الرئيسية

فيضانات شفشاون.. مناطق خارج حسابات التعويض وداخل دائرة الخطر

يوم الجمعة 6 فبراير 2026، لم يكن كباقي الأيام التي يعرفها عادة سكان القصر الكبير، بل كان صفحة جديدة في تاريخ سفوح اللوكوس، شمال المغرب، فبعد أيام من الأمطار الاستثنائية، تجاوزت نسبة الملء الطاقة الاستيعابية لسد وادي المخازن، وسجلت عدة سدود في الحوض نسبة ملء بلغت مائة في المائة، وهو وضع شكل تهديدا للمدينة، مما دفع السلطات إلى إعلان الإخلاء الشامل للمدينة والمناطق المحيطة بها.

سامي صبير

بعد صدور قرار الإخلاء، كان كل فرد يسارع الخطى للنجاة بحياته، حاملا ما استطاع إليه سبيلا، إلى حدود يوم الجمعة 6 فبراير، بلغ عدد الأشخاص الذين شملتهم عمليات الإجلاء التدريجي لسكان الجماعات الترابية المعرضة لمخاطر الفيضانات، أزيد من 154 ألف شخص، وجاء إقليم العرائش في مقدمة الأقاليم الأكثر إجلاء، حيث تم إجلاء أزيد من 112 ألف شخص، و23 آلف شخص بإقليم القنيطرة، و14 ألف شخص بإقليم سيدي قاسم، و4 ألاف بإقليم سيدي سليمان.

نعمة أم نقمة.. نحو المصير المجهول

يوم الجمعة 13 فبراير، بعد مرور ستة أيام على الإجلاء، أعلنت الحكومة عن إطلاق برنامج لدعم الأقاليم المذكورة، مناطق منكوبة، وخصصت لذلك ميزانية قدرت بنحو 3 مليارات درهم، ولكن شرق مدينة العرائش، وتحديدا في إقليم شفشاون، مناطق أخرى لم يشملها القرار، رغم أنها شهدت خسائر جراء السيول وانجراف التربة والانهيارات الصخرية التي حولت الدور والمساجد إلى ركام. 

وأوضح عبد ربه البخش، منسق اللجنة التحضيرية للتنسيقية الإقليمية للمطالبة بدعم المتضررين من الاضطرابات المناخية، بأن “إقليم شفشاون شأنه شأن مجموعة من الأقاليم الأخرى، عرف خسائر كبيرة جراء الاضطرابات المناخية، ولكن عندما تم الإعلان عن المناطق التي سوف تستفيد من برنامج الدعم، تم استثناء الإقليم (شفشاون) إلى جانب مجموعة من الأقاليم”.

وأكد البخش لمنصة “هوامش”، في اتصال هاتفي، أنه بناء على الزيارات الميدانية للمناطق المتضررة، التي أجراها أعضاء من اللجنة التحضيرية، لدوار أغبالو ودوار إشوكن، توجد مناطق متضررة، حيث فقد الأهالي منازلهم، وهو أهم شيء عند الإنسان، دون الحديث عن البنية التحتية من طرقات وأعمدة الكهرباء، والخسائر المادية الأخرى، مضيفا أنه “حاليا توجد مئات الأسر التي انهارت منازلها”، موضحا أنه لا يوجد رقم رسمي مؤكد لحجم الخسائر، لكن مقاطع فيديو وصور توثق حجم الضرر في عدة دواوير، مثل دوار إشوكن بجماعة باب برد، ودوار أغبالو بجماعة تنقوب.

وأشار المتحدث إلى تسجيل حوادث  انهيار مجموعة من المنازل في دوار إشوكن، بعد صدور إعلان المناطق التي سوف تستفيد من برنامج الدعم بشمال المغرب جراء التساقطات القياسية.

بين تراجع زراعة الكيف واضطراب المناخ

تعتمد المنطقة على الزراعة المعيشية، وبشكل كبير أيضا على غلال أشجار التين والزيتون، وأشجار اللوز التي تنتشر بشكل أكبر بجماعة باب برد، بالإضافة إلى زراعة القنب الهندي (الكيف).

وبحسب دراسة علمية، نشرت السنة الماضية 2025، في المجلة الفرنسية المتخصصة في علوم الصيدلة، (Annales Pharmaceutiques Françaises)، ومنصة ساينس دايركت (Science Direct)، يتوفر المغرب على إمكانية الاستحواذ على ما بين 10 و 15 في المائة من السوق الأوروبية لاستعمالات الكيف المقنن، حيث تتراوح المداخيل المقدرة بين 4.2 و 6.3 مليار درهم.

ويوضح الدكتور في علم الاجتماع، عبد ربه الخبش، أن هذا النشاط عرف تراجعا منذ 2021، بعد إقرار القانون 13.21 المتعلق بالاستعمال المشروع للقنب الهندي، رغم انتقاله من خانة الطابو إلى النقاش في الفضاء العمومي.

البخش، الذي نال شهادة الدكتوراه بأطروحة حول زراعة القنب الهندي ودوره في الحياة الاجتماعية والاقتصادية بإقليم شفشاون، يضيف أن زراعة القنب الهندي أصبحت تشكل عبئا على الفلاح، “فبعد الإنفاق على الإنتاج لا يتمكن الفلاح من بيع المحصول”، وينص القانون 13.21 على أنه يمنع زراعة الكيف أو تسويقه أو إنتاجه، إلا برخصة تمنح للتعاونيات لأغراض طبية وصيدلية وصناعية، وألا تتجاوز حدود الكمية حاجيات أنشطة إنتاج مواد الطب والصيدلة.

ويرى المتحدث، أنه بعد بذل مجهودات في الترافع من أجل تقنين زراعة الكيف، باعتباره مورد دخل لأهالي المنطقة، وإقرار القانون، لم تتم مواكبة المشروع وتعثر تسويق المنتوج، وبالتالي كانت له نتائج عكسية، مضيفا أن هذا الملف عرف أحداث كان لها أثر على الفلاحين، ومنها تأخر تسلم الفلاحين للمستحقات من التعاونيات وتراكم الديون، وهو ما تحول إلى احتجاجات شهدتها جماعة تاونات في شهر ماي من السنة الماضية.

زين العابدين.. ما وقع في الشمال مرشح للاستمرار

من جهة أخرى يؤكد زين العابدين الحسيني، أستاذ جامعي باحث في البيئة والتنمية المستدامة، في تصريح لمنصة “هوامش”، أن “ما شهدته أقاليم شمال المملكة، يعود إلى ظاهرة مناخية عالمية، كانت قد بدأت عمليا في ربيع السنة الماضية”.

وأضاف المتحدث، أن المؤشرات العلمية تؤكد أنه من المتوقع أن تشهد البلاد خلال السنة المقبلة، ظواهر مناخية مشابهة لما وقع مؤخرا، مع تغيرات في الحدة والاستمرارية الزمنية، وذلك طالما استمر ارتفاع درجة حرارة الأرض، ولم تتخذ الإجراءات التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر الأطراف 21 (كوب21)، المنعقد بباريس سنة 2015.

ويرى الحسيني، أن درجة حرارة الأرض المثالية والضرورية هي درجة ونصف، في حين نقترب حاليا من 3 درجات، وهو ما يهدد الحياة على الأرض بصفة عامة، حيث تتسبب في التصحر وذوبان الثلوج في القطب الشمالي وارتفاع مستوى البحر، وغيرها من الظواهر الاستثنائية المتطرفة، مما يؤثر على الصحة والزراعة والاقتصاد والأمن المائي، منبها إلى أنه مع استمرار السبب فليس من المستغرب أن تتكرر نفس الوقائع مرة أخرى، بحسب المتحدث.

ويضيف الخبير أن هذه الظاهرة تأتي نتيجة مجموعة من الظواهر التي أصبحت فاعلة محددة للمناخ العالمي، وتحديدا ظاهرة إلنينيو (El Niño)، وتقوم على ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية للمحيط الأطلسي، ثم ظاهرة إلنينيا التي هي عكس ظاهرة إلنينيو.

ويوضح الحسيني، أن هاتين الظاهرتين تتحكمان في المناخ الذي يسود في الطبقات السفلى والعليا للمحيطات، إضافة إلى العواصف التي تتشكل والأعاصير، لأن هذه الظواهر تؤدي إلى فتح بعض المنافذ من الدورة القطبية التي هي عبارة عن رياح صقيعية تدور حول القطب المتجمد الشمالي، وعندها تتسرب الكتل الهوائية الباردة باتجاه الجنوب لتصل إلى المحيط الأطلسي، وفي الغالب تتوجه نحو السواحل الأوروبية الغربية، وسواحل المغرب.

ويفسر زين العابدين الحسيني، أن ما يشهده المغرب من جفاف وانحباس الأمطار وعدم انتظام التساقطات في السنوات السبع الماضية، يرجع بالأساس إلى توقف “المرتفع الآزوري” الذي يفترض أن يكون مسؤولا عن ضبط التيارات الهوائية، قبل أن يتحرك في فصل الربيع من السنة الماضية 2025، مما سمح لمجموعة من الكتل الهوائية الباردة بالتسرب إلى المغرب، وينتج عنها ما شهدته البلاد من تساقطات استثنائية وعواصف.

ويشير زين العابدين، إلى أن الزراعة والاقتصاد رهينان بالوضعية المناخية، وخصوصا في المغرب، لأن “الناتج الداخلي الخام والتوازنات الاقتصادية ونسبة النمو، كل هذه الأمور مرتبطة بالفلاحة والمناخ”. 

ولتخفيف حدة وآثار هذه الظواهر المناخية القصوى، يقول المتحدث، إنه “يمكن على المستوى المتوسط والبعيد اتباع سياسات معينة، حيث ينبغي في فترات الجفاف التفكير في الاعتماد على الزراعات التي لا تحتاج الكثير من الماء، والابتعاد عن الزراعات التي تستنزف المياه، والقيام بعمليات التحسيس لأن الإجراءات الرسمية والفاعل المؤسساتي لوحده لا يمكنهم مواجهة هذا المشكل، ثم الاعتماد على مصادر الماء غير التقليدية، مثل معالجة المياه العادمة، وتحلية مياه البحر، ومنع التبخر، وغيرها من الإجراءات التي تحافظ على المخزون المائي”، مع الاستمرار في العمل على بناء مختلف أنواع السدود في مختلف المناطق، وذلك لكون هذه الظواهر المناخية القصوى أصبحت جزءا أساسيا من حياتنا. 

ويعتبر الحسيني أن للجانب العمراني دورا مهما، بحيث يجب وضع تشريعات لتنظيم التعمير، ومنع التعمير منعا باتا في بعض المناطق لأن للماء ذاكرة قوية، ويعود إلى مجراه قبل الجفاف، وبالتالي يجب أن يقتصر التعمير على الأماكن التي تسمح بذلك تقنيا، وحسب التصاميم التي تأخذ بعين الاعتبار الخرائط الجيوتقنية لتفادي الكوارث.

جفاف مزمن وفيضانات.. إجراءات حكومية ومطالب حقوقية

وفق البيانات الرسمية لوكالة التنمية الفلاحية، عرف المغرب خلال الـ 70 سنة الأخيرة عشرين موسم جفاف، وللتخفيف من آثار هذه المشكلة، وضع برامج رئيسية تتعلق بالتكيف مع التغيرات المناخية، في إطار المساهمة الوطنية، المحددة في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية، حيث بلغ حجم الاستثمار في برامج تدبير وعقلنة مياه السقي، حوالي 36,1 مليار درهم، استفادت منها 235 ألف ضيعة، بمجموع 800 ألف هكتار، ما يمثل 50% من المساحة المسقية على المستوى الوطني.

كما اعتمد المغرب برنامجا للتأمين الفلاحي للتعويض عن المخاطر المناخية التي يتعرض لها القطاع، وطرح منتوجين في هذا المجال، ويتعلق الأمر بالتأمين المتعدد المخاطر المناخية الخاص بالحبوب والقطاني والزراعات الزيتية، وبرنامج التأمين المتعدد المخاطر المناخية الخاص بالأشجار المثمرة، ويغطي الأضرار الناتجة عن اﻟﺼﻘﻴﻊ، واﻟبرد، ورﻛﻮد المياه في اﻟﺤﻘﻮل اﻟﻔﻼﺣﻴﺔ، واﻟﺤﺮارة المرﺗﻔﻌﺔ، واﻟﺮﻳﺎح اﻟﻘﻮﻳﺔ ورﻳﺎح اﻟشرﻗﻲ.

وفي 13 فبراير، أعلنت الحكومة عن إطلاق برنامج دعم ومواكبة للمتضررين من الفيضانات بشمال وغرب المغرب، حيث تقرر صرف مساعدات مالية مباشرة للمتضررين تصل إلى 6 ألاف درهم لكل أسرة، وتقديم دعم مالي بقيمة 15 ألف درهم لتأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة المتضررة، و140 ألف درهم لإعادة بناء المساكن المنهارة بسبب الفيضانات.

إلا أن هذا البرنامج لم يشمل مجموعة من المناطق المتضررة، وبهذا الخصوص قالت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، إن “هذه الفيضانات قد أدت إلى انهيار عدد كبير من المنازل، وحدوث تشققات في منازل أخرى حتى باتت غير صالحة للسكن اللائق. وقد امتد هذا الأمر إلى مختلف الأقاليم التي شهدت هذه الكارثة الطبيعية وخاصة: سيدي قاسم، القنيطرة، سيدي سليمان، العرائش، شفشاون، وزان، تاونات، الحسيمة”.

وانتقدت المنظمة “استثناء بعض المناطق والأقاليم من إعلانها ضمن المناطق المنكوبة”، ويتعلق الأمر بأقاليم شفشاون، وتاونات، والحسيمة ووزان.

وتنص المادة 3 من القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، على أنه “يعتبر واقعة كارثية كل حادث تنجم عنه أضرار مباشرة في المغرب، يرجع السبب الحاسم فيه إلى فعل القوة غير العادية لعامل طبيعي أو إلى الفعل العنيف للإنسان”، ويتعين لتصنيف واقعة ما كارثة طبيعية أن تكون هذه الواقعة موضوع قرار صادر عن رئيس الحكومة في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ وقوع الحادث، يعلن الواقعة كارثة.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram