“هوامش”
بعد عشرة أشهر من تفكيك الحرس المدني الإسباني شبكة إجرامية خطيرة، كانت تنقل عشرات الأطنان من الحشيش من شمال المغرب إلى إسبانيا، مازالت التحقيقات القضائية المتعلقة بـنفق المخدرات العابر من سبتة نحو إسبانيا، تراوح مكانها.
العملية الأمنية، التي انطلقت فصولها في فبراير العام الماضي، كشفت عن منظمة إجرامية متعددة المستويات، اعتمدت على مسارين رئيسيين للتهريب، الأول عبر شاحنات تمر من ميناء سبتة محمّلة بالحشيش داخل قواعد مزيفة، والثاني عبر ممر تحت أرضي سري يمتد من الأراضي المغربية إلى داخل المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية.
تحقيق قضائي يصطدم بجدار الصمت
القاضية ماريا تاردون، المكلفة بالملف في المحكمة الوطنية الإسبانية (القضاء المركزي رقم 3)، تواجه صعوبات كبيرة في الشق المتعلق بالمغرب.
وبحسب مصادر قريبة من القضية تحدثت إلى منصة “هوامش”، فإن “المغرب مازال يتجاهل الطلبات الرسمية التي أرسلتها المحكمة الإسبانية، ولم يقدّم إلى الآن أي معطيات جديدة بخصوص جانب النفق الواقع ضمن نطاق اختصاصه”.
مصادر من الحرس المدني في سبتة تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن “كل شيء متوقف، والجانب المغربي صامت”، مضيفةً أن إثارة هذا الملف “لا تخدم مصالح داخلية في المغرب، لأنها قد تفتح باب محاسبةِ أطراف متعددة”.
ووفق وسائل إعلام، طالبت القاضية تاردون السلطات المغربية باتخاذ “إجراءات ميدانية لتحديد مخرج النفق داخل الأراضي المغربية”، إضافة إلى “تفعيل مساطر تحقيق أخرى مرتبطة بالشبكة”، غير أن هذه المطالب لم تلقَ أي تجاوب فعلي منذ بداية الصيف الماضي.
معطيات إعلامية دون تأكيد رسمي
المعلومات الوحيدة المتداولة حول الجانب المغربي صدرت عن وسائل إعلام محلية. ففي أبريل الماضي، تحدثت تقارير صحفية عن أن مدخل النفق يوجد داخل “منزل في منطقة مصنفة عسكرية”.
كما أفاد موقع “Alyaoum24” بأن الشرطة المغربية تمكنت من تحديد “عدة أشخاص متورطين في بناء وتوسيع النفق باتجاه الأراضي المغربية”، مشيرًا إلى أن “اعتقالهم كان وشيكًا” مع تقدم التحقيقات.
وذكر الموقع ذاته أن المشتبه به الرئيسي “له سجل سابق في تهريب المخدرات بمنطقة تطوان”، مع وجود مستويات عليا متورطة في القضية.
ورغم خطورة هذه المعطيات، فإن أي “معلومات رسمية لم تُنقل إلى السلطات الإسبانية حتى الآن”.
مراقبة حذرة ومنع إعادة الاستخدام
تواصل السلطات الإسبانية مراقبة بنية النفق من جانبها، “عبر نظام مراقبة مغلق بالكاميرات”، دون تدخل مباشر. وتقول مصادر أمنية إن الهدف هو “الحفاظ على الأدلة وضمان سلامة البنية التحتية”، إضافة إلى “منع إعادة استخدام النفق”، من طرف شبكات أخرى.
في المقابل، يواصل الحرس المدني توسيع دائرة التحقيق، حيث جرى توقيف ضابط رابع من الجهاز في نونبر الماضي، في إطار القضية نفسها.
وتشير التحقيقات إلى دور محوري لكل من موظف السجون والنائب السابق في جمعية سبتة، محمد علي دوس، إلى جانب ضباط آخرين، وفق ما نقلته صحيفة “El Faro de Ceuta”.
نفق تحت الأرض وشبكة محمية من الداخل
التحقيقات التي قادت إلى اكتشاف النفق مرت بعدة مراحل؛ ففي الأشهر الأولى من العام الماضي، فكك الحرس المدني الإسباني منظمتين إجراميتين كانتا تنقلان أطنانًا من الحشيش إلى شبه الجزيرة الإيبيرية داخل قواعد شاحنات معدّلة خصيصًا لهذا الغرض.
المنظمتان اعتمدتا على تواطؤ ضباط في ميناء سبتة لتسهيل مرور الشاحنات، وسائقين متخصصين في تجهيز مخابئ سرية داخل المركبات، ولكن المنعطف الحاسم جاء بعد اعترافات أحد الموقوفين، الذي كشف عن وجود “نفق سري تستخدمه إحدى الشبكات لتفادي العبور الحدودي التقليدي”.
ووفق تقديرات الحرس المدني الإسباني، استُخدم النفق منذ “توقف النشاط في الحي الصناعي مطلع 2023″، ويقع النفق في منطقة “تاراخال” الواقعة بين الفنيدق وسبتة، داخل مستودع كان مملوكًا لشركة رخام تُدعى “نيني”، والتي لا يعرف إلى الآن مكان تواجد مالكها.
كما يشتبه المحققون في أن النفق “لم يُستخدم فقط لتهريب المخدرات، بل أيضًا لإدخال مهاجرين غير نظاميين إلى سبتة”.
الاعترافات كشفت كذلك عن آلية التغطية الأمنية، فمجموعة من ضباط الحرس المدني، بقيادة روبن ج.، كانوا يزوّدون المهربين بمعلومات دقيقة حول “الأيام الآمنة للعمل”، وبـ”أوقات الإنذارات والتحركات الأمنية”، مقابل مبالغ تتراوح بين 70 و100 ألف يورو حسب كل شحنة.
وأكدت وحدة الشؤون الداخلية صحة هذه المعطيات بعد وضع المشتبه به رهن الحبس الاحتياطي، رغم محاولته الحصول على الإفراج السريع لأسباب عائلية.
وفي سابقة أمنية بالمدينة، أكد خبراء وحدة الأنفاق أن الممر السري يمتد على طول 50 مترًا، وعلى عمق نحو 12 مترًا تحت الأرض، ما يعكس مستوى عالٍ من التخطيط والدعم اللوجستي. هذا، ويتجاوز ملف “نفق سبتة” كونه قضية تهريب مخدرات عابرة للحدود، ليكشف عن اختلال عميق في منظومة التعاون الأمني والقضائي بين ضفتي المتوسط.