الرئيسية

قلق وخوف من المجهول.. سكان “القصر الكبير” يواجهون أكبر إخلاء في تاريخ المغرب

لم يعد الأمر يتعلق بأمطار غزيرة فقط، بل بمعادلة مائية خرجت عن توازنها. في حوض اللوكوس، تجاوز سد وادي المخازن نسبة ملء بلغت 156%، يوم الخميس 05 فبراير 2026، وهو رقم استثنائي لم يُسجل منذ عقود. ما يبدو في ظاهره خبراً مفرحاً لبلد أنهكه الجفاف، تحوّل ميدانياً إلى ضغط هيدرولوجي معقد، وضع مدينة القصر الكبير ومحيطها في مواجهة مباشرة مع خطر الفيضانات.

هاجر أريري

يحكي إسماعيل، وهو شاب من مدينة القصر الكبير، أولى لحظات الكارثة التي عايشها هو وأفراد أسرته، لقد ظل مساء 29 يناير 2026 محفورا في ذاكرته، حيث “كنتُ أنا وعائلتي داخل سيارتنا في طريق العرائش، حين بدأ الماء يخرج من البالوعات قرب مستشفى القصر الكبير. مشهد غير مألوف، لم نأخذه في البداية على محمل الجد، فابتعدنا قليلًا”، يقول الشاب الذي أدرك لاحقا أن تلك اللحظة هي بداية العد التنازلي للرحيل.

مياه في كل مكان

“بعد خمس عشرة دقيقة فقط، رنّ هاتفي، وعلى الخط كان صديق يخبرني بصوت مرتبك أن طريق العرائش غرقت (غمرتها المياه)، تجمدت في مكاني، لم أستوعب كيف تحوّل المكان الذي غادرته قبل لحظات إلى فيضان” يضيف إسماعيل في حديثه لهوامش.

في صباح اليوم الموالي، كانت الصدمة أكبر، غمرت المياه شوارع المدينة، يحكي إسماعيل لمنصة “هوامش”: “كانت المداخل مقطوعة، والماء يطوّق القصر الكبير من كل الجهات. حي البساتين، وحي الوحدة، وحي المرينة، وطريق الرباط… أحياء كاملة اختفت تحت الماء، وكأن المدينة تغرق ببطء أمام أعيننا”.

ويواصل الشاب القصري سرد وقائع ذلك اليوم، “كنتُ على بعد مئة متر فقط من موقع الفيضان، بينما كانت منازل أشخاص من عائلتي تغرق. لذلك لبستُ ملابس الصيد، وتقدمتُ وسط المياه دون تفكير. وبمساعدة الجرارات الفلاحية، تمكّنا من إخراج أفراد العائلة ونقلهم إلى مكان آمن، في سباق مع الوقت والمجهول”.

المغادرة لم تكن أمرا سهلا على سكان المدينة، وعلى الأرجح كان معظمهم يظن أن الأمر لن يكون بالخطورة التي يجري الحديث عنها، “أحد الأصدقاء رفض المغادرة مع زوجته وبناته، معتقدًا أن الأمر مؤقت. حاولتُ إقناعه وتوسلتُ إليه، لكنه أصرّ على ملازمة بيته، بعدها غادرتُ وأنا ألتفت خلفي بقلق، كان علو الماء يرتفع ويغمر كل شيء، بلغ علوه مترًا، ثم مترًا ونصف، وفي بعض الأماكن ابتلع كل شيء. كانت لحظات لا تُنسى”.

منذ تلك اللحظات العصيبة بدأت تتوالى التحذيرات من السلطات، ومن الساكنة التي كانت تشاهد المدينة وهي تتحول في ساعات قليلة إلى بحرٍ صامت، ثم بدأ إخلاء القصر الكبير بشكل تدريجي يوما بعد يوم، “ما ستحتفظ به ذاكرتي من هذه التجربة المريرة هو الشوارع الفارغة، والبيوت المهجورة، والعائلات المشتتة بين مناطق الإيواء وبيوت الأقارب. غادرت أنا وعائلتي إلى طنجة، ونحن الآن نتابع الأخبار عن بُعد، بقلوب منكسرة نحاول أن نجبرها بالدعاء” يقول إسماعيل.

“درع” المدينة تحت ضغط المياه

تكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة التجهيز والماء أن سد وادي المخازن يعيش ضغطاً هيدرولوجياً غير مسبوق منذ بدء استغلاله نهاية سبعينيات القرن الماضي. فقد بلغت نسبة ملء السد حوالي 146% مطلع فبراير، بمخزون يناهز 988 مليون متر مكعب، أي بمستوى يفوق السعة العادية بعدة أمتار. فيما أكد صلاح الدين الذهبي، المدير العام لهندسة المياه، في حديث لوسائل الإعلام، أن السد استقبل ما يقارب 973 مليون متر مكعب منذ بداية موسم الأمطار، سُجل أكثر من 70% منها خلال أسبوعين فقط، وهو ما يعادل تقريباً ضعفي المعدل السنوي المعتاد. 

هذا التدفق السريع فرض المرور إلى تدبير الفيضان بدل تدبير ندرة المياه، فتم إطلاق عمليات تفريغ وقائية بلغ مجموعها نحو 373 مليون متر مكعب، حسب بيانات وزارة التجهيز والماء (فبراير 2026). وتُظهر نماذج المحاكاة الهيدرولوجية بلوغ الحمولات الواردة ذروات تصل إلى حوالي 3163 متر مكعب في الثانية، مع رفع صبيب التصريف إلى ما يفوق 1300 متر مكعب في الثانية عند الحاجة، ما يعني فيزيائياً أن المناطق الواقعة أسفل السد واجهت ارتفاعاً في منسوب المياه نتيجة تجاوز هذا الصبيب للقدرة الاستيعابية للمجرى الطبيعي.

تعكس هذه المعطيات الوضعية الحالية للسد وتدبيره التقني، لكن بداية الكارثة كانت مساء يوم 29 يناير، حين كان منسوب وادي اللوكوس في ارتفاع متواصل بسبب الزخات المطرية الكثيفة، لم يكن المشهد يوحي بعدُ بأن المدينة مقبلة على أسبوع كامل من الترقب والقلق. وتواصلت التساقطات وتشبّعت الأراضي المحيطة بالمياه، قبل أن تبدأ أولى المؤشرات المقلقة بالظهور في الأحياء المنخفضة.

تسربت المياه الى المناطق القريبة من مجرى النهر، منها (طريق العرائش-طريق الرباط، حي الزهراء، حي البزبز والأندلس والمرينة وغيرها…). في الساعات الأولى كان التدخل موجهاً نحو حالات محددة: أسر حوصرت داخل منازلها، وشيوخ ونساء جرى إخراجهم بواسطة قوارب الإنقاذ التابعة للوقاية المدنية. لم يجر الحديث حينها عن “إخلاء المدينة”، بل عن “نقاط سوداء” يتم التعامل معها تباعاً، بنقل الساكنة نحو مراكز إيواء في نقاط آمنة أو عند أقاربهم في الأحياء المرتفعة من المدينة.

بعد ذلك تزايدت المؤشرات على خروج الوضع عن السيطرة، وخوفا من تأثر كل المدينة بالفيضان، اتخذت السلطات تدابير احترازية صارمة، وأصدرت أوامر رسمية بإخلاء المدينة بكاملها، مع قطع الخدمات عن المنازل (الماء والكهرباء والإنترنت..)، حفاظا على أرواح الساكنة، إلا أن هذه الأوامر الحاسمة بالإخلاء الفوري كانت تصدر في غالب الأحيان في أوقات متأخرة من الليل، مما وضع السكان في حالة هلع وارتباك.

في حي بن حدو، أحد الأحياء التي لم تكن مصنفة ضمن المناطق المتضررة في البداية، استيقظ محمد على الساعة الواحدة صباحا، على أصوات طرق وصراخ المقدم (عون السلطة) وبعض أفراد السلطات المحلية، يستعيد محمد تفاصيل تلك الليلة قائلا: “لقد كانت من أقسى اللحظات، ما زالت أختي  حتى هذه اللحظة ترتجف من هلع وخوف تلك الليلة”. 

ويسرد محمد، في حديثه لمنصة “هوامش”، تفاصيل تلك اللحظات “استيقظت على طرقات وصراخ المقدم والسلطات المحلية، يطلبون منا الخروج فورا، لأن حالة المدينة لا تبشر بخير، لم نفهم ما الذي يحدث، خرجنا من المنزل على عجل مرتبكين، ولم نجد الوقت الكافي لتحضير حقائبنا وحمل أغراضنا،  لم نأخذ سوى بعض الملابس القليلة ومبلغٍ يسير من المال، بينما تركنا خلفنا وثائقنا الرسمية وكافة أغراضنا الشخصية”.

مدينة في حضن الماء

تقع مدينة القصر الكبير شمال-غرب المغرب ضمن إقليم العرائش بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، في سهل اللوكوس الفلاحي، أحد أكثر الأحواض خصوبة في البلاد. يتميز موقعها بطابع منبسط ضعيف الانحدار، ما يجعل حركة المياه بطيئة ويزيد قابلية تجمّعها أثناء الفيضانات بدل تصريفها نحو البحر.

يمر وادي اللوكوس بمحاذاة المدينة، وهو الشريان المائي الرئيسي في المنطقة، والذي يتغذى بدوره من روافد قادمة من المرتفعات الشمالية. وعلى بعد عشرات الكيلومترات يوجد سد وادي المخازن، أحد أكبر السدود في شمال المملكة، والذي شيّد أساساً لأغراض الري، والحماية من الفيضانات، وتنظيم صبيب الوادي.

هذا الموقع يضع القصر الكبير أسفل المنظومة المائية للسد (zone aval)، أي ضمن المجال الذي يتأثر مباشرة بأي ارتفاع كبير في الواردات المائية أو عمليات تفريغ وقائية. وعندما تتزامن التساقطات الغزيرة مع امتلاء السد وارتفاع منسوب نهر اللوكوس، تتحول المدينة إلى نقطة تجمّع طبيعية للمياه بفعل تضاريسها المنخفضة.

ما بعد الصدمة.. صدمة أخرى

عاش سكان القصر الكبير صدمة خلال الأيام الفارطة، إلا أن لكل منهم حكايته في مواجهة هذه الأزمة التي لم تكن في الحسبان. فإخلاء المدينة بشكل كامل ومفاجئ، يشكل ثقلا معنويا وماليا شديدا على الساكنة، التي تتأرجح بين الإحساس بالضياع والهلع والقلق من المجهول.

عبد الله، رب أسرة وأب لطفلين، يحكي لمنصة “هوامش” ما واجهه بعد الرحيل، “جئت إلى العرائش باحثا عن ملجأ، فقمت باكتراء منزل بمبلغ 200 درهم لليلة، أشعر بالضغط والقلق من الأيام القادمة، ليس لدي من المال ما يكفي، وإن ازداد الوضع سوءا و تجاوزنا أسبوعا على هذه الحال سأنفق كل ما لدي، وسيكون مصيري الشارع أنا و أطفالي”.

رغم مراكز الإيواء التي خصصت للمتضررين، وتضامن المجتمع المدني لتوفير المأوى والمساعدات،  يواجه عدد كبير من الأسر صعوبات في تدبير معيشهم اليومي، في ظل فقدان مصادر الدخل، والقلق من المدى الزمني الذي ستحتاجه مدينتهم للتعافي من الكارثة، التي لم تعد مياهاً فقط، بل تحوّلت إلى أزمة اجتماعية صامتة. 

نادية تنحدر من حي الزهراء، وهي مطلقة وأم لطفلتين، تقيم الأن بمركز للإيواء بمدينة طنجة، لأن كل عائلتها من القصر الكبير، وتعيش نفس الوضع. كانت نادية تعمل في الخياطة وتعتمد على ذلك في إعالة أسرتها. “كنت أعمل على آلة خياطة في بيتي، هذا هو مصدر دخلي الوحيد، مع قرب شهر رمضان تلقيت طلبات الزبائن، واستلمت العربون من معظمهم، واقتنيت الأقمشة ولوازم الخياطة، والآن تركت كل شيء خلفي” تحكي نادية لمنصة هوامش. 

لا تملك نادية أي فكرة عما حل بمنزلها، وما إذا كانت الأقمشة وطلبيات الزبائن قد تلفت، ولا تعرف كيف ستفي بالتزاماتها تجاههم عند مطالبتهم بملابسهم أو بإرجاع مبالغ العربون. ويضاف إلى كل هذا القلق من القادم.

وتصف نادية ما حل بها، في حديث لمنصة “هوامش” قائلة: “كنا في بيوتنا معززين ومكرمين، في أمان و استقرار، وبين ليلة و ضحاها أصبحنا بلا مأوي نواجه البرد والجوع والعراء”، وتضيف: “لا أعلم ما سيكون مصيري أنا وطفلتيّ، إذا طال الأمر”.

حياة معلقة وخوف من المجهول

خارج القصر الكبير، تتوزع حوالي 33 ألف أسرة اليوم، أغلبها في مدن الشمال (طنجة العرائش أصيلة)، آلاف من الأشخاص ينتظرون بفارغ الصبر، أن يعودوا لاستئناف حياتهم ومباشرة أعمالهم، خصوصا مع نفاذ ما بحوزتهم من المال، والحرج الذي يشعرون به من يقيمون عند عائلاتهم، “تأزمنا بزاف، شحال قدك تبقى عند الناس راه الدوام هذا” يقول سعيد في حديثه لمنصة “هوامش”. 

سعيد شاب في الثلاثين من عمره، كان يتدبر أمر مصاريف أسرته من عمله مساعدا في محل لبيع الدجاج، والآن يقيم مع أسرته عند خالته في مدينة طنجة ولا يملك ما يساعد به في تكاليف المعيشة، هو ما يشكل ضغطا نفسيا عليه، “أشعر بالإحراج، أنا لا أملك المال لمساعدة عائلتي في هذه الظروف، حتى الأشياء البسيطة لا أستطيع دفع ثمنها”. 

يمثل سعيد فئة كبيرة من ساكنة القصر الكبير، التي لا تملك دخلا قارا، أغلبهم نجارون وتجار وباعة صغار غادروا مدينتهم وأعمالهم فجأة فانقطع مورد رزقهم، أما المدخرات التي بحوزتهم، إن وجدت لن تكفي إلا أياما معدودة.

هذا ما يوضحه عبد السلام، وهو بائع متجول وأب لطفلين، في حديثه لمنصة “هوامش” يقول:”أنا أشتغل يوماً بيوم، مصاريفي مرتبطة بكل يوم عمل، ودخلي لم يكن يكفي إلا لسد الحاجيات اليومية، فأنا لا أملك  مدخرات تحميني من المفاجآت، كنت معفيا من الكراء لأني أقيم في بيت والدي رحمه الله”.

يكشف الفيضان عن أزمة اجتماعية كانت صامتة من قبل، لكنها الآن تتفاقم وتضغط على حياة الذين تم إجلاؤهم. وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، لسنة 2025، تصل نسبة الفقر إلى 4% في مدينة القصر الكبير، وهي نسبة تفوق المعدل الوطني، بينما يرزح 2.4% من السكان تحت وطأة الهشاشة، ما يجعل تأثير الكارثة أكثر قسوة على الأسر الأكثر هشاشة، التي فقدت بيوتها ومصدر رزقها فجأة، لتتضاعف معاناتها اليومية بين الخوف والضياع ونقص الموارد.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram