هوامش
وجهت المحكمة الدستورية ضربة قاصمة لمحاولة الحكومة الالتفاف على مبدأ “التنظيم الذاتي المستقل وعلى الأسس ديمقراطية“. إذ أسقطت البند (ب) من المادة الخامسة، والذي كان يمنح فئة الناشرين تفوقاً عددياً صارخاً عبر آلية “الانتداب” (9 أعضاء للناشرين مقابل 7 فقط للصحافيين).
فصول خارج الدستور تسائل كفاءة الحكومة
المحكمة اعتبرت أن هذا التفاوت يخل بقاعدة “التساوي والتوازن”، وهي قاعدة مستمدة من جوهر الفصل 28 من الدستور. وبإسقاطها لما عُرف بـ “الناشرين الحكماء”، تكون المحكمة قد انتصرت لتمثيلية مهنية حقيقية لا تقوم على “الترضيات”. في هذا السياق، اعتبر الصحافي تقي الدين تاجي، في منشور عبر صفحته على فايسبوك أن القرار يمثل “صفعة دستورية لمنطق التشريع العددي الذي اشتغلت به حكومة أخنوش وهي تمرر قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.. ما حدث اليوم درس دستوري بليغ، الأغلبية لا تعني الشرعية المطلقة، والعدد لا يصنع الديمقراطية”.
من أشد ملامح هذا القرار جرأة، هو ممارسة المحكمة لصلاحياتها في إثارة عدم الدستورية “تلقائياً” تجاه مواد لم تكن في صلب طعن المعارضة، وعلى رأسها المادة 49. هذه المادة كانت تمنح المنظمة المهنية الحائزة على أكبر عدد من الحصص التمثيلية “جميع المقاعد” المخصصة للناشرين، مما يكرس انفراد منظمة واحدة بالتمثيل.
واستندت المحكمة إلى الفصل الثامن من الدستور، مؤكدة أن لفظ “المنظمات المهنية” ورد بصيغة الجمع، ولا يجوز للمشرع وضع نص يؤدي إلى إقصاء كلي للمنظمات الصغرى والمتوسطة لصالح الكيانات الأكبر ملاءة مالية. هذا المقتضى الاستحواذي الذي حول “المال” إلى أداة للهيمنة، رأى فيه الصحفي يونس مسكين، في عموده اليومي “الصوت الواضح”، محاولة لـ: “إعادة إنتاج المال باعتباره رأياً وتمثيلية وشرعية.. المحكمة أوقفت هذا المنطق، وأجبرت المشرّع على فتح المجال لتمثيلية تعددية تضمن الحد الأدنى من التوازن داخل مؤسسة التنظيم الذاتي”.
وفي قراءة دقيقة للانسجام التشريعي، أسقطت المحكمة تلقائياً المادة 57 التي كانت تلزم بأن يكون رئيس المجلس ونائبه من جنسين مختلفين. ورغم نبل الهدف، اعتبرت المحكمة أن القانون لم يضع ميكانيزمات سابقة تضمن وجود مرشحين من الجنسين ضمن فئة الناشرين، مما يجعل هذا المقتضى “إلزاماً بمستحيل” قانوني وتطويقاً لإرادة الناخبين دون وسائل إجرائية.
لم يقتصر تدخل المحكمة على هيكلة المجلس، بل امتد لضمانات المحاكمة العادلة داخل أروقته المهنية. فقد قضت بعدم دستورية المادة 93 التي كانت تسمح لرئيس لجنة الأخلاقيات (الذي يبت ابتدائياً في العقوبات) بأن يكون عضواً في لجنة الاستئناف. المحكمة أكدت أن أي هيئة تبت في الطعون يجب أن تكون “مجردة من موقف مسبق”، وأن خرق هذا المبدأ ينسف حقوق الدفاع المنصوص عليها في الفصلين 118 و120 من الدستور.
هذا الخلل القانوني “البنيوي” دفع عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى انتقاد “تعنت” الوزارة الوصية، قائلاً: “يبدو أن لهذه الحكومة مشكل عميق في مجال التشريع، ولا كفاءة سياسية ولا قانونية لأغلب وزرائها.. قرار المحكمة الدستورية كان وقتاً مستقطعاً في مسار تنزيل الدستور وضمانة ثابتة للخيار الديمقراطي”.
ماذا بعد قرار المحكمة؟
بينما استأصلت المحكمة “الأورام” التي تهدد التعددية، اعتبرت المادتين 44 و45 المتعلقة بمعايير “رقم المعاملات” و”عدد المستخدمين” تندرجان ضمن “السلطة التقديرية للمشرع”. ورغم الانتقادات المهنية الواسعة التي وصفتها بـ “المقاربة الضبطية الاقتصادية”، رأت المحكمة أن هذه المعايير لا تخالف الدستور طالما أنها لا تؤدي إلى إقصاء كلي للمنظمات القائمة، وأن الحق في الطعن القضائي أمام المحكمة الإدارية يظل ضمانة كافية ضد أي تعسف.
| المادة المقضي بعدم دستوريتها | المقتضى الذي تم إسقاطه | المبدأ الدستوري المنتهك |
|---|---|---|
| المادة 5 (ب) | ترجيح كفة الناشرين (9 أعضاء) على الصحفيين (7 أعضاء) | التساوي والتوازن (الفصل 28) |
| المادة 49 | فوز المنظمة الأكبر بجميع مقاعد الناشرين | التعددية التمثيلية (الفصل 8) |
| المادة 93 | عضوية رئيس لجنة الأخلاقيات في لجنة الاستئناف | الحياد والمحاكمة العادلة (الفصل 120) |
| المادة 4 (الفقرة الأخيرة) | حصر إعداد التقرير السنوي في “الناشرين الحكماء” | المساواة بين الفئات المهنية |
| المادة 57 (الفقرة الأولى) | فرض تمثيل الجنسين في الرئاسة دون ضمانات إجرائية | الانسجام والتناسق التشريعي |
ويضع هذا القرار الكرة مجدداً في ملعب المشرّع لمراجعة القانون رقم 026.25 بما يتطابق مع المنطوق الدستوري. لقد أثبت القضاء الدستوري أنه الحارس الفعلي للتعددية، واضعاً حداً لـ “المونولوج التشريعي” الذي حاولت عبره القوى الاقتصادية الكبرى مصادرة مستقبل السلطة الرابعة.
ويرى نور الدين مفتاح، مدير نشر جريدة “الأيام”، والرئيس السابق لفيدرالية الناشرين، إحدى أكثر المنظمات المهنية معارضة للمسار الذي قاد إلى هذا القانون، في هذا القرار فرصة تاريخية، حيث دوّن قائلاً: “إنه تمرين ديمقراطي على جميع العقلاء أن يلتقطوه، ويشكلوا منه انطلاقة لتوافق كبير من أجل صحافة مغربية قتلها لحد الآن التطاحن ولن يحييها إلا رص الصفوف حول الديمقراطية والحرية والمهنية والاستقلالية.. مصيرنا بيدنا”.
إقرأ أيضا: بعد عقد من التراجع… هل يوقع “القانون” شهادة وفاة السلطة الرابعة؟