الرئيسية

ما بعد الكارثة.. حين تروي أزقة آسفي قصص الفقد والضياع

اليوم 16 دجنبر، مرت 4 أيام على الفاجعة، الجو ضبابي ومشمس في نفس الوقت، جو ملتبس يخيم على حاضرة المحيط. يبدو الذهاب مشيا إلى ساحة "بوالذهب" ، أشبه بالنزول إلى حفرة. وسط هذه الفوضى يتقاسم عمال النظافة المهام بإتقان، يَجُرُّون المكانس ويحركون المكشطات اليدوية، ويدفعون الأوحال والمياه المتراكمة، ويجمعون مخلفات الفيضان.

عادل أيت واعزيز

رجال ترتسم التجاعيد على وجوههم، أمضوا أعمارهم بين النفايات والمكانس، تبدو أجسادهم منهكة من كثرة الانحناء، وآخرون في نفس أعمارهم إلى جانبهم شباب أكثر حركة، خطواتهم أسرع، يُقَسِّمون الأدوار فيما بينهم، بين من يستعمل الآلات اليدوية في التنظيف، ومن يستعمل يديه لالتقاط مواد البلاستيك، وبين الفينة والأخرى، يتبادلون الأدوار.، تستريح مجموعة لأخذ وجبة طعام، فيما تواصل المجموعات الأخرى عملها. جميعهم يسعون لإعادة الحياة مجددا للمكان. 

أشرف، أحد هؤلاء الشباب، ابن آسفي، غير قاطن  بالمدينة القديمة، لكنه يَمُدُّ يد العون ويكد من أجل تنظيف الساحة، يصرح لمنصة هوامش  وهو يتناول وجبة سريعة “لم نتلق أي تعليمات أو نداء بأن نأتي إلى هنا ونتعاون مع ساكنة المدينة القديمة، كل ما في الأمر أن هذا واجبنا الإنساني، ودورنا أن نكون هنا إلى جانب أهلنا”. ويختم حديثه، “ملي كتشوف هدشي ماتقدرش تبقا فدارك”.

في نفس الساحة، تتكدس السيارات والجرافات والشاحنات، وسط حركة حثيثة لعشرات  المواطنين، الذين يُعَبِّرون عن غضبهم وقلقهم، كلٌّ بطريقته الخاصة، تقف سيدة في مطلع عقدها السادس، وتلوح بيديها في وجه السلطات، وتحتج،  لا للتصريحات، ولا للكاميرا. كل ما تردده، أن يعاد لها “ما سلبه الفيضان”.

قبل الخطوات الأولى لولوج المدينة القديمة من الجهة الغربية، يقف ضريح بوالذهب، الذي انفضت عنه مياه الفيضان، بعد أن كان غارقا حتى منتصف بابه، في مقابله وضعت لافتة تغطي بعض المحلات التجارية، كتبت بالعامية، وبخط عريض: “مدينة شعبية قصتها قديمة منسوجة خيط بخيط”.

رحلة صعبة وطريق متآكلة

لم يكن التوجه، على الساعة التاسعة ليلا، إلى مدينة آسفي، من مراكش عبر الطريق الوطنية N44، يسيرا و مطمئنا. مسافة 155 كيلومترا التي تفصل المدينتين، طريق محفوفة بالحفر، والضباب الكثيف، والظلام الدامس، والبرك التي خلفتها الأمطار، الرحلة ترفع منسوب القلق، ومع كل تعثر للعجلات في حفرة، تهتز السيارة فينتعش الخوف في نفوس الركاب.

لا يخرج حديث الركاب الأربعة، القادمين جميعهم، من ديار المهجر، عن فاجعة مدينتهم آسفي، امرأة خمسينية من إيطاليا، وشاب في منتصف الثلاثينات كان سائحا في إسبانيا، لم يخفيا استياءهما مما خلفته فيضانات المدينة القديمة. كما لم يتوقف الشاب محمد، طيلة السفر إلا للحظات، عن إبداء مقارنات في البنية التحتية بين إسبانيا والمغرب، وهو يُردد كل مرة وبحزم، بينما يعد على أصابع يده، ما تملكه آسفي من موارد، ويقول “عندنا الفوسفاط، عندنا ثروة سمكية ومنجمية، عندنا معامل كتنتج الطاقة والجبس، وعندنا صناعة المطاحن، وعندنا تراث ثقافي..”.

المرأة الخمسينية، التي تجلس في المقعد الأمامي، تكتفي بكلمات الحسرة والدعاء، وعبارات أخرى ترددها “هدشي بزاف، الله ياخد الحق”. أما سائق الطاكسي، الذي يمسك المقود بعزم وحذر من عدم وضوح الرؤية، سببتها  زخات المطر القوية، فأراد أن يخفف من عبء الطريق، وشغل إذاعة “كاب راديو”. يتزامن البث مع برنامج حول الفاجعة، لم ندرك من البرنامج سوى شذرة لأغنية “وَينُنْ” لـ فيروز: “تَرَكوا ضَحِكات وُلاَدُنْ مَنْسِيَّة عالْحِيطان”، بعد هذه “المغامرة”، وصلنا أخيرا إلى مدينة آسفي عند منتصف الليل.

المدينة القديمة.. أبواب مفتوحة على الخسائر

وأنت تقف عند عتبة المدينة القديمة، يمتد أمامك مشهد الأرضية الموحلة، فوقها تتناثر مخلفات الفيضان، أخشاب وأغصان أشجار جلبها السيل، إضافة إلى ركام هو خليط مما جلبته المياه وما أفسدته وجرفته من داخل المحلات. بقع مياه راكدة، لم تجد بعد طريقها للزوال، ونفايات متنوعة من بلاستيك، وأكياس، وقنينات، وأخشاب.. تتراكم كأنها خرجت دفعة واحدة من بطن الفيضان. 

على الجانبين، توشك المحلات التجارية، على فقدان ألوانها الزرقاء المعروفة، بدت عارية تماما، أبواب مخلوعة أو معلقة أو على الأرض، اقتلعها اندفاع المياه وترك واجهتها مكشوفة على الخسارة والصمت، غطاها الفيضان، بارتفاع وصل إلى أزيد من 4 أمتار.

لم يكن عمال الإنعاش الوطني، بستراتهم البرتقالية المخططة باللون الأصفر، وحدهم من ينظفون المكان، كأنهم يدفعون بالخيبة ويسحبونها من أزقة المدينة، مواطنو آسفي، وأصحاب المحلات وساكنة المدينة القديمة وشبابها، يتقاسمون معهم نفس المهام، يزيلون بالمكشطات الأوحال، لنقلها بالشاحنات والتخلص منها، أما المواد والمخلفات الثقيلة، مثل الكراسي والطاولات الخشبية الثقيلة وبعض الأرائك فتتكفل بها الجرافات.

أثقال الفقد.. أرواح وأرزاق

’’قيسارية كوار’’، التي رممت سنة 2008، بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في إطار برنامج إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة، تزدحم عند مدخلها كومة من الازبال، لم تعد فيهاآلة خياطة واحدة صالحة للعمل، بعد أن اجتاحت المياه محلاتها وأروقتها، وتجاوز منسوبها أبواب المحلات، التي بقي بعضها مغلقا من الداخل، ولنفس السبب، يتجمع أصحابها، من النساء والرجال، بين من يتناوبون على دفع الباب بعصى، ومن يدفعون الأوحال من أرضية القيسارية خارجا، فيما بعض النساء يعملن بجد على تنظيف بعض الطاولات والمعدات لعلها تصلح لشيء.

ونحن نعبر إلى الفضاءات الأخرى للمدينة القديمة، نتفحص ملامح المنكوبين الذين فقدوا أهاليهم، نستطيع تمييزها عن غيرها، أولا بمواساة معارفهم وجيرانهم، وثانيا بوجوهم الشاحبة، وعيونهم الفارغة، التفاصيل الصغيرة، من انحناءة الرأس إلى حركة اليد، كلها تحكي قصصا  تحمل أثقال الفقد.

صرخ شاب، لم يتجاوز عمره الثلاثين، بعدما حزر أننا صحافيون، “أنتم لا تصورون الواقع”، فهمنا من بعض من تحدثوا إلينا أنهم غاضبون من بعض التغطيات الصحافية، ويعتبرون أنها قللت من حجم الكارثة، بعده بلحظات صرخت فتاة فقدت والدتها في الفيضان، “لا تُصَوِّرُونا.. أنتم لا تبحثون إلا عن المآسي.. أين كنتم حين كنا وحدنا؟”.

’’مابقا عندي والو.. رجعت كيما بديت’’، يقول طارق، أمام محله التجاري، ويرفع يديه في حالة استسلام، وهو يواجه عدسة الكاميرا. تداعى مجموعة من الشباب لمساعدته في تنظيف المكان، يكدسون الأدوات والكتب المدرسية والدفاتر، أحدهم يلقي الكتب المبتلة والتالفة بعنف في العربة اليدوية، وحين تمتلئ يسوقها ليفرغها خارج القيسارية، في الجهة المقابلة يقف تاجر ملابس متحسرا، يمسك بين يديه ملابس أتلفها الماء والطين ليرينا حجم الخسارة، ويقول “السروال الرخيص هنا، يساوي 150 درهما!”.

من الطرف المقابل يتحدث إلينا إبراهيم، وهو تاجر في منتصف الخمسينات، أنهكه تنظيف دكانه الصغير من الطين والأوساخ، بنبرة غاضبة “ماشفنا حتى شي لجنة أو مسؤول!”، نقترب منه فيواصل حديثه معنا: “إلى حد الآن لم نر أي لجنة، ولم تتواصل معنا أي جهة، أو تم إحصاء الخسائر، أنت ترى بعينيك، ‘السعلة كلها مشات’، لا نطلب منهم المستحيل، نريد فقط أن يتم تعويضنا عما ضاع منا، هذا رزقي، ولقمة عيش أبنائي”.

التوغل داخل المدينة العتيقة أشبه بالتقدم في منطقة تعرضت لتوها للقصف، في زقاق ضيق يتزاحم مواطنون مع عمال الانعاش، ويساعدون في إفراغ أحد المنازل، من كل شيء، لم يعد شيء من الأثاث أو لوازمه صالحا للاستخدام، يحملون الأفرشة وأغطية النوم والوسائد والأسِرَّة المبتلة، إلى الساحة للتخلص منها.

نفس المنزل، الذي انحسر فيه الفيضان، ما تزال ندوب المياه عند عتبته، ويكفي أن ترفع رأسك، لتدرك حجم الفاجعة؛ خط داكن لايزال مرسوما على جدرانه، عند ارتفاع يزيد عن مترين.

مدينة بدون تصور سياسي 

طول فترة مكوثنا بآسفي، لم تتوقف انتقادات المواطنين للمجلس الجماعي و”المسؤولين”، انتقادات تزكيها المستشارة الجماعية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة الزهراء عبدون، التي أكدت في تصريح لمنصة “هوامش” أنه “لم يكن هناك أي استعداد مسبق لمخاطر الفيضانات، لأن المجلس الجماعي ليست لديه أية استراتيجية لتدبير المدينة، والدليل على ذلك أنها غير مؤهلة من حيث البنيات التحتية: الطرقات، قنوات الصرف الصحي الإنارة”. وأشارت إلى وجود أحياء تفتقر إلى قنوات الصرف الصحي، وقد سبق لهم، تضيف  فاطمة الزهراء، “أن نبهنا إلى هذه الهشاشة،  باقتراح تقدم به المستشار سعيد لمغاري سنة 2021”.

ولم تفوّت المستشارة بالمجلس الجماعي لآسفي الفرصة لتوجه سهام النقد “سجلنا تأخرا في حضور المسؤولين إلى عين المكان، و تأخرا في إعلان حالة الطوارئ، وهو ما ساهم في تفاقم الأضرار بسبب عدم تحمل أي جهة مسؤولية اتخاذ القرار للتدخل، كان من الممكن أن تكون الخسائر المادية والبشرية أقل لو أن السلطات تعاملت مع الوضع بكل مسؤولية، ومهنية، ووطنية”.

 “ما معنى أن تؤدي تساقطات مطرية تناهز 60 ملمترا، إلى خسارة كبرى لمدينة عريقة، بينما طنجة احتلت أعلى درجات التساقطات يوم الثلاثاء، بأكثر من 62 ملمترا، ومرت الأمور بسلام ولله الحمد، فهل ساكنة آسفي لا تستحق رؤية استراتيجية وقائية؟” تتساءل عبدون في حديثها إلينا.

ولذلك، تدعو المتحدثة إلى “فتح تحقيق نزيه وشفاف في كيفية تدبير الميزانيات المرصودة لتأهيل المدينة العتيقة والتجهيز، وتحويل المجاري المائية التابعة للجماعات القريبة، نحو الحاجز المائي سيدي عبدالرحمان، مع استثمارها بدل تصريفها في البحر، إضافة إلى إحداث سدود تلية بالجماعات المجاورة، مع التشديد على انعقاد اجتماع لجنة اليقظة خلال شهر غشت والتأكد من تنفيذ إجراءات التنقية وإزالة الأزبال والأحجار والأشجار على أرض الواقع”.

ولم يفت عبدون أن تطالب بإعلان “مدينة آسفي مدينة منكوبة، ضمانا لحقوق أهالي الضحايا والمتضررين، إلى جانب وضع استراتيجيات ومخططات شاملة لتنمية المدينة وتأهيلها على مستوى البنيات التحتية، مع عدم منح رخص البناء إلا للتجزئات المجهزة والمتوفرة على المرافق الضرورية، و تمكين المدينة من الاستفادة من مداخيلها”. 

في المقابل، راسلنا واتصلنا مرارا برئيس المجلس الجماعي لمدينة آسفي، من أجل الرد على الانتقادات، والتعليق على آثار الفيضان، لكن تعذر علينا الحصول على تصريح منه قبل النشر.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram