الرئيسية

احتجاجات “جيل زد” في المغرب.. أصوات جديدة في مواجهة نظام سياسي عتيق

مع انطلاق منافسات كأس إفريقيا للأمم، الأحد الماضي، واحتشاد عشرات الآلاف من مشجعي كرة القدم في ملاعب المغرب، نستحضر آلاف المحتجين من جيل زد الذين تم اعتقالهم والتنكيل بهم عندما خرجوا إلى الشوارع، عقب وفاة ثماني نساء في قسم للحوامل في مستشفى بأكادير. هؤلاء المحتجون يُحاكمون الآن، وقد تم بالفعل إصدار أحكام بالسجن تصل إلى مئات السنين على بعضهم، بمن فيهم قاصرون تحت سن 12 عامًا. جزء من غضبهم كان ناتجًا عن كرة القدم. فقد رأى الشباب ملاعب جميلة تُبنى بينما كانت المستشفيات في حالة مزرية، لدرجة أنها لم تتمكن حتى من الحفاظ على سلامة الأمهات.

عمر الراضي ترجمة : هوامش

السبت 27 سبتمبر، في حديقة جامعة الدول العربية في الدار البيضاء، احتشد عناصر شرطة بزي مدني إلى جانب عناصر القوات العمومية، في مجموعات يغلب عليها التوتر، كان حضورهم ثقيلا، ويشكل استعراضا لقوة الدولة التي تستعد لمواجهة لا تفهمها بشكل كامل. 

بعد الظهيرة، باتت أسباب هذه الحيرة مفهومة، فلأول مرة تواجه السلطات حركة احتجاجية شبابية من دون قادة، وبلا أصول واضحة، لم تتشكل في مقرات الأحزاب السياسية أو المنظمات الطلابية، ولكن على ديسكورد، منصة بدت وكأنها خيال علمي بالنسبة إلى قوات الأمن التقليدية. هؤلاء الشباب مجهولون، لا يمكن تعقبهم، ويوجدون في كل مكان.

في البداية، هؤلاء الشعب هواة للألعاب ومشجعون لكرة القدم، تتردد أصواتهم عبر غرف الدردشة على ديسكورد، كانوا أكثر اعتيادا على “الميمز”(الصور الساخرة) من الحياة السياسية العامة، فالسياسة كانت شيئا يحصل في مكان آخر. لكن بعد ذلك حدث تحول، بدأت الأزمة الصامتة في البلاد تصل إلى حساباتهم. ماذا كان المحفز؟ ثماني نساء تم إدخالهن إلى قسم الولادة في مستشفى عام في أكادير، جنوب المغرب. ولم تخرج أي منهن على قيد الحياة، بسبب نقص في الموظفين، وعدم وجود موارد، ومنظومة مدمرة تمامًا لدرجة أنه لم تستجب إلا بعد فوات الأوان.

الكرة .. القوة الناعمة للدولة 

إثر حصول المغرب، غير المتوقع، على المركز الرابع في كأس العالم في قطر سنة 2022، أصبحت كرة القدم حجر الزاوية في استراتيجية “القوة الناعمة” للبلاد، استمر الزخم خلال سنة 2023، عندما تم منح المغرب حقوق استضافة كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، انتصار ديبلوماسي بلبوس رياضي. ومنذ ذلك الحين، اتجهت السياسات العمومية نحو هدف وهوس وحيد: تحويل أجزاء من كبريات المدن إلى فضاءات مقبولة للضيوف الدوليين الذين سيتوافدون على المغرب لمدة شهر في 2030. تم ضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية، والملاعب، وإعادة تأهيل المدن.

لكن، من الصعب تجاهل التناقضات الصارخة، في بلد تشبه مستشفياته مناطق حرب، والمدارس تتداعى، أصبحت الوعود اللامعة لكرة القدم بالنسبة إلى كثيرين استعراضا مريرا. المغرب بلد مغرم بهذه اللعبة، قلة فقط يمكنهم إنكار ذلك، لكن بين المواطنين، أصبحت فرحة احتضان كأس العالم ممزوجة بخيبة أمل. الوفيات المأساوية لثماني نساء أثناء الولادة شكلت نقطة تحول، بالنسبة لشباب البلاد، لم تعد مأساة النساء مجرد نتيجة لسوء الحكامة، بالنسبة إليهم أصبحت المسألة شخصية.

قال أحد الناشطين الشباب الذين يستخدمون ديسكورد لمجلة Index: “نحن لا نريد أن نمارس السياسة. لا نطلب دستورًا جديدًا أو تغيير النظام. نحن فقط نريد أن تكون مستشفياتنا بنفس جودة ملاعبنا الرياضية”.

على الساعة السادسة مساءً، مع الاستعداد لانطلاق الاحتجاجات، فرضت الدولة حظرا شاملا على جميع التجمعات العامة في مختلف أنحاء المغرب. في الدار البيضاء منعت الشرطة الوصول إلى الساحات العامة، وتم تطويق نقاط التجمع المفترضة، كما تم توظيف تكتيكات الترهيب المعتادة: تهديدات، وضرب، واعتقالات.. لكن لم يثنهم ذلك، حيث تفرّق المحتجون الشباب إلى مجموعات أصغر، وظهروا مجددًا في الأزقة والشوارع الجانبية، مبتكرين نوعا من “حرب” شوارع حضرية، ليتكرر المشهد في جميع أنحاء البلاد: مطاردات وملاحقات، وضرب بالهراوات، ومواجهات استمرت حتى وقت متأخر بالليل.

أمر واحد كان واضحا على الفور بالنسبة للشرطة السياسية المغربية القوية: هذا نوع جديد من النشاط السياسي أكثر تحديا و إصرارا من أي شيء آخر شاهدوه من قبل.

قاصرون  خلف القضبان 

تجاوزت الأرقام التي أعلنتها السلطات القضائية المغربية، يوم 29 أكتوبر الماضي، حتى أسوأ التقديرات التي شاركتها مجموعات حقوقية مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH). من بين 2,480 شخصًا تم اعتقالهم خلال الاحتجاجات، لا يزال 1,473 منهم خلف القضبان في انتظار محاكماتهم. أما البقية، فهم متابعون في حالة سراح مؤقت.

التهم كانت مألوفة، وهي من سمات أسلوب الدولة في قمع المعارضة بشكل عام: العصيان، والتحريض على ارتكاب الجرائم، والمشاركة في تجمعات مسلحة. ولذلك تم توجيه تهم جنائية ثقيلة إلى المئات من المعتقلين: التجمع العنيف، وإهانة رجال الأمن، وحيازة أسلحة محظورة.

أول أحكام الإدانة، السريعة والمشددة، قضت بمئات السنين سجنا على عدة عشرات من الأشخاص، بما في ذلك عدد كبير من القاصرين دون سن 12 عامًا، وقد تراوحت بين 5 سنوات و 15 عامًا.

في القليعة، وهي جماعة ترابية صغيرة على أطراف مدينة أكادير في جنوب المغرب، قتلت قوات الأمن ثلاثة أشخاص باستخدام الذخيرة الحية قبل أن تعتقل آخرين. وتصر السلطات على أن عمليات إطلاق النار كانت دفاعًا عن النفس. ومع ذلك، لم يتم فتح أي تحقيق مستقل، ولا يزال الرأي العام منقسمًا بعد انتشار مقاطع فيديو تتناقض مع الرواية الرسمية.

عروض الدولة 

عندما خاطب الملك محمد السادس الأمة أخيرًا، يوم 10 أكتوبر، في خطاب ألقاه أمام أعضاء البرلمان المغربي، كان البلد يتوقع أي إشارة  إلى التوترات التي هزت المغرب في الأسابيع السابقة. لكن الملك لم يذكر أي شيء عن الاضطرابات، ولم يقدم حتى ردًا غير مباشر على المطالب التي اجتاحت الشوارع.

كانت خيبة الأمل واضحة. ومع ذلك، لم تشدد الحركة من موقفها، وظلت مطالبها بعيدة عن أي انتقاد مباشر للملكية. لكن الخطاب كان يعتبر على نطاق واسع بمثابة تجاهل متعمد – نوع من اللامبالاة- تجاه جيل أصر، منذ البداية، على الاحتجاج السلمي والولاء للعرش.

قال أحد منظمي سيرفر GenZ212 على ديسكورد، الذي لعب دورًا رئيسيًا في الاحتجاجات، وضم 200,000 عضو: “الملك تجاهلنا، أشعر بالإهانة.”

بعد أسبوعين، ترأس الملك اجتماعًا للحكومة وافقت خلاله على زيادة الميزانيات المخصصة للرعاية الصحية والتعليم، بالإضافة إلى إنشاء صندوق جديد لدعم المرشحين الشباب في الانتخابات المقبلة.

كان المال يُعرض بيد، وفي اليد الأخرى دعوة لدخول السياسة المؤسساتية. لكن بالنسبة للكثيرين، لم يُستقبل هذا الإجراء كخبر سار.

قال أحد المحتجين الشباب خلال اجتماع عام في الرباط: “من الصعب تصديق هذه الوعود. لا توجد تفاصيل، ولا تأكيدات على أن أيًا من هذا سيتم تنفيذه بشكل فعال.”

وأضاف أن شكوكه تعززت بسبب الطريقة التي تعاملت بها الشرطة والمحاكم مع المحتجين. “أليس من المفترض أن يبدأوا بالإفراج عن جميع المعتقلين؟” تساءل.

جيل زد .. حافز جديد للاحتجاج

تستمر الاحتجاجات بإصرار، رغم تواضع حجمها، إذ نادرا ما يتجمع أكثر من بضع عشرات في كل مدينة. إلى جانب مطالب الحركة الأولى بتحسين الخدمات الصحية والتعليم، حمل خطاب GenZ212 دعوات جديدة تشمل: إطلاق سراح المعتقلين، وإسقاط جميع التهم، وإنهاء الحكرة – وهو مصطلح مغربي يعبر عن العنف والغطرسة التي تمارسها السلطة ضد الضعفاء.

بالنسبة للمراقبين، الصحفيين والباحثين على حد سواء، هناك مفارقة في صلب أي تحليل يمكن إجراؤه لهذه الحركة. فمن جهة، هي الأصغر عددًا والأكثر تقييدًا في مطالبها مقارنة بالحركات السابقة التي كانت سياسية بوضوح أكبر، مثل احتجاجات 20 فبراير 2011 خلال الربيع العربي. ومن جهة أخرى، كان القمع عنيفا بشكل مذهل، وغير متناسب مع حجم الحركة أو تطلعاتها “الدبلوماسية” نسبيًا.

هناك أيضًا سؤال حول الأثر الذي ستتركه GenZ212. للمرة الأولى، لم تنشأ حركة احتجاجية في المغرب من اليسار السياسي، أو الإسلام السياسي، أو النقابات العمالية. بل خرجت من رحم النشاط في مجموعات الدردشة على الإنترنت، وهي نوع من الشارع الافتراضي. وقد ظهر صدى هذا بشكل فوري، حتى وإن كان لفظيًا فقط، في أوساط فئات اجتماعية تقليديًا مرتبطة بالنظام: فنانون، ومؤثرون، وأبطال رياضيون.

أصبح “رائد”، مغني الراب المقيم في الدار البيضاء، من مظاهر هذا التحول. فقد تم اعتقاله، ثم إطلاق سراحه، ثم اعتقاله مجددًا ووضعه في الحجز قبل أن تُوجه إليه تهم التحريض على تنظيم مظاهرات غير قانونية. وقد أصبح واحدًا من أبرز رموز الحركة، إلى جانب آخرين قدموا أصواتهم للقضية. وبذلك أصبحت الأغاني، والعروض الفنية، والبودكاستات التي تحظى بمتابعة واسعة، جميعها في صف الحركة، على الأقل في أيامها الأولى.

هذا الجيل أعلن نفسه “غير سياسي” منذ البداية، لكنه، وبسبب بعض الأخطاء التي ارتكبها من يمتلكون السلطة، وجد نفسه رغما عنه في قلب السياسة. جيل يصرخ الآن في وجه العالم: “لا، لا توجد حرية في المغرب ، ونحن البرهان”.

في الشوارع، اللهجة الشعبية، الحافلة بالألفاظ النابية، والتي كانت عادة محظورة في وسائل الإعلام الحكومية والمدارس والأماكن العائلية، وجدت سبيلها إلى الحياة السياسية. كما صرخ أحد المحتجين: “أطلقوا سراح الحرية، يا أوغاد…”.

التقرير الكامل لعمر الراضي، منشور في عدد شتاء 2025 من مجلة Index on Censorship ضمن ملف بعنوان “جيل زد في ثورة: لماذا لن يتم إسكات شباب العالم”.

المقال الأصلي بالانجليزية

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram