الرئيسية

“جريمة قتل عنصرية”؟.. مقتل شاب مغربي على يد الشرطة الإسبانية في مالقة 

يوم الأحد 7 دجنبر، كان هيثم، مهاجر مغربي في إسبانيا، يبلغ من العمر35 عامًا؛ داخل محل لبيع الهواتف (لوكوتوريو) في بلدة تورمولينوس الساحلية، والتي تبعد 16 كيلومترًا عن مدينة مالقة. وعلى إثر بلاغ مزعوم عن السرقة، تدخل ثمانية عناصر من الشرطة الوطنية الإسبانية، وقاموا بتقييده، ووجهوا إليه ثلاث صعقات كهربائية باستعمال مسدسين من نوع "تازر"، وهي أسلحة يُقدَّر أنها تنقل ما يصل إلى 1200 فولت في كل صعقة، ليسقط هيثم متوفيًا نتيجة نوبة قلبية.

هوامش

حسب شهود عيان، صرخ أحد عناصر الشرطة في وجه الشاب الراحل: “ابقَ ثابتًا أو سأصعقك مرة أخرى”، بينما “كانت تُسمَع صرخات الألم التي كان يطلقها هيثم”، يضيف الشاهد.

“نمط عنصري واضح”

الرواية الرسمية للشرطة، تفيد بأن أفرادها تدخلوا بناءً على بلاغ من أصحاب المحل، وأنهم وجدوا هيثم في حالة “هيجان شديد”، غير أن هذا التبرير يثير تساؤلات كثيرة، إذ إن الشركات المصنعة لمسدسات “التازر” تحذر من استعمالها ضد أشخاص في حالات هيجان أو اضطراب شديد. 

ورغم ذلك، فإن هذا التحذير غير معتمد في بروتوكولات المديرية العامة للشرطة الإسبانية، كما لا يوجد أي التزام بحمل أجهزة إزالة الرجفان القلبي للتعامل مع مثل هذه الحالات، رغم أن البروتوكول ذاته ينص على أن استعمال “التازر” يجب أن يكون محصورًا في “حالات الضرورة القصوى”.

لهذه الأسباب، يندد أقارب هيثم وأصدقاؤه بوفاته باعتبارها “جريمة قتل عنصرية” ارتكبتها مؤسسة تحمل على عاتقها تاريخًا طويلًا من الانتهاكات. ورغم أن بعض عناصر القضية ما تزال قيد التحقيق، إلا أن المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير بقوة إلى وجاهة رواية العائلة.

ولا يزال من غير المؤكد أصلًا ما إذا كان هناك بلاغ حقيقي عن السرقة، أو ما إذا كان هيثم يقوم فعلًا بأي عمل إجرامي. 

وفي اتصال هاتفي مع “هوامش”، تساءل محمد، وهو صديق هيثم وجاره في بلدة توريمولينوس “كيف يعجز ثمانية عناصر شرطة عن السيطرة على شخص واحد دون اللجوء إلى عنف مفرط؟”.

وأضاف المتحدث أن “الأخطر من ذلك هو الدفاع غير المشروط الذي تبنته الشرطة عن تصرف عناصرها، وما رافقه من خطاب ذي حمولة إسلاموفوبية”.

وأوضح المتحدث أنه في بيان صادر عن نقابة الشرطة “Jupol”، “ادعت هذه النقابة أن عناصرها تدخلوا في توريمولينوس «ضد شخص شديد العدوانية استقبلهم وهو يصرخ: الله أكبر، وكان يحمل مقصًا»”. 

من جهتها، أصدرت الكونفدرالية الإسبانية للشرطة (CEP) بيانًا اعتبرت فيه أن هناك من ينسب إلى العناصر الأمنية “سلوكيات غير قانونية زائفة ومسيئة لشرفهم”.

ويؤكد أقارب الضحية، والجيران، والمنظمات المناهضة للعنصرية، أن “قضية هيثم ليست حادثًا معزولًا، بل تندرج ضمن نمط عنصري واضح”.

جدير بالذكر أنه في أقل من عام واحد، توفي ما لا يقل عن أربعة أشخاص من ذوي الأصول المهاجرة أو الأجنبية خلال تدخلات شرطية: في إشبيلية، توفي محمود باخوم، بائع متجول ألقى بنفسه في النهر أثناء مطاردته من طرف الشرطة رغم أنه لا يعرف السباحة؛ وفي جزر الكناري قُتل عبدولي باه بعد تعرضه لإطلاق نار من الشرطة الوطنية؛ وفي تورخون دي أردوث توفي عبد الرحيم على يد شرطيين خارج أوقات عملهما؛ وفي برشلونة توفي محمدي داخل مخفر للشرطة.

ويرى مدافعون عن حقوق المهاجرين، أنه “من الضروري أن لا تُترك التحقيقات بيد الشرطة نفسها أو في يد أي منظومة قضائية متواطئة”. 

ويؤكد أقارب هيثم، إلى جانب منظمات اجتماعية ونقابية وسياسية، على “ضرورة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين، والنضال من أجل العدالة”.

الرواية الرسمية 

وقع الحادث مساء الأحد الماضي في شارع هويو بمدينة توريمولينوس، حيث تدخلت الشرطة الوطنية لتوقيف رجل يُشتبه في محاولته سرقة أحد المحال التجارية.

وحسب ما أفاد به مصدر من خدمات الطوارئ، تلقى مركز 112 في الأندلس بلاغًا، حوالي الساعة 19:45، يفيد بوقوع الحادث وبحالة الهياج الشديد التي كان عليها المعني بالأمر. وعلى إثر ذلك، انتقلت عناصر من الشرطة الوطنية إلى المكان، حيث طلبت بدورها تدخل الإسعاف بعد أن دخل الرجل في حالة توقف قلبي تنفسي.

ووفقًا لمصادر من الشرطة، فإن عناصرها توجهوا إلى المحل الكائن بشارع هويو بعد إشعارهم بأن طاقم المتجر تمكن من احتجاز المشتبه به داخل المحل عبر إنزال الستارة المعدنية، غير أن الرجل كان، حسب ذات المصادر، في “حالة هياج شديد”. 

وأوضحت مصادر من مفوضية الشرطة الإقليمية بمالقة أن “العناصر الأمنية عاينت دخول الرجل في حالة توقف قلبي تنفسي فور وصولها إلى المكان”. ورغم محاولات الإنعاش القلبي الرئوي (RCP) التي باشرها كل من عناصر الشرطة وطاقم الإسعاف التابع لـ061، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.

وأكدت كل من الشرطة وخدمات الطوارئ 061 وفاة الرجل في عين المكان، ليتم تفعيل البروتوكول القضائي المعمول به، بما في ذلك رفع الجثة وإخضاعها للتشريح الطبي لتحديد أسباب الوفاة. 

“العدالة لهيثم”

في مقابل الرواية الرسمية، عبّر أصدقاء الشاب المتوفى هيثم عن صدمتهم الشديدة مما جرى، مؤكدين، بحسب شهاداتهم، أن الراحل “لم يكن ينوي السرقة”، وهو ما يضع روايتهم في تعارض مباشر مع معطيات الشرطة التي تحدثت عن محاولة سرقة.

ووفقًا لما يقوله مقربون من هيثم، فإن الشاب “دخل إلى محل الاتصالات وهو في حالة اضطراب، طالبًا شاحن هاتف لا بقصد السرقة”، غير أن صاحب المحل، حسب ذات الروايات، “أساء فهم الموقف واعتبر تصرفاته تهديدية، ليقوم بإغلاق المحل واحتجازه داخله في انتظار وصول الشرطة”، التي يتهمها محيط الضحية بـ”ممارسة عنف مفرط خلال عملية التدخل”.

وتُظهر مقاطع فيديو جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي هيثم خلف منضدة المحل وهو يتفحص ما يبدو أنه شاحن هاتف ويقوم بتوصيله بهاتفه، في وقت يقترب منه أحد عناصر الشرطة وهو يحمل مسدس صاعق كهربائي (Taser). 

ويؤكد مقربون من الضحية أنهم يعيشون حالة حزن عميق إثر فقدانه، مشيرين إلى أن عائلته، ولا سيما والدته، في وضع نفسي صعب للغاية. 

ويذكر صديقه محمد، أن هيثم غادر السجن قبل أيام قليلة، وأنه “وعد والدته بعدم التسبب لها في مزيد من المعاناة”، مضيفًا أنه لاحظ عليه “تغيرًا حسنًا وواضحًا في سلوكه”.

في المقابل، تشير مصادر أخرى إلى أن الشاب كان قد دخل قبل ذلك إلى محل لبيع الوجبات السريعة وهو في حالة صراخ، ما اضطر العاملين إلى إخراجه من المكان.

وفي سياق متصل، نظم أصدقاء وأقارب هيثم، مساء الاثنين الماضي، وقفة تأبينية أمام المحل الذي وقعت فيه الحادثة، حيث علقوا لافتات وعبارات من بينها: “العدالة لهيثم”، و”في هذا المكان قُتل ظلمًا”، إلى جانب رسائل شخصية تعبر عن الفقد والألم.

ويؤكد محيط الراحل أن ما جرى “يشكل استخدامًا غير متناسب للقوة”، ولا سيما عبر اللجوء إلى سلاح باستعمال الصاعق الكهربائي. 

وفي هذا الإطار، حاولت “هوامش” التواصل مع صاحب محل الاتصالات من أجل نقل روايته للأحداث، ولكننا لم نحصل على رد. 

وما تزال القضية موضوع تحقيق قضائي جارٍ، يهدف إلى الكشف الكامل عن ملابسات الواقعة، وتحديد ما إذا كان التدخل الأمني قد جرى وفقًا للبروتوكولات المعمول بها، أم تم خرقه.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram