تقارير

تسوية الأوضاع في إسبانيا.. مغاربة يطاردون حلم الاستقرار

“هوامش” 

لم يكن المطر الذي تساقط على شارع “ليزاران” في حي تشامارتين بمدريد كافيًا لتفريق الطابور الطويل أمام القنصلية العامة للمغرب، رجال بقبعاتٍ صوفية، شباب تحت مظلاتهم يلفّون أيديهم في جيوب معاطف ثقيلة عن البرد، عائلات تحمل ملفات بلاستيكية شفافة تحمي وثائقها من البلل، والجميع ينتظر دوره منذ إعلان الحكومة الإسبانية عن فتح الباب لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين.

الخبر انتشر سريعًا بين أفراد الجالية المغربية، وبالنسبة لكثيرين، بدا القرار بمثابة نافذة طال انتظارها، “شكرًا لبيدرو سانشيز”، يقول أحد الواقفين في الصف باسمًا، وهو يشدّ على ملفه الأزرق.، وفي حديثه لـ”هوامش” يؤكد أنه “قرار موفق، عائلتي كلها تريد القدوم إلى هنا، والداي وأبناء عمي أيضًا”.

الطابور لا يضم فقط من يسعون لتسوية أوضاعهم، بعضهم سبق أن حصل على بطاقة الإقامة، لكنهم جاؤوا لاستخراج جوازات سفر، أو شهادات عدلية، أو وثائق للزواج، شاب لم يُكمل عامًا في إسبانيا يقف متحمسًا: “أستعد للزواج هنا. وأريد أن تكون أوراقي كاملة”.

ورغم هذا الحماس، تكشف تفاصيل المشهد عن مفارقات لافتة؛ عدد من الحاضرين لا يتحدثون الإسبانية بعد، رغم إقامتهم في البلاد. كما يغيب صوت النساء عن المشهد؛ فكل النساء اللواتي حضرن كنّ برفقة أزواجهن، الذين تكفلوا بالكلام نيابة عنهن.

قصّرٌ غير مصحوبين بذويهم

في زاوية أخرى من الرصيف، يقف شابان قاصرانِ غير مصحوبين بذويهمَا. أحدهما يبتسم وهو يردد: “تحيا إسبانيا ويحيا بيدرو سانشيز، إنه يساعد من ليس لديهم أوراق”.

أمضى الفتى عامين في مركز للقاصرين، ووالداه في المغرب، يوضح لـ”هوامش” وضعه في المركز “إذا كنت حسن السلوك يعطونك 15 يورو أسبوعيًا. لدينا هواتف لنتصل بعائلاتنا”، ويضيف “أحلم بالحصول على الوثائق لزيارة أسرتي”.

ليس الجميع متحمسًا بلا تحفظ، رجل آخر، جاء لإنهاء وثائق زواجه، يرى أن تسوية الأوضاع خطوة إيجابية، “لكن ليس للجميع”، ويعتبر أن “من يرتكبون جرائم يسيئون لسمعة البقية”، ويدعو إلى ترحيلهم. ومع ذلك، يعترف بأنه يحاول جلب شقيقه إلى إسبانيا.

تعبئة شاملة للقنصليات 

خلف هذا المشهد، تتحرك الرباط بدورها، فبعد إعلان مدريد بدء التسوية الاستثنائية، سارعت وزارة الشؤون الخارجية إلى عقد اجتماع مع القنصليات المغربية الاثنتي عشرة في إسبانيا. والنتيجة أثمرت خطة تعبئة شاملة، تضمنت تمديد ساعات العمل إلى السادسة مساءً، وفتح المكاتب خلال عطلات نهاية الأسبوع، والإعلان عن خدمات مستعجلة لاستخراج الوثائق والمصادقة عليها.

في برشلونة، أصبح استقبال المواطنين صباح السبت أمرًا اعتياديًا، وفي مورسيا، حيث تنتشر الحقول البلاستيكية ويعمل آلاف المغاربة في الزراعة، فتحت القنصليات أبوابها، حتى أيام الأحد، لتمكين العمال من إنهاء معاملاتهم خارج أوقات العمل، أما في أليكانتي، فقد استدعى الاكتظاظ تعزيزات أمنية لتنظيم الحشود.

ورغم صعوبة الحصول على مواعيد؛ في ظل حديث متكرر عن “مافيا تحجز المواعيد لإعادة بيعها”؛ يستمر التدفق اليومي نحو القنصليات، فالتسوية، بالنسبة للكثيرين، ليست مجرد إجراء إداري؛ إنها وعد بالاستقرار، وبإمكانية العمل القانوني، وبالاستفادة من النظام الصحي، وبلمّ شمل عائلات ظلت لسنوات موزعة بين ضفتين.

قانون التسوية في إسبانيا

في أوائل عام 2026، أعلنت الحكومة الإسبانية عن مشروع تسوية جماعية غير مسبوق للمهاجرين غير النظاميين، يهدف إلى منح وضع قانوني لما يقارب نصف مليون شخص يعيشون في البلاد بدون تصاريح رسمية. 

ويسمح القانون لمن أثبتوا إقامتهم في إسبانيا لمدة لا تقل عن خمسة أشهر قبل نهاية دجنبر 2025، والذين يمتلكون سجلًا جنائيًا نظيفًا، بالتقدّم بطلب للحصول على بطاقة إقامة مؤقتة وصلاحية للعمل القانوني. 

وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الحكومة الإسبانية لدمج المهاجرين في الاقتصاد الرسمي وتقليل العمل غير القانوني، وقد تمت الموافقة عليها عبر مرسوم ملكي لتسريع الإجراءات دون انتظار التصويت البرلماني.

وتشكل الجالية المغربية أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، ويقدر عددها بأكثر من 1.09 مليون شخص، أي حوالي 14 بالمائة من إجمالي المهاجرين في البلاد. وتشير بيانات أخرى إلى أن نحو 920 ألفا و693 مغربيًا مسجلون رسميًا، مع نمو سنوي مستمر. 

ومنذ عام 2018، حصل أكثر من 237 ألف مغربي على الجنسية الإسبانية، بما في ذلك حوالي 54 ألفًا في عام 2023 وحده، ما يجعل المغاربة هم الأكثر حصولًا على الجنسية الإسبانية بين الجنسيات الأجنبية. ومع ذلك، لا يزال آلاف المغاربة يعيشون في وضع غير قانوني، ما يجعلهم المستفيدين الرئيسيين من برنامج التسوية الجديد.

أهمية التسوية للمغاربة

القانون الجديد لا يمنح فقط حق الإقامة والعمل القانونيين، بل يفتح أيضًا أبواب الاندماج الاجتماعي، بما في ذلك الوصول إلى نظام الضمان الصحي، وحقوق الشغل والمساواة أمام القانون، وتسهيل لمّ شمل الأسر. 

وبالنسبة للكثيرين، تمثل التسوية فرصة لتحقيق الاستقرار الشخصي والعائلي، والخروج من دائرة الوظائف غير الرسمية التي غالبًا ما تكون مرهقة وغير مضمونة.

وفي هذا السياق، تتحول طوابير الانتظار تحت المطر إلى رمز لتطلعات الجالية المغربية نحو حياة أكثر أمانًا واستقرارًا في إسبانيا، بينما تظل السلطات المغربية والإسبانية في حالة تعبئة لضمان أن تصل هذه الفرصة إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين.