليقات الإلكترونية، وفي بيوتهن حين يعدن محمّلات بالخوف.
كلمات تُكلّف الحرية
في شتنبر 2025، أكدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكما ابتدائيا بإدانة سعيدة العلمي بثلاث سنوات سجناً نافذاً وغرامة مالية تبلغ عشرين ألف درهم. الاتهامات؟ “إهانة قاضٍ”، “نشر ادعاءات كاذبة”، “القذف”. كلها صياغات قانونية فضفاضة، تصلح أن تتسع لأي رأي خارج السياج المرسوم. ما يُثير القلق، وفق محاميها، أن الاعتقال جرى دون أمر قضائي معلّل، وأن أقوالها لم تتضمن أي تمييز أو تحريض على كراهية، بل كانت انتقاداً لشخصيات تتولى إدارة الشأن العام.
بالتوازي مع الملاحقات القضائية، انهمر على سعيدة العلمي الإيذاء الرقمي. حسابات مجهولة تتداول صوراً وتعليقات تمس شخصها وسمعتها بأسلوب ذكوري ممنهج. وهذا النمط، الذي يقوم على المحاكمة في النهار والمضايقة في الليل، تكرّر في أغلب القضايا التي وثّقها التقرير. كأن المسألة لا تتعلق بردع المُتهمة فحسب، بل بإرسال رسالة لكل امرأة تفكر في الكلام.
عندما تُلاحَق الصحافية
لبنى الفلاح، مديرة نشر جريدة مستقلة، تعمل في حقل مزروع بالألغام. التقرير يوثّق بدقة مسار المضايقات التي تتعرض لها: إجراءات تأديبية من المجلس الوطني للصحافة، ألغتها المحكمة الإدارية لاحقاً لغياب السند القانوني، وحملة تشهير إعلامية ضخمة طالت حياتها الشخصية، وحكم مالي بمائة ألف درهم صدر في جلسة انعقدت في غيابها. حين قدّمت شكايات بسبب الهجمات عليها، لم يُتخذ أي إجراء ملموس في مواجهة مرتكبيها.
ما يكشفه مسار لبنى الفلاح أعمق من حالة فردية. فهو يُبيّن كيف يمكن أن يتحوّل الإطار المهني إلى أداة ضغط، وكيف أن التشهير حين لا يُعاقب عليه يصير سلاحاً مباحاً. منظمة مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين وثّقتا ظاهرة مشابهة: استخدام متزايد للقانون الجنائي، وللضغوط المالية لتكبيل الصحافة النقدية في المغرب.
شابات في قفص
لا يقتصر على الناشطات المعروفات بمواقفهن وبمسارهن النضالي، بل إنه يطال الشابات أيضاً، اللواتي ينزلن إلى الشوارع للمطالبة بأبسط الحقوق كالنقل الجامعي اللائق، والتعليم العمومي المنصف، والكرامة في الفضاء العام.
هذا ما حدث للطالبة يسرى خلوفي، من مدينة تازة، والتي اعتُقلت بعد مشاركتها في تنظيم وقفة احتجاجية سلمية. حكم عليها بثمانية أشهر سجناً نافذاً، وأربعة أخرى موقوفة التنفيذ. وخلال احتجازها، تدهورت حالتها الصحية بسبب مرض السكري الذي تعاني منه، مما اضطر السلطات لنقلها مرات عدة إلى المستشفى.
في السياق ذاته، وثّق التقرير شهادات شابات من الدار البيضاء والرباط وسلا ومكناس، اعتُقلن في إطار حراك جيل Z، ومَثَلن جميعاً أمام محكمة الرباط ، خيار يُشير إلى استراتيجية مركزة للمراقبة. ما جرى لهن داخل مراكز الاحتجاز كان أشد وطأة، فقد تعرضن لكلمات مهينة، ولمسات غير لائقة، وأحكام قيمة على اللباس والمظهر، ووقعن على محاضر لم يقرأن مضمونها بعد ليلة بيضاء من الخوف.
ابتسام لشكر.. السجن بسبب صورة
في أغسطس 2025، اعتُقلت ابتسام لشكر، مؤسسة الحركة البديلة للحريات الفردية “مالي”، بسبب صورة نشرتها على وسائل التواصل الاجتماعي. الصورة رأت فيها المحكمة إساءة للدين. استندت المحكمة إلى الفصل 220 من القانون الجنائي، الذي يُجرّم “المس العلني بالأديان”، وهو نص يُوصف في الأدبيات الحقوقية بأنه بالغ الغموض، قابل للتمطيط في أي اتجاه. وصدر في حقها حكم بسنتين ونصف سنة سجناً نافذاً وغرامة خمسين ألف درهم.
ما يميز حالة ابتسام لشكر، وفقا لتقرير مجموعة “شابات من أجل الديمقراطية”، هو التراكم، طوال مسيرتها النضالية، دافعت عن الحريات الفردية، عن حق الإنسان في اختيار ما يأكل وما يؤمن به وكيف يُحب. هذا الالتزام عرّضها لاستهداف مزدوج: قضائي من جهة، واجتماعي وأخلاقي من جهة أخرى، حيث تواجه المرأة معيارا مضاعفاً لا يُطبَّق على الرجل. وأثناء احتجازها، احتاجت إلى تدخل جراحي عاجل، مما يُثير تساؤلات جدية حول ظروف الاحتجاز وتوفر الرعاية الصحية الملائمة.
الأستاذة التي قادها نضالها إلى السجن
نزهة مجدي أستاذة ومناضلة نقابية. في أبريل 2021، شاركت في تظاهرة سلمية “للتنسقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد”، اعتُقلت ووُجّهت إليها تهمة إهانة موظفين عموميين. في مارس 2022، صدر بحقها حكم بثلاثة أشهر سجناً نافذاً أكّده الاستئناف في ماي 2023. اللافت، وفق التقرير، أن زملاءها في الملف ذاته نالوا أحكاماً موقوفة التنفيذ، بينما دفعت هي وحدها ثمناً أشد.
هذا التفاوت في المعاملة، الذي يصعب تفسيره بمعايير قانونية بحتة، يُلمح إلى ما يُسمّيه التقرير “الاستخدام الانتقائي للقانون الجنائي”، حيث أن “ليس كل من يتظاهر يُسجن، بل من يظهر كوجه بارز في الحراك، وخاصة إن كانت امرأة”.
القانون الذي يُراد به غير وجهه
ما الذي يجمع هذه القضايا؟ وفقا للتقرير ثمة خيط مشترك يُحكم ربطها، إذ يتم استخدام فصول قانونية فضفاضة الصياغة، كالفصول 220 و222 و267-5 من القانون الجنائي، لاستهداف تعبير سلمي لا يُثير فيه المتأمل أي ضرر فعلي. بينما القانون الدولي صريح في هذا الشأن، إن “أي قيد على حرية التعبير يجب أن يكون ضرورياً ومتناسباً مع هدف مشروع”، والشخصيات العامة، تحديداً، مطالبة بتحمّل قدر أكبر من النقد.
المغرب صادق على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وعلى اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة. دستوره يكفل المساواة وحرية التعبير. لكن الهوة بين النص والتطبيق لا تزال واسعة، وهو ما عبّرت عنه لجان أممية بصريح العبارة في ملاحظاتها الختامية المتعلقة بالمغرب.
عندما يتم إسكات النساء أو وصمهن أو إقصاؤهن من الحيز العام، فإن مجمل النقاش الديمقراطي يصبح مُفقراً وهشاً.
ليس الجسد وحده في خطر
ما يميز قمع المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب، وفق التقرير، هو طابعه متعدد الأوجه. ليس السجن وحده، وليست الغرامة المالية وحدها. ثمة حرب موازية تُشنّ في الفضاء الرقمي عبر حسابات تتولى تشويه الصورة، ومنشورات تستهدف الحياة الخاصة، وتعليقات تُشكّك في الأخلاق والهوية. كل هذا يُنتج رقابة ذاتية، فتصبح لدينا نساء يصمتن وهن يُفكّرن، وأخريات يتراجعن عن الانخراط في الفضاء العام.
التقرير يستعير من الباحثات الاجتماعيات مفهوم “التطبيع الاجتماعي القائم على العنف”، ويؤكد أنه حين تتعرض 82% من النساء المغربيات لشكل من أشكال العنف في حياتهن، يصبح العنف الموجّه للمناضلات مجرد امتداد لحالة عامة، لا فعلاً استثنائياً يستوجب الإدانة، وهذا بالذات ما يجعله أكثر خطورة.
لا يكتفي التقرير بتوثيق الجروح، بل يقترح أيضاً مسارات للخروج من هذه الحلقة، بالتأكيد على ضرورة إصلاح الفصول القانونية الغامضة التي تُستخدم لتكميم الأفواه، وسنّ تشريعات تُجرّم العنف الرقمي بشكل فعّال، وإرساء آليات مستقلة لحماية المدافعات عن حقوق الإنسان، وتدريب المؤسسات القضائية على المقاربة الجندرية حتى لا تتحوّل المحكمة إلى أداة ضغط انتقائي.
لكن الرسالة الأعمق في التقرير ليست حقوقية فحسب، بل ديمقراطية، جوهرها أن حماية المدافعات عن حقوق الإنسان هو دفاع عن جودة النقاش العام برمته. فالمجتمع الذي يُسكت نساءه يُفقر نفسه. والنظام السياسي الذي يلجأ إلى المحاكم لإسكات المنتقدات هو نظام يعترف، بطريقة ما، بأنه يخشى الكلام.