الرئيسية

أقام في المغرب لسنوات.. القضاء الفرنسي يكشف عن هوية “بيدوفيل” عابر للقارات 

بعد سنتين من تفجر الوقائع، كشفت السلطات القضائية الفرنسية، الثلاثاء الماضي، عن واحدة من أكبر التحقيقات القضائية التي تهم "معتدين جنسيين متسلسلين" التي عرفتها البلاد منذ سنوات طويلة، ويتعلق الأمر برجل سبعيني، فرنسي الجنسية، يدعى جاك لوفوغل Jacques Leveugle، يشتبه في ارتكابه عشرات الاعتداءات الجنسية بحق قاصرين على مدى أكثر من نصف قرن، في عدة دول من بينها المغرب، حيث أقام لفترات طويلة، بل شكلت إقامته الأساسية في السنوات الأخيرة قبل انكشافه.

هوامش

تصف التحقيقات نمطاً متكرراً في سلوك المتهم: الاقتراب من عائلات متواضعة، تقديم دروس في اللغات أو أنشطة ثقافية، ثم بناء علاقة نفسية مع القاصرين قبل استغلالهم. وتشير شهادات بعض الضحايا إلى أنه كان يستثمر وقتاً طويلاً في مرافقتهم، ما خلق علاقة تبعية سهّلت الاعتداءات.

المذكرات المنسوبة إليه تكشف خطاباً يحاول تبرير هذه الأفعال عبر مقارنات ثقافية وتاريخية، وهو ما يعتبره المحققون محاولة لإضفاء شرعية فكرية على سلوك إجرامي.

المدعي العام يبحث عن ضحايا مجهولين قبل التقادم

أطلق المدعي  العام في مدينة غرونوبل، إتيان مانتو، خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء، نداء رسميا للشهود بعد أن تبيّن للمحققين أن جزءاً من الضحايا لا يزال مجهول الهوية. واعتبر مانتو الملف “غير اعتيادي”، مؤكداً أن الكشف العلني عن هوية المشتبه به يهدف إلى تمكين أي ضحايا محتملين من التقدم بشهاداتهم قبل انتهاء آجال التقادم.

انطلقت التحقيقات في أكتوبر 2023، بعدما عثر ابن شقيق المتهم على ذاكرة تخزين إلكترونية داخل غرفته، تحتوي على مذكرات توثق ما وصفه صاحبها بـ”علاقات جنسية” مع قاصرين، تتراوح أعمارهم بين 13 و17 سنة. ليقوم بعدها بتسليم هذه المواد المؤلفة من 15 مجلدا إلى السلطات، التي باشرت تحقيقاً قضائياً قاد إلى توقيف لوفوغل في فبراير 2024، وفسر الادعاء تأخر الكشف عن الموضوع بالحاجة إلى التحقق من صحة الوثائق، ومحاولة تحديد هويات الضحايا داخليا قبل الإعلان.

تمت إحالة جاك لوفوغل إلى المحكمة ووضع قيد الحبس الاحتياطي بتهمة الاغتصاب والاعتداء الجنسي المشدد. لاحقا، وُضع تحت مراقبة قضائية صارمة للغاية، ”لم يحترمها“، وبالتالي أعيد وضعه في الحبس الاحتياطي ”منذ أبريل 2025“، وفقًا للمدعي العام.

اعتداءات عابرة للقارات 

وفقا للنيابة العامة في غرونوبل، أحصى المحققون في هذه المذكرات إشارات إلى 89 قاصراً، على مدى 55 عاماً، بين 1967 و2022. وتشير الوثائق إلى نمط متكرر من استهداف فتيان ضمن أنشطة تعليمية أو تربوية، حيث كان المتهم يعمل مربيا، ويقدم دعماً مدرسياً أو يؤطر مخيمات رياضية شبابية، ما أتاح له بناء علاقات ثقة مع الضحايا وعائلاتهم.

يظهر الكثير من الضحايا في المذكرات بأسماء مستعارة أو أسمائهم الأولى فقط، ما صعب مأمورية التعرف عليهم. تم التعرف على حوالي 40 من أصل 89 ضحية، ”قدم معظمهم شكوى“. لكن اثنين فقط منهم رفعوا دعوى مدنية حتى الآن، وتم الاستماع إلى حوالي 150 شخصًا.

أوضح الضحايا القاصرون الفرنسيون، الذين تم الاستماع إليهم، أن جاك لوفوغل كان يقضي ”وقتًا طويلاً“ في تعليمهم اللغات الأجنبية، أو تنمية اهتمامهم بالهندسة المعمارية.

تكشف التحقيقات أن لوفوغل تنقل بين القارات، وجال عدة بلدان منذ ستينيات القرن الماضي، من بينها فرنسا وسويسرا وألمانيا والجزائر والنيجر والفلبين والهند وكولومبيا وكاليدونيا الجديدة، إضافة إلى المغرب؛ وفي هذه الدول، كان يعمل في أنشطة مرتبطة بتأطير الشباب أو الدعم التعليمي.

ورأى المحققون أن هذا التنقل الدولي ساعده على الاستمرار في هذه الأفعال لفترة طويلة، مستفيداً من اختلاف الأنظمة القانونية وصعوبة التنسيق القضائي بين الدول، خاصة عندما تكون الوقائع قديمة.

وصف المدعي العام الفرنسي المتهم، بأنه “شخص مثقف وكاريزماتي”، حيث “كان يأخذ هؤلاء القاصرين تحت جناحه، ويعمد على كسب ثقتهم واستمالتهم فكريا، أما جنسيا فقد كانت مقاربته تعتمد على المزاح”، وتابع: “كان يرى نفسه وكأنه إغريقي قديم يعلم الإفيب (مصطلح إغريقي قديم للدلالة على فتيان يافعين) “.

وقال العقيد سيرجي بروسيديس، قائد فرقة البحث التابعة للدرك في غرونوبل: “لم تسجل أفعال عنف جسدي، ما نحن بصدده هو الإكراه/النفوذ المعنوي”، واصفا الملف بأنه “حالة نموذجية (للدراسة) للاعتداء التسلسلي”.

المغرب.. وجهة مفضلة

يشغل المغرب موقعاً بارزاً في هذا الملف بسبب إقامة المتهم فيه خلال فترات متعددة، خصوصاً في سنواته الأخيرة، قبل توقيفه في فرنسا التي قدم إليها لزيارة أخيه. وتفيد المعطيات القضائية بأنه كان يعيش في المغرب بشكل شبه دائم، مع زيارات متقطعة إلى فرنسا.

وبحسب النداء الذي أطلقته السلطات القضائية الفرنسية لتلقي إفادات الشهود، خصوصا الذين لم يتم التعرف على هوياتهم، فإن جاك لوفوغل تردد على المغرب وأقام فيها -لأوقات غير محددة- خلال الفترات ما بين 1975-1980، 1985-1996، 1996-2000، 2000-2023.

إلى اللحظة، لم تكشف السلطات القضائية الفرنسية عن معطيات رسمية تؤكد وقوع أفعال داخل المغرب، لكن وجود المتهم لفترات طويلة بها يعزز هذا الاحتمال، كما يعتزم المحققون الفرنسيون السفر إلى المغرب للتحقيق في الأمر، وفق وسائل إعلام فرنسية.

غطاء فكري للبيدوفيليا 

ولد جاك لوفوغل في آنسي سنة 1946، درس في الجامعة، لكنه ”لم يذهب أبدا إلى النهاية في كافة مشاريعه“. على سبيل المثال، لم يكمل دراسته في الأقسام التحضيرية للأدب، ولا تدريبه كممرض، أو ليصبح مربيًا متخصصًا. وبدون الشهادات المطلوبة، لم يعمل أبدًا كمدرس في فرنسا، لكنه كان يعمل في مجال الدعم المدرسي.

جاك لوفوغل، الذي لم تكن له سوابق قضائية باستثناء شكوى واحدة سنة 2016 لم تفض إلى شيء، يصف نفسه بأنه ”رجل نبيل (جنتلمان) يحب الصبية“، ويرفض تصنيف ميوله الجنسية سواء ب “المثلية” أو “الغيرية”، وقد كان يرى في أفعاله إلى حين توقيفه “نوعا من التربية الجنسية”.

في مذكراته التي وصلت إلى المحققين، كتب سنة 1964، وهو في سن الثامنة عشرة حينها: “أعرف طبيعتي الخاصة التي تجعلني أتعلق بصبية قبل البلوغ قبل الابتعاد عنهم حينما يصبحون رجالا”، رافضا توصيف سلوكه بـ “البيدوفيليا”، محبذا استعمال لفظة ” البيديراستي” التي استعملت كذلك في اليونان القديمة لتوصيف هذا النوع من العلاقات، في محاولة لإيجاد غطاء تاريخي وثقافي لتبرير أفعاله. كما وجد المحققون في المذكرات استشهادات بكتابات أندري جيد وهنري دي مونترلان، في هذا الإطار.

خلال التحقيق، اعترف لوفوغل كذلك بقتل والدته في سبعينيات القرن الماضي، وخالته في أوائل التسعينيات، عبر خنقهما بوسادة، وقد برر ذلك بما اعتبره “إنهاءً للمعاناة”. وتخضع هذه الاعترافات لتحقيق منفصل.

تسابق النيابة العامة الفرنسية الزمن، وتسعى لإغلاق التحقيق قبل انقضاء سنة 2026، فبموجب التشريعات الحالية، تصبح بعض الوقائع، تحديدا تلك التي وقعت قبل سنة 1993، غير قابلة للملاحقة بسبب التقادم ما لم تُقدَّم أدلة جديدة أو شهادات حديثة تتيح إعادة فتحها. ولهذا أُطلقت نداء علنيا للشهود بهدف التعرف على ضحايا إضافيين، كما أن تقدم المشتبه به في العمر قد يشكل عائقا.

ويأمل المحققون أن يساعد النداء للشهود، الذي أُطلق الثلاثاء، في التعرف على ضحايا جدد، خاصة في قضايا وقعت في كاليدونيا الجديدة (1983 – 1985)، وكذلك في المغرب ودول أخرى.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram