صفرو/ عادل أيت واعزيز
تطلعت والدة جواد أسرادي “بوز فلو”، إلى فلذة كبدها حين دخل إلى قاعة المحكمة، وبدوره، جال المغني الشاب بعينيه بين الحضور سريعا، ورفع يده بشارة النصر للحاضرين الذين بادلوه نفس التحية، جلس لحظات على مقاعد الجهة اليسرى ثم قام نحو منصة “المتهم”، أجاب باقتضاب عن سؤال ممثل النيابة العامة، عن صحته بكلمات مطمئنة، بعدها عاد إلى مكانه.
الفلسفة في المحكمة
“فيلسوف الراب المغربي”، لقب اكتسبه “بوز فلو” نظرا لعمق كلمات أغانيه وتوظيفه ثقافة تمتح من التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع. في الجلسة التي تابعناها، جلس “بوز” بهدوء وتركيز ينصت للمرافعات، ويبدو أن النيابة العامة تدرك أنها لا تحاكم فنانا عاديا، لذلك كانت جرعة الفلسفة في مرافعتها زائدة، بشكل يجلب إلى المخيلة قسرا محاكمة الفيلسوف سقراط، الذي واجه القضاء الأثيني، بهدوء وثبات قبل أكثر من 2400 سنة.
بدأ ممثل النيابة العامة مرافعته بالعودة إلى عصر الأنوار، فانطلق من المرجعية الفلسفية المؤسسة لنظرية العقد الاجتماعي، للفيلسوف جون جاك روسو، مؤكدا أن “الحرية ليست مطلقة بل مقيدة”، وعبرها ينشأ العقد الاجتماعي، وذلك بالامتثال لقانون ساهم الفرد نفسه في سنّه، بوصفه تعبيرا عن الإرادة العامة.
لم تكتف النيابة العامة بجون جاك روسو، بل أضافت جرعة أخرى، استدعت مونتسكيو، الذي يربط الحرية بالقانون، بوصفها “ممارسة لكل ما تسمح به القوانين”، بما يجعل الحرية، في الحالتين، “لا تقوم خارج القانون بل من داخله”، والامتثال له، يقول ممثل النيابة العامة، يقابله أقصى درجات الحرية.
وبينما استحضر وكيل الملك، فلسفة عصر الأنوار، رد المحامي، محمد الطاوسي، في مرافعته باستحضار مقولة الفيلسوف المعاصر فريدريك نيتشه، مفادها أن الفن ضرورة للإنسان كي يتحمل قسوة الحقائق والوجود، باعتباره تعبيرا عن إرادة القوة. وخلال ذلك، ارتسمت ابتسامة على وجه “بوز فلو”.
من جانبه أشار المحامي خالد عدلي، عضو هيئة الدفاع، إلى أن البعض ممن يتابعون هذه الأعمال الفنية يكتفون بقراءة سطحية للأغاني، متجاهلين أبعادها العميقة، محيلا على عدد من المفكرين الذين اعتبروا الموسيقى، في جوهرها، صرخة فلسفية في مواجهة العبث.
عدلي، استشهد بمقولة بيكاسو: «الفن كذبة تقربنا من الحقيقة»، موضحا أن الفن وسيلة لفهم الواقع وتجاوزه، وأن دوره لا يقتصر على التمثيل المباشر للواقع بل على الكشف عن المعنى العميق. كما استحضر في مرافعته، مقولة للشاعر الفرنسي، شارل بودلير: «لا يمكن أن أفهم الموضوع إلا وفيه شتيمة»، موضحا أن الشتم أو اللغة الصادمة في الأدب والفن غالبا ما تكون وسيلة للتعبير النقدي، لا غاية في حد ذاتها.
ومن هذا المنطلق، انتقد المحامي طريقة تعامل النيابة العامة، مع المجتمع المغربي التي تعتبره مجتمعا أحاديا، متجاهلة التعددية الثقافية التي تميزه، واستند إلى كتابات ودراسات عبد الكبير الخطيبي مثل «الذاكرة الموشومة»، و«الاسم العربي الجريح»، التي تسعى، عموما، لإنتاج معرفة جديدة، مع التركيز على “فكر الاختلاف”.
وبينما أكد ممثل النيابة العامة أنه منذ الثورة الفرنسية عام 1789، لم تعد الحرية تُقدم بوصفها “حقا مطلقا”، ولأنها أغلى الحقوق، فإنها لا تُمارَس إلا في علاقتها بالمسؤولية، معززا مرافعته بالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إلى جانب المادة 10، الفقرة الثانية، من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، استشهد خالد عدلي بموقف منظمة اليونسكو التي تنظر إلى الفن بوصفه أحد أشكال التعبير الإنساني الأساسية، ووسيلة لطرح الأسئلة الحساسة ومساءلة الواقع، بل والتعبير عمّا هو مسكوت عنه داخل المجتمع.
“رصد” أغنية و”تفتيش” أسطر
عقب المناظرة الفلسفية التي أطّرت مواقف النيابة العامة وهيئة الدفاع، توافق الطرفان، بشكل ضمني، على تكييف “النازلة” وفق تصور كل منهما، حينها لم يفت دفاع الفنان أسرادي أن يستهجن اختيار العبارات التي وردت في المحاضر، من قبيل “تم رصد أغنية”، مستنكرا استخدام قاموس محاربة ترويج المخدرات في “نازلة” ليست أكثر من عمل فني إبداعي.
وفي الواقع، ظهر أن النيابة العامة لم تكتف بـ “رصد” الأغاني، بل قامت بتفتيش كلماتها وحروفها لصياغة صك اتهام ثقيل. جهة الاتهام، تشبثت بأن الكلمات التي يتابع بسببها “بوز فلو”، ألفاظ واضحة تمس بكرامة الموظفين العموميين وشرفهم، “إنها كلمات يصعب على الإنسان نطقها في المجمع، ونشرها في فضاءات عمومية مثل وسائل التواصل الاجتماعي، لا يعفي من المسؤولية، خصوصا مسؤولية فهم الآخر”، يقول ممثل النيابة العامة.
وبناء عليه، تشبث ممثل النيابة العامة بأن إهانة موظف، التهمة الموجهة للفنان “بوز”، ليست مشروطة بمكان النشر، وأن لكل شخص الحق في انتقاد الدولة وأجهزتها، شريطة أن يكون ذلك بطريقة تحترم الهيئات المنظمة والقانون، مع مراعاة عرف الناس الذي يختلف من منطقة إلى أخرى حسب البيئة الاجتماعية للكلمات.
على المستوى الوطني، يقول ممثل النيابة العامة، إن “الفصل 28 من الدستور المغربي ينص على مبادئ المرجعيات والمواثيق الدولية”، إذ يضمن حرية الفكر والتعبير والإعلام، مع مراعاة القوانين، ما يجعل المواطن مسؤولا عن ممارسة حقه ضمن إطار يحمي المجتمع ويضمن حقوق الآخرين.
من جانبها، ردت هيئة الدفاع، في مرافعة محمد الطاوسي، بأن المادتين 19 و28 من الدستور، تؤكد على أن حرية التعبير مكفولة بكل أشكالها، وأشار المحامي أنه بالرجوع إلى الأحكام والقرارات القضائية السابقة، يلاحظ وجود إشكال قانوني، متسائلاً: “أين هو هذا الموظف؟”، معتبرا أن قرارات النيابة العامة غير قائمة على أساس قانوني سليم.
وفي معرض رده على تهمة الإهانة أثناء القيام بالمهام، أوضح المحامي أن الإهانة لا تقوم إلا إذا ثبتت أثناء مزاولة هذه المهام تحديدا، معتبرا أن الأمر يستوجب تدقيقا قانونيا صارما. وأضاف أن بعض العبارات الواردة تندرج في إطار التعبير السياسي، متسائلاً: “الناس في الخارج كتقول لي بغات وجواد نجيبوه؟”
بينما شدد المحامي خالد عدلي على أن الفصلين 262 و265 من القانون الجنائي يعاقبان على إهانة موظفي القضاء أو القوات العمومية أثناء أداء مهامهم، مشيرا إلى أن ما نُسب لموكله يتعلق بالكلمة الفنية التي لا علاقة لها بهذه الواقعة، مؤكدا أن الإطار القانوني لمناقشة القضية يجب أن يستند إلى مقتضيات الصحافة والنشر.
وفي هذا السياق، اعتبر عدلي أن هناك تحولا عميقا في منطق التلقي وشروط التعبير، حيث لم تعد القواعد الجمالية تُقدَّس كما في السابق، وأصبحت اللهجة النابية، في بعض السياقات أداة تعبيرية، منبها إلى أن الذي يجب أن يُخاطب هو الثقافة الموجودة في العقول، إذ لم يسبق لأحد أن ادعى تعرضه للإهانة. وأكد أن الإهانة تتحقق فقط أثناء ممارسة المهام، وهو ما لا ينطبق في هذه القضية.
أثناء المحاكمة، أوردت النيابة العامة، بعض الكلمات، التي يتابع بسببها “بوز فلو”، لم تكن أغاني كاملة، بل مقاطع وأسطرا استلتها من عدد كبير من أغاني هذا الفنان، ففي صك الاتهام سطران من الألبوم المصغر (EP) «زاندة»، وسطر من الألبوم المصغر 112 وبالتحديد من أغنية «Kamigaz»، ثم مقطع من أغنية «Marionette»، التي أصدرها “بوز” تضامنا مع جيل زد، في ثم مقطع رابع من أغنية أصدرها سنة 2020 بعنوان «Fornax A»، إضافة إلى سطر من أغنية « SOCIOPATH».
“سوء تقدير النيابة العامة”
“وقائع النازلة اتخذت منحى تصاعديا في الإجراءات، شابته، حالة من اللبس وسوء التقدير من طرف النيابة العامة”، هكذا عبر المحامي محمد الطاوسي في مرافعته، مشيرا إلى أن الفترة الممتدة من ماي إلى غشت، العام الجاري، شهدت تدهورا كبيرا في الحالة الصحية لجواد، في وقت حُررت فيه المتابعة بأسلوب “يتسم بالحدة”، وبنيت على عناصر “غير سليمة قانونيا”، يقول الطاوسي.
إضافة إلى سوء الفهم الذي اعتبر أنه “بلغ مستويات عالية”، أشار المحامي إلى غياب التكوين القانوني، مستغربا من توجيه أسئلة لموكله حول “تراكات” تعود إلى سنة 2016، مؤكدا على الفرق بين شخصية جواد أسرادي والفنان “بوز فلو”، يقول المحامي:”رغم اختلافهما، فإن بينهما علاقة مؤثرة، تقوم على الوفاء المتبادل”.
هناك فرق واضح بين شخصية الرابور “بوز فلو” وجواد أسرادي، يقول المحامي، فالشخصيتان لا تنصهران دائما في كيان واحد، حيث إن “بوز فلو” فنان بطبعه، مرهف، وموهوب، ومبدع، ومتفوق، وفي المقابل، جواد أيضا موهوب، وفنان، ومثقف، وحاصل على شهادة محترمة في علم الاجتماع، فهو لم يتنصل من كلماته، ولم يقل أنه غير مسؤول عنها، لكنه شدد على أنه لا يفرض على الناس الاستماع إليه.
وأبرز المحامي في مرافعته، أن الراب في جوهره قصيدة شعرية تقوم على الأبيات والاستعارة والقافية، وليس كلاما عشوائيا، قائلا: “نحن نشكر جواد، لأنه دفعنا إلى أن نبحث ونتثقف ونفهم هذا الفن أكثر”، وأضاف، وهو يلوّح بإحدى أوراق المحضر عاليا، “حتى أن الكلمات موضوع المتابعة كتبت على شكل قصيدة”. في تلك اللحظة ارتسمت ابتسامة خفيفة على محيّا جواد أسرادي.
الدفاع، اعتبر أن المحاكمة تستهدف شاعرا، معتبرا أن بعض ما ورد في المحضر نفسه يشكل، بحسبه، صك براءة. مشيراً إلى أن هذه القضية ذكرته بقوانين تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي سنة 1934، حين كان يحاكم النوايا لا الأفعال، متسائلاً: “هل يمكن القبول بمثل هذا المنطق في مغرب سنة 2025؟”.
سياق فني عام
وفي سياق مرافعته، استحضر المحامي الطاوسي، مجموعة مقاطع قديمة من أغنية “الخوف“، التي تعود إلى ألبوم “مغاربة تالموت” الصادر سنة 2006، للرابور “دون بيغ”، كما ذكّر بمقاطع غنائية للرابور “ديزي دروس” لأغنية “مع العشران“.
وأشار الطاوسي إلى أن “دون بيغ”، نال وساما ملكيا، بينما يعيش “ديزي دروس” في رفاهية، ويدخل المغرب بين الفينة والأخرى، متسائلا عن دوافع هذا الانتقاء بالذات، مذكّرا أن خطابات العرش تتضمن تعابير نقدية من قبيل “أين الثروة”، و”مغرب السرعتين”، و”المسؤول الذي لا يقوم بمهامه”، للتدليل على أن النقد ليس بالضرورة خروجا عن الإطار المشروع.
وفي هذا الإطار، استحضر المحامي خالد عدلي الرابور “الغراندي طوطو”، مشيراً إلى أنه مُنح شرعية واسعة، خاصة بعد صعوده إلى منصة مهرجان “موازين” المنظم تحت الرعاية الملكية، وبث عرضه على قناة عمومية، رغم شكايات عدد من المواطنين إلى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، التي قررت حفظها مؤكدة أنها لا تمارس الوصاية على التعبير الفني.
من بوز فلو إلى شارل بودلير.. ملاحقة للخيال
في سياق دفاعه، استحضر المحامي خالد عدلي واحدة من أشهر المحاكمات في تاريخ الأدب، والتي تعرض لها الشاعر الفرنسي شارل بودلير سنة 1857، بسبب ديوانه الشعري «أزهار الشر»، حين وُجهت له تهمة المساس بالآداب العامة والأخلاق، وقد انتهت تلك المحاكمة بتغريمه ومنع ست قصائد من التداول، في واقعة شكّلت نموذجا كلاسيكيا للصراع بين الفن والمجتمع.
وذكر عدلي أن قضاة المحكمة العليا الفرنسية عادوا لاحقا إلى فحص معايير انتهاك حرمة الآداب العامة بدقة أكبر، حيث قرروا أن القصائد موضوع المتابعة لا تتضمن أي ألفاظ فاحشة أو مبتذلة، ولم تتجاوز في صيغتها التعبيرية حدود الحريات المتاحة للفنان. ومن هذا المنطلق، شدد المحامي على عدم تكرار ذلك السيناريو، مؤكدا: «نحن لسنا في فرنسا القرن التاسع عشر، بل في ملكية دستورية ديمقراطية».
في هذه الأثناء، ظل ممثل النيابة العامة متمسكا بموقفه، وقال إن الأمر يتعلق بعبارات واضحة وصريحة لا تقبل التأويل، في رده على الاستشهاد بالأحكام الفرنسية والأمريكية، وأكد أن المعايير الأخلاقية تختلف بين المجتمعات، وأن المغرب أولى بأن يُحاكم وفق قيمه ومجتمعه، وما يقبله مجتمع قد لا يقبله آخر، مضيفا أن جواد يُحاكم في المغرب. وأكد أن الفن الناقد مقبول، لكن دون إهانة أو مس بكرامة أي شخص.
وفي الرد عليه، اعتبر عدلي أن القراءة التي اعتمدتها النيابة العامة “قراءة تصويبية معيارية”، سعت إلى ضبط المعنى وفق معايير محددة دون استحضار أبعاد الخطاب الفني. بينما “الفن يستعمل المفردات المتداولة في الحياة اليومية، لكن دلالتها تتغير داخل العمل الإبداعي”. ولهذا اعتبر أن “ما يجري اليوم لا يعدو أن يكون، في جوهره، ملاحقة للخيال”.
الإهانة تهمة تفتح باب التأويلات الفضفاضة
طول المحاكمة، ظل ممثل النيابة العامة متمسكا بتهمة بالإهانة، واعتبر أن مرافعات الدفاع تميل إلى إباحة هذا الفعل، موضحا أن الفنان يمكن مساءلته مدنيا، وأن الروائي حتى لو كتب رواية في أقصى درجات البلاغة، يبقى خاضعا للمساءلة حين يحرض على العنف. وأكد في هذا السياق أن المساس باحترام واعتبار السلطات الأمنية، يستدعي التحرك حتى في غياب شكوى رسمية، حتى أن المتابعة يجب أن تُباشر حتى لو لم يكن هناك مشتك.
غير أن المحامي خالد عدلي، أشار إلى أن بعضا ممن يتناولون هذه الأعمال الفنية يكتفون بقراءة سطحية للأغاني، متجاهلين أبعادها العميقة، إذ إن عبارة “القايد” مثلا، لا تندرج ضمن السب أو القذف، ولا تستهدف شخصا بعينه، بل تأتي في إطار التشبيه الفني، محذرا من خطورة الانزلاق نحو تأويلات فردية، معتبرا أن فتح باب التأويل على مصراعيه سيجعل كل طرف يفرض فهمه الخاص للنص.
وأضاف عدلي أن أوصاف جواد الحادة تعكس الواقع نفسه، مذكراً ببعض العبارات الحادة التي يستخدمها السياسيون، ليخلص إلى أن العناصر التكوينية للمتابعة لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة فن الراب في الدائرة الفنية الصغيرة التي يمارس داخلها جواد.
من جهته، أشار المحامي ياسين بلكريم، إلى الجانب القانوني الصرف، وقال إن موضوع المتابعة، الذي يفترض أن يحدد العناصر والأركان، لم يوضح بدقة المقصود بمفهوم «الإهانة»، كما أن المشرّع لم يضع تعريفا واضحا للأفعال التي تتحقق بها هذه الإهانة، ما يفتح الباب أمام تأويلات فضفاضة وخطيرة.
الراب وشعر الصعاليك
محاكمة “بوز فلو” لم تقتصر على النقاش القانوني الصرف، ولم تتوقف عند السجال الفلسفي، بل امتدت إلى الشعر أيضا، فبينما احتجت هيئة الدفاع بأن أغاني الفنان نوع من الهجاء المعروف في الشعر العربي، دفع ممثل النيابة العامة بأن شعر الصعاليك هو الأقرب في هذا السياق، مستشهدا ببيت للشاعر عروة بن الورد:
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة *** وأحسو قراح الماء، والماء بارد
واستشهد ممثل الادعاء بعهد عمر بن الخطاب حين عوقب الشعراء، ليبرر أن تدخل الدولة يهدف إلى ضبط النظام الاجتماعي ومنع الاضطراب، حيث تستدعي مسؤولية السلطات التدخل عند المساس بالجهات أو المنظمات الرسمية. ولهذا اعتبر أن من بين أدوار الفنان تكييف فنه مع أخلاق المجتمع، مستهجنا عبارات يستخدمها “بوز فلو” في أغانيه.
في هذا السياق، أحال المحامي عدلي على عصر الفرزدق وجرير، متسائلا بنبرة استنكارية عما إذا كان يمكن، بمنطق اليوم، تخيل محاكمة هذين الشاعرين بسبب الصور القاسية التي تزخر بها قصائدهما. وأشار إلى منهج عالم البلاغة عبد القاهر الجرجاني في تناوله لإعجاز القرآن، مبرزاً أن مفرداته تشترك مع مفردات الناس، غير أن سر الإعجاز لا يكمن في الألفاظ ذاتها، بل في النظم الذي يمنحها معنى جماليا ودلاليا خاصا.
واستحضر المحامي ياسين بلكريم، نماذج شعرية تاريخية، مذكرا بأن المتنبي نفسه تعرض للمتابعة والاعتقال، في دلالة على أن الصراع بين السلطة والكلمة قديم ومتجدد. كما استحضر في هذا الصدد «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، الذي تخيل نفسه محشورا مع أهل الجنة، دون أن يُقرأ ذلك بوصفه ادعاء واقعيا.
أما خالد عدلي، فأشار إلى فنون مغربية أصيلة مثل العيطة والملحون، وما تتضمنه أحيانا من ألفاظ صادمة أو جريئة، معتبرا أن فهم العمل الفني يجب أن يكون في شموليته. وانتقد، في هذا الإطار، مقاربة النيابة العامة التي تنتزع مقاطع متفرقة من سياقها، مشددا على أن الفن لا يُفهم بهذه الطريقة المجتزأة، بل يُقرأ كوحدة متكاملة، وكلوحة واحدة لا يمكن الحكم عليها من خلال جزء معزول منها.
أفكار في قفص الاتهام
سياق المحاكمة، الذي استهلته النيابة العامة بمرافعة فلسفية، فتح الباب لنقاش أعمق حول الفن ومستويات التلقي، وعلى هذا الأساس، أكد المحامي خالد عدلي في مرافعته أن فهم الأحداث والنصوص الفنية لا يتم بطريقة مباشرة أو حرفية، بل يقتضي، في كثير من الأحيان، مقاربة رمزية، تحترم تعقيد اللغة وتشابك الدلالات. وفي هذا الإطار، أحال على عدد من المقالات العلمية التي تؤسس لما ذهب إليه، خاصة ما يتعلق بمفهوم الوحدة اللغوية وأهمية السياق المقالي في إنتاج المعنى.
وأوضح عدلي أن تحليل المعنى ليس عملية بسيطة أو ميكانيكية، محذرا من التعامل مع النصوص الفنية بالطريقة نفسها التي تُفكك بها الأقوال الجاهزة أو الخطابات المغلقة. وقال في هذا الصدد إنه لا ينبغي «أن نأتي بالكلام كما يفعل الأصوليون»، في إشارة إلى القراءات الجامدة التي تعزل العبارة عن سياقها وتحملها دلالات قطعية.
وأضاف المحامي أن سطرا واحدا، مهما بدا صغيرا أو عابرا، قد يحيل على تجارب فكرية أو مشاريع سياسية وثقافية كبرى، إذا ما قُرئ في أفقه الرمزي والتاريخي. واستشهد، في هذا السياق، بسطر من أغنية «هلوسة 3»، يستحضر فيه بوز مشاريع فكرية، مثل مشروع عبد الله العروي.
وفي سياق تساؤلي نقدي، طرح المحامي سؤالا جوهريا حول طبيعة الفن الذي نريده، يقول:«هل نريد فنا يكتفي بالتطبيل والتمجيد، أم فنا ينتقد ويزعج ويطرح الأسئلة؟»، معتبرا أن القيمة الحقيقية للفن تكمن في قدرته على النقد والمساءلة، لا في مسايرته للسلطة أو الواقع.
أكدت هيئة الدفاع أنه، منذ البداية، لم تكن القضية المعروضة تتعلق بمحاكمة شخص، بقدر ما هي محاكمة لفكرة. وانطلاقا من هذا التوصيف، انتقد أحد أعضاء الهيئة منهجية النيابة العامة، معتبرا أنها وقعت في فخ اجتزاء النصوص القانونية وانتزاعها من سياقاتها العامة، بما يُفضي إلى تأويلات ضيقة لا تنسجم مع روح القانون.
بينما تساءل محام آخر، بنبرة استنكارية، عمّا إذا كان من المعقول متابعة مخرج سينمائي لأنه قدّم صورة لشرطي فاسد، أو محاسبة روائي بسبب شخصيات أو وقائع تخييلية تضمّنها عمله الأدبي، معتبرا أن مثل هذا المنطق يؤدي إلى خنق الإبداع ومصادرة الخيال.
عضو آخر في هيئة الدفاع، قال إن مرافعة ممثل الادعاء جاءت من حيث لا يُقصد، في صالح المتهم، لكونها استُهلت بالاستناد إلى أقوال فلاسفة وإلى مواثيق دولية، وهي المرجعيات نفسها التي تؤكد على سمو حرية التعبير وضرورة حمايتها داخل المجتمعات الحديثة.
هل يزرعون الخوف في حقول الإبداع؟
المحامي بلكريم، حذر من التداعيات الرمزية لهذه المحاكمة. وقال إن ما يُخشى اليوم هو أن يتحول كل فنان إلى مشروع خائف، وأن يتسلل الرعب إلى الحقل الإبداعي برمته، معتبرا أن القضية المطروحة لا تتعلق بشخص بعينه، بل تمسّ جوهر الكلمة ذاتها، «نحن بصدد محاكمة الكلمة».
وأشار بلكريم إلى أن هذا اللون الفني بات يفرض نفسه داخل المجتمع، “بل إن وزارة التربية الوطنية تستعد لإدماج هذا الفن ضمن البرامج التعليمية”، وهو ما يؤكد، بحسبه، أنه لا يمكن اعتباره في حد ذاته فعل إهانة. وعلى هذا الأساس، اقترح المحامي إما تطبيق قانون الصحافة والنشر، أو اللجوء إلى قانون العقوبات البديلة، بدل الزجر الجنائي الصارم.
وفي نفس السياق، عضو آخر في هيئة الدفاع من مآلات التضييق على الإبداع، مستحضرا ما آلت إليه الأمور في الجزائر، من خلال الإشارة إلى محاكمة الكاتب بوعلام صنصال، وهي القضية التي استدعت، بحسب قوله، تدخل فرنسا للمطالبة بإطلاق سراحه، مؤكدا أن المغرب لا ينبغي أن يسلك هذا المسار.
وفي كلمته الأخيرة، قال ممثل النيابة العامة إن المغرب في مرحلة تأسيس لمفاهيم حريات التعبير، وأن الهدف من المتابعة ليس إيقاف الفن، بل “أن يجلس جواد مع نفسه، ويعترف بالأخطاء المحتملة، وأن يستشير، بما يوازن بين حرية التعبير واحترام القيم العامة”.
خلال أطوار المحاكمة الماراطونية، ظل جواد أسرادي هادئا متابعا لمرافعات هيئة دفاعه وسجالها مع ممثل النيابة العامة، يكتفي بالابتسام والإنصات، وفي نهاية الجلسة توجه إليه الرئيس ليمنحه الكلمة الأخيرة، حينها تحدث باقتضاب وقال “استمتعت بالمرافعات، بالرغم من التصادم الأيديولوجي، وأتمنى أن يأخذ القانون مجراه، وأرجو أن يسامحني والداي”.
بنهاية يوم الخميس 25 دجنبر 2025، أقفلت المحكمة الابتدائية بصفرو أبوابها بعد نطق هيئتها بالحكم على جواد أسرادي “بوز فلو” بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ، بعد أن قضى أزيد من شهر رهن الاعتقال الاحتياطي.