الرئيسية

تحت المياه وفوق الجراح.. كيف أعادت الفيضانات تشكيل وجدان المنكوبين

في سنة شتوية استثنائية، اجتاحت الفيضانات عددًا من المناطق في شمال وغرب المغرب، مخلفة وراءها خسائر بشرية ومادية جسيمة. لكن وراء هذه الأرقام والصور، هناك قصص إنسانية مؤلمة، وجروح نفسية قد تستغرق وقتًا طويلًا للشفاء. في هذا التقرير، نتطرق إلى الآثار النفسية للفيضانات على المتضررين، ونستكشف كيف يؤثر هذا النوع من الكوارث على الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات، وما هي السبل الكفيلة بمساعدتهم على تجاوز هذه المحنة واستعادة حياتهم الطبيعية.

محمد البخياري 

كانت ليلةً قاسية الوطأة، ليلةً شتوية استثنائية انهمرت فيها أمطار غزيرة لم تألفها المنطقة من قبل. يقول سعيد، أحد الفلاحين المتضررين من فيضانات نواحي القصر الكبير، بنبرة يثقلها التأثر: “لم أكن أشعر إلا بالخوف والارتباك وأنا أرى كل ما أملك يتلاشى أمام عيني. كنت على وشك أن أفقد ابني وزوجتي”. ويضيف أن القرار الوحيد الممكن في تلك اللحظات الحرجة كان إنقاذ الأرواح، إذ لم يكن هناك متسع للتفكير في أي شيء آخر، كما روى لمنصة “هوامش” وهو يستعيد تفاصيل تلك التجربة العصيبة.

هذا الإحساس الذي عبّر عنه سعيد يكشف، في جوهره، حالة من الذهول وقلة الإلمام بطبيعة ما كان يحدث أمامه، نظراً لكون مثل هذه الكوارث لم تكن مألوفة بهذا الحجم في المغرب. هكذا فسّر الأمر عادل سلوان، الكوتش المتخصص في علم النفس الإيجابي، والمعتمد من جامعة ماريلاند الأمريكية، معتبراً أن عنصر المفاجأة لعب دوراً حاسماً في تعميق الصدمة.

ولتوضيح ذلك، يشير عادل سلوان إلى تعايش سكان الدول الغربية مع الأعاصير والفيضانات، مما أكسبهم مناعة نفسية وعمليّة في مواجهة الكوارث الطبيعية. ويضرب مثلاً آخر بسكان جبال الأطلس، الذين تعودوا على العواصف وأصبحوا يحمون ممتلكاتهم الفلاحية منها. هؤلاء الأفراد، بحسب سلون، بفضل التكيف النفسي والعملي مع بيئتهم، يمتلكون القدرة على الصمود والاستمرار. هذا ما لا يمتلكه الأشخاص الذين تعرضوا للفيضانات في الغرب والشمال، مما يبين الحاجة إلى التأهيل النفسي والتدريب على مواجهة الكوارث الطبيعية.

ويضيف سلوان، في حديثه لمنصة “هوامش”: “لو افترضنا وجود شخصين في المكان نفسه، أحدهما مهيأ نفسياً، ولديه وعي مسبق بطبيعة الفيضانات والأعاصير والمنخفضات الجوية، فإنه حين يواجه حدثاً من هذا القبيل يعرف كيف يتحرك وكيف يتصرف”. أما الآخر، الذي يفتقر إلى هذه المعرفة، “فغالباً ما يشلّه الذهول ويبقيه جامداً في مكانه”. ويرى المتحدث أن هذا التصور ينطبق إلى حد بعيد على الحالة المغربية، وهو ما يزيد من تعقيد الانعكاسات على المستوى النفسي.

وذلك ما حدث بالفعل لسعيد، الذي ظل واقفاً مذهولاً وهو يرى حصيلة سنوات من الكدّ تتبدد أمام ناظريه، فالرجل فقد في لحظات 80 رأسا من الأغنام، وأشجار زيتون ومزروعات من الحبوب أتت عليها السيول بدون رحمة. فهذا الرجل كان قد خاض صراعاً طويلاً مع إخوته حول إرث والده، قبل أن تنصفه العدالة في نهاية المطاف. عندها اتخذ قراراً حاسماً بمغادرة مدينة الدار البيضاء والتوجه نحو الشمال لبناء حياة جديدة؛ أسس أسرة وأطلق مشروعاً فلاحياً خاصاً به، مدفوعاً بقناعته بأن أراضي الشمال أكثر خصوبة وأن شتاءها أغزر مطراً من غيره من المناطق، على حد تعبيره. وهناك استقر مع عائلة زوجته، مبتعداً عن دوامة الخلافات العائلية التي لاحقته في بلدته الأصلية، كما روى لمنصة “هوامش”.

كيف تعود الطمأنينة؟

“البدوي يحنّ إلى منزله”، بهذه العبارة المكثفة لخّص عبد الرحيم عفيف، الأستاذ بجماعة ولاد حسين بإقليم سيدي سليمان، شعور المتضررين. وأكد، في حديثه لمنصة “هوامش”، أن هؤلاء، رغم نقلهم إلى مراكز الإيواء وتوفير الغذاء والماء وحتى خلايا الاستماع والدعم النفسي، يظلون مشدودين إلى بيوتهم، تواقين للعودة إلى حياتهم الطبيعية التي كانت تمنحهم الإحساس بالأمان والاستقرار.

غير أن هذا التصور يختلف معه، ضمنياً، الكوتش في علم النفس الإيجابي عادل سلوان، الذي يرى أن “الاكتفاء بتوفير الاحتياجات المادية وإعادة السكان إلى روتينهم اليومي، من دون معالجة الجوانب النفسية، لا يكفي لحل الإشكال”. فالجراح النفسية، في نظره، قد تتفاقم مع مرور الوقت، ويظل الخوف كامناً يطارد المتضررين؛ فكلما تلبدت السماء بالغيوم استعادوا مشاهد الفيضانات، وقد يتحول الشتاء نفسه إلى مصدر قلق وشؤم في مخيلتهم. لذلك يشدد سلوان على أن المرحلة تقتضي مواكبة نفسية حقيقية، تقوم على التوعية بطبيعة هذه الأحداث وتأهيل الأفراد للتعامل مع الكوارث الطبيعية مستقبلاً.

وأوضح المتخصص في علم النفس، في حديثه لمنصة “هوامش”، أن الأشخاص غير الملمين بكيفية التعامل مع الفيضانات والأعاصير يجدون أنفسهم في لحظة الكارثة أمام صراع قاسٍ: هل ينقذون أرواحهم أم ممتلكاتهم؟ وفي نهاية المطاف، وبحكم الفطرة الإنسانية، ينتصر دافع البقاء فيسارعون إلى إنقاذ أنفسهم، ليصحو كثير منهم لاحقاً على وقع خسارة فادحة لكل ما كانوا يملكونه. حتى إن بعضهم، تحت وطأة الصدمة، يردد بمرارة: “ليتنا متنا ولم نعش هذا الوضع”. 

وأكد الأستاذ عبد الرحيم عفيف هذه القراءة النفسية حين استحضر ما جرى في جماعة المساعدة بنواحي سيدي سليمان، حيث حاصرت المياه السكان من كل الجهات، فلم يعد يشغلهم سوى النجاة بأرواحهم، متناسين ممتلكاتهم بالكامل. وأسفر ذلك، في نهاية المطاف، عن تجنب أي خسائر بشرية، بخلاف جماعة ولاد حسين التي يدرّس فيها، والتي شهدت عملية إجلاء واسعة. غير أن ساكنة جماعة المساعدة تكبدت خسائر فلاحية جسيمة، ولم تستوعب حجم الصدمة إلا بعد انحسار المياه.

“الناس ليسوا سواء، والبنيات النفسية لا تتشابه”، بهذه الخلاصة فسّر الأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي محسن بن زاكور مسألة الطمأنينة. إذ يرى أن التعامل مع تداعيات الكارثة يقتضي إجراء مسح إحصائي وتشخيص دقيق للوضعية العامة، لرصد التفاوتات النفسية بين الأفراد: من منهم يحتاج إلى مواكبة عاجلة وضرورية، ومن يمكنه استعادة توازنه الاجتماعي بمرافقة أقل، مقارنة بشخص ذي بنية نفسية أكثر هشاشة. ويؤكد بن زاكور، في حديثه لمنصة “هوامش”، أن الأمر “لا يحتمل الارتجال أو الشعارات العامة”، بل ينبغي أن يُبنى على دراسة ميدانية رصينة وتشخيص علمي دقيق.

هل تنتهي النكبة؟

وفق أرقام وزارة الداخلية، ليوم 6 فبراير الجاري، تم إجلاء 112 ألفاً و695 شخصاً بإقليم العرائش، و14 ألفاً و79 شخصاً بإقليم سيدي قاسم، و4 آلاف و361 شخصاً بإقليم سيدي سليمان، إضافة إلى 23 ألفاً و174 شخصاً بإقليم القنيطرة. ومن بين أكثر الجماعات تضرراً في هذا الإقليم تبرز جماعة “المكرن”، التي صرّح رئيسها منصور قريطة لمنصة “هوامش” بأنه جرى إجلاء ما يفوق تسعة وتسعين في المئة من سكان الجماعة، “إن لم أكن أبالغ”، على حد قوله. كما تكبدت الجماعة خسائر فلاحية فادحة، مستشهداً بتجربته الشخصية إذ فقد، بصفته فلاحاً، أكثر من 450 هكتاراً كان يملكها.

في هذا السياق، يرى الأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي، محسن بن زاكور، أن الاستقرار النفسي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الاجتماعي. فالشخص الذي لا يملك دخلاً قارّاً ويواجه مثل هذه الظواهر الطبيعية المفاجئة، يتعمق شعوره بالمرارة النفسية، ويجد نفسه غارقاً في التساؤلات حول مكانه القادم، وكيف سيعيش، وكيف سيسترجع ما فقده من ممتلكات. ويؤكد الباحث أنه ليس بالضرورة أن يكون كل شخص قد استطاع اللجوء إلى عائلته، أو تملك الإمكانيات لتدبير شؤونه خلال هذه الفترة.

لذلك، يؤكد بن زاكور في حديثه لمنصة “هوامش” أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يمكن فصله عن الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والصحة الجسدية، وأنه من الضروري إدراج هذا البعد ضمن الميزانية المخصصة للمناطق المنكوبة. كما يشدد على وجوب إجراء المسح الإحصائي والتشخيص الميداني، حتى تُبنى برامج المواكبة النفسية على أسس علمية متينة. 

نفس الأمر ذهب إليه رئيس جماعة المكرن، منصور قريطة، حين قال إن الناس أصبحت متعبة نفسياً وتحتاج إلى وقت للعودة إلى حياتها الطبيعية، بالرغم من الجهود المبذولة من قبل السلطات لتقديم المساعدات. وأوضح أن الناس يحصلون على الإيواء والمأكل والمشرب، وأن الفلاحين سيحصلون على دعم من خلال الفلاحة البديلة وتوفير الشعير والحبوب، إلا أن عدم الاستقرار النفسي قد يستمر لبعض الوقت، خاصة في الجماعات التي تضررت بالكامل مثل التي يترأسها.

أما في إقليم سيدي سليمان، فقد أشار الأستاذ عبد الرحيم عفيف، في حديثه لمنصة “هوامش”، إلى الجهود الحثيثة التي بذلتها السلطات المحلية لإنشاء خلايا للاستماع والمواكبة النفسية للضحايا، بالإضافة إلى الدعم الاجتماعي المقدم لهم. وتشير الأرقام إلى أن إقليم سيدي سليمان يُعد من بين الأقل تضرراً في الغرب من حيث عمليات الإجلاء، حيث بلغ عدد الذين تم إجلاؤهم على مستوى الإقليم حوالي أربعة آلاف شخص.

ويعتبر هذا التداخل بين ما هو نفسي وما هو اجتماعي، كما أشار إليه عفيف، محورياً بحسب الدكتور محسن بن زاكور، مستشهداً بما حدث قبل ثلاث سنوات في زلزال الحوز، حيث استمرت المعاناة النفسية للسكان حتى يومنا هذا. وفي هذا الإطار، يرى بن زاكور أنه من الضروري الابتعاد عن الاعتقاد الخاطئ بأن مجرد تقديم المساعدات المالية وإعادة الناس إلى أماكنهم يحل المشكلة، إذ يمكن أن تظهر تبعات نفسية طويلة المدى نتيجة هذه الكوارث الطبيعية، مما يستدعي وضع الصحة النفسية ضمن الأولويات الاستراتيجية للدولة، مع تعزيز دور المجتمع المدني باعتباره الأقرب إلى المواطنين.

واستدرك بن زاكور في حديثه لمنصة “هوامش” قائلاً إن أهمية المستوى النفسي في تجاوز النكبة لا تعني انفصاله عن الجوانب الاجتماعية أو الاقتصادية، بل يجب قياسه بنفس المقياس الذي يُقاس به الوضع الاجتماعي للشخص. فالصحة النفسية مرتبطة بمدى متانة البنية النفسية للفرد أو هشاشتها، تماماً كما ترتبط بالوضعية الاقتصادية. 

هذا الرأي يشاطره الكوتش المتخصص في علم النفس الإيجابي، عادل سلوان، الذي أشار إلى أنه حينما يقول إن المستوى النفسي يمكن أن يساعد الإنسان على استئناف حياته، فهذا لا يعني أن ذلك يحدث دون استجابة سريعة ورعاية اجتماعية واقتصادية. بل المقصود أن العمل مع سكان المناطق المتضررة يجب أن يشمل تكوينات وتدريبات لكيفية التعامل مع مثل هذه الكوارث الطبيعية مستقبلاً، حتى يكون هناك تماسك نفسي، وإلا فإن الرعاية الاقتصادية والاجتماعية وحدها لا تكفي.

طريق العودة

من أكثر الأمور التي تؤرق المواطنين المتضررين هو مدى سرعة الاستجابة والعودة إلى الحياة الطبيعية، خصوصاً عندما يرون نماذج لكوارث طبيعية سابقة خلفت أضراراً لازالت تُعاش إلى اليوم. وأبرز مثال على ذلك ضحايا زلزال الحوز، الذين لا يزال بعضهم يعيشون في الخيام، فيما تلقى البعض الآخر تعويضات ناقصة، كما أورده تحقيق نشرته منصة “رصيف 22” ونقلته عنها منصة “هوامش”.

ومن هذا المنطلق، سألت منصة “هوامش” رئيس جماعة المكرن، منصور قريطة، عن المدة المتوقعة لعودة السكان إلى حياتهم الطبيعية. فأجاب بأن العودة ستستغرق وقتاً لا بأس به، خاصة وأن الجماعة تضررت بشكل كبير. وأضاف مثالاً شخصياً قائلاً إنه عاد مع عائلته إلى بيته في المدينة، بينما عاد أخوه وأخته لتجفيف الأغطية في الأرضية والمنزل حتى لا تلتصق بالأرض وتصبح صعبة الإزالة لاحقاً، وهي العملية التي يقوم بها معظم المواطنين حالياً عند عودتهم للجماعة بعد الخروج من مراكز الإيواء.

وأكد رئيس الجماعة ذاته لمنصة “هوامش” أنهم يعملون حالياً على إعادة الأمور إلى نصابها في أقرب الآجال، رغم العراقيل الجمة التي تعترضهم. كما سلط الضوء على الجانب الإيجابي للفيضانات، والمتمثل في امتلاء السدود بالمياه، قائلاً: “أن نقول إن هناك فيضانا خير من أن نقول إن هناك جفافا”. وأضاف أن هذه الفيضانات التي شهدتها بلادنا ستساعد في السنوات المقبلة على تجاوز مشكلة ندرة المياه التي عانت منها البلاد لسنوات طويلة. 

هذا التفاؤل الذي أبداه منصور قريطة، الذي خسر أكثر من أربعمائة وخمسين هكتاراً من المزروعات، بحسب تصريحه لمنصة “هوامش”، يتوافق مع ما عبّر عنه محمد لعسل، رئيس جماعة مشرع بلقصيري، الذي كرّر عبارة “الحمد لله” عدة مرات أثناء حديثه لمنصة “هوامش”، مشيراً إلى أن أكبر مكسب عرفته المنطقة هو عدم تسجيل أي خسائر بشرية، وأنهم الآن يقدمون المساعدة لأشخاص من دواوير أخرى تضررت بسبب الفيضانات.

لكن لعسل أشار أيضاً إلى أن المحصول الفلاحي قد تضرر بشكل كامل، معتبراً أن العودة إلى الحياة الطبيعية تتطلب اتخاذ إجراءات وقائية تحمي الفلاحين من مثل هذه الكوارث في المستقبل. كما شدد على ضرورة تعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم، وقد سبق له توجيه سؤال كتابي لوزير الفلاحة والصيد البحري، أحمد البواري، بخصوص هذا الأمر، اطلعت عليه “هوامش”. 

وليس رؤساء الجماعات فقط من أبدوا تفكيراً إيجابياً، بل كذلك سعيد، الفلاح البسيط الذي فقد كل ما حصل عليه من إخوته عن طريق المحاكم بسبب الفيضانات. فقد قال لمنصة هوامش، بصوت يغلب عليه التأثر: “أشكر الله أني لا زلت حياً أنا وزوجتي وابني”، معتبراً ما حدث ابتلاءً وامتحاناً من الله عز وجل. أثناء حديثه إلينا، لم يتمالك سعيد نفسه فاختنق صوته بالبكاء، وبالكاد أضاف: “أشعر بتعب شديد”.

هذا التفكير الإيجابي وصفه الكوتش عادل سلوان، الباحث في علم النفس الإيجابي، بأنه وسيلة للتخلص من المرارة النفسية، لكنه لن يدوم طويلاً ما لم تصاحبه إجراءات من الدولة على المستويين الاجتماعي والنفسي. ففي حال عدم الاستجابة السريعة، أول ما يُتوقع حدوثه هو هجرة السكان من مناطقهم إلى مدن مجاورة، كما هو الحال في شمال المغرب حيث أصبحت طنجة، تطوان، وأصيلة وجهات محتملة. 

هؤلاء الأشخاص، يؤكد سلوان، أنهم إذا أصبحوا بلا مصدر رزق وبنفسية مهزوزة، قد تنشأ بينهم وبين باقي أفراد المجتمع توترات، وحتى التضامن الذي كان موجوداً قد يصبح نادراً، بسبب عدم كفاية الاستجابة للكارثة. وقد بدأنا فعلاً نشاهد في بعض مقاطع الفيديو أنهم شكاواهم من أن الكل يريد أن ينهبهم ويسرقهم، مما يعكس حالة من الشك والانغلاق النفسي.

على المستوى التحليلي، لا يوجد تفسير واحد لهذه الرؤية الإيجابية، بل تعيدنا إلى ما قاله الأستاذ محسن بن زاكور، الباحث في علم النفس الاجتماعي، عن التفاوت النفسي بين الأشخاص، والذي لا يمكن قياسه إلا عبر إجراءات عملية ميدانية، مثل توفير أطر متخصصة للمواكبة النفسية، وفتح مراكز في الأماكن التي وقعت فيها الكوارث، وتأسيس خلايا للاستماع والتوجيه والإرشاد النفسي. فبهذه الإجراءات يمكن إجراء تشخيص ميداني دقيق للوضع النفسي للمواطنين

الأطفال.. الفئة الأكثر هشاشة وحاجة

تلعب منصة “تلميذ تيس”، التي أطلقتها الوزارة خلال فترة وباء كوفيد-19، دوراً كبيراً في ضمان استمرار التعليم عن بعد للأطفال، حسبما أكد عبد الرحيم عفيف، الأستاذ بجماعة ولاد حسين بإقليم سيدي سليمان. فهذه المنصة مجانية، وتحتاج فقط إلى وجود شبكة إنترنت للوصول إلى الدروس، كما أن بعض الأساتذة أنشأوا مجموعات على الواتساب لضمان استمرارية التعليم عن بعد. ومع ذلك، أشار عفيف إلى أن هذا النمط التعليم لا يشمل كل الأطفال، إذ أن بعض الدواوير لا تشملها شبكة الإنترنت.

وأوضح عفيف أن المؤسسات التي تُستعمل كمراكز إيواء في الإقليم قليلة، لذلك تعمل معظم المدارس بشكل طبيعي، ومن المتوقع أن يعود المواطنون إلى بيوتهم في الأيام المقبلة لتستأنف المؤسسات التعليمية عملها، مما يحل جزءاً من مشكلة التعليم عن بعد.

ويبقى الأطفال الفئة الأكثر هشاشة نفسياً ضمن سلم التفاوتات النفسية، التي تحدث عنها الدكتور محسن بن زاكور، حيث أكد أن هذه الفئة تحتاج إلى دعم نفسي ومواكبة خاصة. وأوضح أن هذه المواكبة تبدأ بزرع الطمأنينة والاستقرار النفسي، فالطفل بوجوده داخل القسم وفي ساحة المدرسة مع زملائه يشعر بالأمان النفسي والاستقرار، لكن الأحداث الأخيرة قد تترك لديه اضطرابات تحتاج إلى معالجة شاملة، تشمل إعادته إلى بيئته التعليمية، ومواكبته حتى يستعيد تركيزه الكامل في سنته الدراسية.

وعلى النقيض مما قاله عفيف، أثار منصور قريطة، رئيس جماعة المكرن بإقليم القنيطرة، إشكالاً فيما يخص الأطفال هناك، حيث إن معظم المدارس استخدمت كمراكز إيواء، لأن دور الطالب ومراكز الإيواء الأخرى لم تكن كافية، خاصة وأن الجماعة تعرضت لإجلاء كامل تقريباً. هذا الوضع جعل جميع أبناء الجماعة غير قادرين على الدراسة حضورياً، لكن المديرية الإقليمية عملت على برنامج التعليم عن بعد لفائدة الأطفال. بيد أن ثمة منهم من يواجه صعوبات في الاستفادة من هذا البرنامج، بسبب ظروفهم المعيشية. 

ويعمل المنتخبون، حسب ما أفاد به رئيس الجماعة، مع المديرية لإيجاد حلول بديلة، مثل تعميم التعليم عن بعد بوسيلة من الوسائل، أو تعويض التعليم خلال الفترة الصيفية، لضمان عدم ضياع مسارهم التعليمي، كما أشار إلى ذلك الدكتور بن زاكور. لكن عادل سلوان، الكوتش في علم النفس الإيجابي، طرح إشكالاً آخر يخص نفسية الطفل، وهو أن الأحداث الصادمة تظل عالقة في ذاكرته. فمشاهد رؤية الأب أو الأم متأثرين أو يبكون، أو تعرض الطفل للعنف دون فهم السبب، يمكن أن تبقى عالقة في ذهنه وتشكل عقداً نفسية مستقبلية إذا لم يتم التعامل معها.

وقال سلوان، في توضيحه: “إن اللاوعي الإنساني لا ينسى أي حدث من حياة الإنسان، لكن إذا تم الاشتغال عليه ومعالجته، يمكن للطفل عند الكبر أن يتذكر تلك الأحداث دون أن تؤثر عليه سلبياً”. بمعنى أنه إذا سُئل لاحقاً: “هل تتذكر ما حدث؟” سيجيب: “أتذكر”، أما إذا سُئل: “هل أثر ذلك عليك؟” فسيجيب: “لا”.

لكن ما لم يتم الاشتغال على هذه البنية النفسية الهشة، ستظل الأحداث تؤثر على الطفل بشكل سلبي، يحذر سلوان، “فالتذكر موجود في كل الحالات، لكن التأثير يختلف حسب كيفية معالجة الطفل لما عاشه، فإما أن يعتبر الحدث تجربة عادية أو إيجابية أو سلبية، وهذا الفرق هو ما يحدد تماسكه النفسي مستقبلاً”.

كيف نتجاوز المحنة؟

فيما يخص الرؤية الاستراتيجية لجماعة المكرن التي يترأسها، يقول منصور قريطة، إن العامل الأساسي لبدء عودة السكان إلى حياتهم الطبيعية هو تحسن الأحوال الجوية، الأمر الذي سيساعد الفلاحين على ممارسة الفلاحة البديلة. كما أشار إلى أن المبالغ التي خصصتها الحكومة للمناطق المنكوبة ستسهم في إصلاح مجموعة من البنيات التحتية، من بينها إصلاح الآبار المتضررة والتي ستساعد الفلاحين على السقي ومواصلة النشاط الزراعي.

أما عادل سلوان، الكوتش المتخصص في علم النفس الإيجابي، فيرى أن تجاوز هذه المحنة يعتمد على توفير كل المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية للمتضررين، إلى جانب توعيتهم وتدريبهم على ما عاشوه من أحداث. فعيش الحدث وحده لا يكفي لفهمه واستيعابه، بل من الضروري أن يكون هناك تكوين متخصص لتعليم الأسر كيفية التعامل مع مثل هذه الكوارث الطبيعية مستقبلاً، حتى يتحقق تماسك نفسي يسمح لهم بالعودة للحياة الطبيعية.

ولا يزال المجتمع المغربي، بحسب محسن بن زاكور، الباحث في علم النفس الاجتماعي، يعاني من قصور في الوعي بأهمية الصحة النفسية، سواء في المحيط المجتمعي أو في السياسات العمومية للدولة. ويشير بن زاكور إلى أن هذا الإشكال متجذر في الوعي الجمعي للمغاربة، وأن الوقت حان فعلاً لجعل الصحة النفسية إحدى الركائز الاستراتيجية في المجال الصحي. 

ومثال على ذلك، يقول بن زاكور إن افتتاح ثلاث مصحات نفسية بعد إغلاق بويا عمر، مسألة إيجابية تدل على بداية التفكير السياسي في الصحة النفسية، ويعتبر أن ثلاثة أفضل من صفر، لكنه طرح سؤالا استنكاريا: “هل هذا يكفي؟” ويجيب عنه بـ “لا”. 

في ظل هذه الوضعية، تتعدد التطلعات: سعيد ينتظر تعويضا منصفا بعد الخسائر التي تكبدها، وعفيف ينتظر العودة إلى قسمه الدراسي، بينما يدعو بن زاكور إلى إجراء مسح إحصائي وتشخيص ميداني لتحديد الاحتياجات النفسية. ومنصور قريطة، رئيس جماعة المكرن، مطمئن بإعلان جماعته منطقة منكوبة لتسهيل التعويضات والمساعدات، ولعسل يطالب بإنقاذ الفلاحين بمنطقة مشرع بلقصيري. أما عادل سلوان، فيؤكد على ضرورة تكامل الجوانب النفسية مع الإنسانية والاجتماعية لإنقاذ الإنسان ومساعدته على تجاوز هذه الفاجعة، التي ستبقى درسًا للجميع.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram