سامي صبير
التسعون دقيقة من الوقت الأصلي للمباراة التي انتهت بتقدم منتخب نيجيريا على حساب نظيره الجزائري، بهدفين دون مقابل، لم تمر مرور الكرام، إذ تحول حماس المدرجات إلى غضب ومواجهات، وتراشق بالاتهامات من داخل الاستوديوهات وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
في حدود الدقيقة 12 من الشوط الأول، هجمة مضادة لمنتخب الجزائر، أثارت الجدل بعدما لمست الكرة يد مدافع نيجيريا على حدود مربع العمليات، حيث طالب اللاعبون والجمهور الجزائري بضربة جزاء، إلا أن حكم اللقاء كان له رأي أخر، وأمر باستئناف اللعب.
من داخل استوديو التعليق الخاص بقناة “بين سبورت”، الناقل الحصري، كان صوت المعلق الرياضي، حفيظ دراجي، يصل واضحا بنبرته المألوفة إلى آذان المشاهدين، “لا شيء يا سيدي الحكم”، وكلما ركزت الكاميرا على مدرب الكاميرون كان يكرر أن المدرب يبدو مطمئنا، وأنه بالتأكيد حصل على ضمانات للفوز.
“لم يكن بالإمكان السماح للخضر ببلوغ نصف النهائي، لم يكن بالإمكان السماح للخضر بمواجهة المنتخب المنظم في هذه البطولة. لم يكن بالإمكان السماح للخضر بالتتويج بلقب كأس أمم أفريقيا 2025، كنا نعلم ذلك”. بهذه العبارات على حسابه الخاص على منصة فيسبوك، علّق حفيظ دراجي، على خروج منتخب الجزائر من دور ربع نهائي كأس أمم أفريقيا (كان 2025)، بعد الخسارة أمام منتخب نيجيريا بهدفين لصفر، في سياق يغلب عليه الجدل والملاسنات والترويج لتحيز التحكيم لفائدة البلد المنظم.
لم تكن هذه المزاعم، التي بثها دراجي على حساباته الرسمية في منصات التواصل الاجتماعي، الأولى أو الوحيدة من نوعها، فخلال أطوار المباراة، وعقب تسجيل نيجيريا الهدف الثاني، علق الدراجي بأن مدرب هذا الأخير لديه “ضمانات بالفوز”، فاتحا المجال أمام التأويلات، حيث فسرها البعض بأنها ضمانات “فساد” مالي في كواليس الكان، بينما اعتبرها آخرون تعليقا على فارق الأهداف وتفوق نيجيريا في اللقاء.
وما إن انتهت المباراة حتى انتشرت على منصات الاجتماعي مقاطع فيديو من نشرات أخبار واستوديوهات تحليلية لوسائل إعلام دولية، مضمونها وجود فساد مالي وتلقي الحكام للرشوة، ووصفها البعض بالمؤامرة لمنح البلد المنظم اللقب، واختلاط الرياضة بالسياسة، وترويج ادعاءات وصلت حد الزعم باغتيال صحافيين رياضيين إفريقيين من دول جنوب الصحراء بالرباط، ومقتل مشجع سنغالي بسلا، ووفاة رجل أمن خاص إثر اعتداء من الجماهير السنغالية داخل الملعب.
مزاعم باغتيال صحافيين وتضليل إعلامي
في 16 يناير 2026، انتشر على وسائل إعلام وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، خبر العثور على إعلامي وصحافي، ينحدر من الكاميرون، في محل إقامته بالرباط، حيث تم الادعاء بأن المواطن الكاميروني، أودري إيبون نجوه، كان يحقق في اختلالات شابت هذه النسخة من المنافسة القارية، وبأنه ضحية اغتيال. المزاعم أكدت أنه ليس الوحيد الذي تم “اغتياله”، وروّجت لوجود ضحية أخرى هو الصحافي الرياضي محمد سوماري الحامل للجنسية المالية.
مصادر منصة هوامش، أكدت أن الادعاء مضلل، حيث نفت زوجة أودري إيبون نجوه، خبر العثور عليه جثة هامدة بمقر إقامته بالرباط، مؤكدة أن الأمر يتعلق بموظف شركة للهواتف المحمولة، كان في مهمة عمل بمدينة مراكش، ولا يعمل في مجال الصحافة والإعلام، موضحة أن زوجها أصيب يوم 13 يناير الجاري، بسكتة قلبية بعد العودة من نزهة مع أصدقائه.
وفي سياق متصل، أعلن الاتحاد المالي لكرة القدم، أن الصحافي الرياضي محمد سوماري، توفي يوم 14 يناير 2026، في العاصمة المغربية الرباط، حيث تم نقل جثمانه ودفنه بمالي عشية الأحد 18 يناير، وأعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، في بلاغ بتاريخ 20 يناير 2026، أنه بناء على نتائج التشريح الطبي، فإن الوفاة ناتجة عن انسداد رئوي مرتبط بارتفاع حاد في ضغط الدم، مضيفا “تلقت مصالح الشرطة إشعارا من طرف طاقم طبي خاص يتعلق بوفاة أحد الأشخاص بشقته بمدينة الرباط”.
وأوضح البلاغ أن الأمر يتعلق “بالمسمى قيد حياته سوماري محمد شيخ تيديان، ذو الجنسية المالية، صحفي حر”. وأشار إلى أن عناصر الشرطة القضائية، انتقلت إلى الشقة محل الواقعة، حيث وجدت في انتظارها قنصل دولة مالي بمعية أحد أصدقاء الصحافي سوماري محمد، والذي أفاد بأنه تلقى رسالة نصية من المتوفى يخبره فيها بأن حالته الصحية حرجة، حيث عثر عليه ميتا في غرفة نومه.
عندما تتحول منافسة كروية إلى حملة للتحريض
مباراة ربع النهائي بين الجزائر ونيجيريا، ليست المواجهة الوحيدة التي تحولت من لعبة رياضية إلى ساحة للتحريض، فأثناء مباراة المنتخب المصري ومنتخب البنين، قام المدير الفني لمنتخب مصر، بإشارات استفزت الجماهير الحاضرة بملعب أدرار بأكادير، لتنطلق بعدها حملة “تلاسن ومناوشات” بين حسابات مصرية وأخرى مغربية على مواقع التواصل الاجتماعي، انتهت إلى صفير الجماهير المغربية أثناء أداء النشيد الوطني المصري في مباراة نصف النهائي، بمركب محمد الخامس بالدار البيضاء، وهو ما أجج الملاسنات على منصات التواصل الاجتماعي بين جماهير البلدين.
لم تتوقف عدوى التحريض على الكراهية والعنف عند مواجهات دور الربع ودور النصف، بل انتقلت إلى المباراة النهائية. فخلال المواجهة التي جمعت المنتخب المغربي ونظيره السنغالي، اقتحم جمهور هذا الأخير أرضية الملعب، عقب احتساب حكم المباراة لضربة جزاء لفائدة مهاجم المنتخب المغربي، ابراهيم دياز، في الوقت بدل الضائع للمباراة، قرار أعقبه انسحاب لاعبي السينغال من الملعب احتجاجا على الحكم، قبل العودة لاستئناف المباراة.
ضاعت ركلة الجزاء، وتمكن المنتخب السنغالي من تسجيل هدف الفوز، والتتويج باللقب، ليبدأ مسلسل آخر، وهذه المرة، أبطاله صحف الكترونية وحسابات مغربية وأجنبية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انطلقت حملة للتحريض ضد المهاجرين من دول جنوب الصحراء المقيمين في المغرب، والمطالبة بترحيلهم.
في هذا السياق، تداولت مواقع سنغالية خبرا زائفا يزعم مقتل مشجع سنغالي، بمدينة سلا، عقب الاعتداء عليه بالسلاح الأبيض، وهو الخبر الذي نفت صحته مصالح الأمن في بلاغ رسمي. من جانبها، نشرت صحف الكترونية مغربية وأجنبية، خبرا زائفا يزعم وفاة متطوع ضمن فريق التنظيم داخل الملعب، خلال مباراة النهائي، وذلك عقب إصابته على مستوى الوجه في أحداث نهائي الكان.
إلا أن المديرية العامة للأمن الوطني نفت صحة هذا الخبر أيضا، مؤكدة في بلاغ عممته وكالة المغرب العربي للأنباء، أنه “لم تُسجَّل أي حالة وفاة في صفوف عناصر الأمن الخاص، ولا في صفوف المكلفين بجمع الكرات، كما لم تُباشَر أي إجراءات لمعاينة جثة شخص توفي بسبب أحداث مرتبطة بالشغب الرياضي، وهي المعطيات التي تم تأكيدها بعد مراجعة مختلف المؤسسات الصحية”.
ووثقت مقاطع فيديو مواجهات يزعم أنها بين طلبة مغاربة وآخرين سنغاليين في الجامعة الأورومتوسطية بفاس، عقب انتهاء المباراة، إضافة إلى مزاعم بتعرض مغاربة للاعتداءات في السنغال، وفي هذا السياق أوضح حسن الناصري، سفير المغرب لدى دولة السنغال، في تصريح صحفي، أن “السفارة المغربية في دكار لم تسجل أية شكايات رسمية من أفراد الجالية المغربية في هذا البلد الإفريقي، باستثناء حادثة المقهى الشهير الذي ظهر في مقطع فيديو يتعرض للرشق والهجوم من قبل مواطنين سنغاليين، واستفزاز ثلاثة طلبة مغاربة”، فيما تم توقيف 18 مشجعا سنغاليا في المغرب على خلفية أحداث مباراة النهائي وتقرر إحالتهم على النيابة العامة.
وانتشر على منصات التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو يزعم أنه في أحد الأسواق الشعبية بالمغرب، يوثق تعرض مهاجر من دول جنوب الصحراء، للسب والشتم من قبل بعض التجار، ومطالبته بالرحيل، كما أعلنت بعض الصفحات تدعي أنها تعود لمقاولات مغربية عن مباشرة طرد العمال الأفارقة غير المغاربة.
وبهذا الخصوص، دعت الشبكة المغربية لصحافيي الهجرات، وسائل الإعلام المغربية والسينغالية إلى احترام واجبها الأخلاقي والمهني في تفكيك الخطاب العنصري والأفكار الزائفة، وقالت الشبكة إنه “على إثر الأحداث المؤسفة التي شهدتها نهاية كأس إفريقيا لكرة القدم انطلقت حملات الكراهية ورُهاب الأجانب على منصات التواصل الاجتماعي، مدعومة من بعض ‘وسائل الإعلام’ بالمغرب كما في السنغال”.
كما دعت الشبكة إلى “مواجهة وتفكيك الخطابات العنصرية والمعادية للأجانب، وعدم الاكتفاء بـأن نكون صدى لهاته الخطابات أو نشرها دون تمحيص”.