محمد تغروت
تحت شعار دقيق وموجه: “إنصاف الجبل: اختبار لشعار العدالة المجالية والتنمية المندمجة”، وضع الائتلاف الحكومة ومجلسي البرلمان أمام مسؤولياتهم التاريخية، معتبراً أن الشعارات المرفوعة حول العدالة المجالية تصطدم بواقع الأرقام في مشروع قانون المالية لعام 2026.
ميزانية بلا “عنوان” جبلي
في قراءته النقدية لمشروع ميزانية 2026، يدق الائتلاف ناقوس الخطر، واصفاً المشروع بأنه “الاختبار الحاسم” لجدية الشعارات الحكومية. ويرى أن المسودة الحالية تفتقر إلى المخصصات المالية الكافية والآليات التنفيذية القادرة على ردم الهوة بين “المغرب النافع” و”مغرب الجبال”.
ومن أجل تصحيح هذا المسار، طرح الائتلاف خارطة طريق مالية ترتكز على مبدأ “التمييز الإيجابي المجالي”. وتدعو هذه الرؤية إلى إقرار نصوص قانونية ملزمة تمنح الأفضلية لمشاريع المناطق الجبلية في التمويل، مع ضرورة اعتماد الشفافية المطلقة في نشر بيانات توزيع الميزانيات جهوياً وإقليمياً، ليعرف المواطن نصيب منطقته من الثروة الوطنية.
النقطة الأكثر جرأة في نداء الائتلاف تمثلت في المطالبة بـ”الإنصاف في العائدات”؛ أي حق ساكنة الجبال في الاستفادة المباشرة من الثروات التي تزخر بها مناطقهم (الماء، الغابات، الخدمات الإيكولوجية، المناجم…)، واستثمار جزء من تلك العائدات لتمويل التنمية المحلية بدلاً من استنزافها لصالح المركز، وإقرار آليات رسمية تضمن ذلك.
من الجغرافيا إلى الحقوق: “هوية” قانونية جديدة للجبل
لقطع الطريق على التأويلات الإدارية الضيقة، لم يكتفِ الائتلاف بالمطالبة بالأغلفة المالية، بل قدم تعريفاً دقيقاً لـ”الهوية الجبلية” يُخرجها من الضبابية، حيث “إن إنصاف الجبل هو مسؤولية وطنية مشتركة. على كل فاعل تحمل مسؤوليته التاريخية في تحويل مناطق الخصاص إلى أقطاب للثروة والتنمية المستدامة” يؤكد الائتلاف.
ولهذا الغرض، أعاد الائتلاف طرح مشروع “إطار تشريعي خاص بالمناطق الجبلية”، كان قد أودعه في وقت سابق لدى رئيس مجلس النواب، وفي هذا المقترح لم يعد الجبل مجرد تضاريس، بل هو كل مجال يخضع لـ”تدرج بيو-مناخي” يفرض على ساكنته “ظروفاً معيشية قاسية”، سواء بسبب المناخ القاسي الناتج عن الارتفاع أو المنحدرات الشديدة التي تعيق المكننة وتضاعف تكاليف الإنتاج.
ويؤكد الائتلاف أن الغبن التاريخي الذي تعاني منه المناطق الجبلية، فضلا عن التهميش، هو ضمها إلى المناطق القروية (العالم القروي)، سواء من حيث التخطيط أو المخصصات المالية، بينما المعطيات الميدانية في الجبل مختلفة، تحكمها التضاريس والمناخ.
ويوضح منسق الائتلاف محمد الديش الفرق، بالتأكيد على ضرورة التمييز بين ثنائية الحاضرة/ العالم القروي، حيث أن هذا الأخير لا يشمل المناطق الجبلية، فالجبل فيه حواضر، هناك مثلا طنجة والحسيمة والشاون وميدلت وإفران وأزيلال (…) هذه حواضر جبلية، وفي المقابل هناك قرى جبلية، هناك دواوير وتجمعات سكنية جبلية، لا يمكن مقارنتها مع قرى تقع قرب الدار البيضاء أو الرباط أو القنيطرة مثلا، حيث أنه لا مجال للمقارنة، فهذه الأخيرة يمكن أن نسميها قرى، لكن دوارا في الجبل يفتقد للكثير من الخدمات، وللكثير من الحقوق، فالمواطنون في القرى، على الأقل، يتواجدون بشكل أقرب من المدارس والمستشفيات والمحاكم وغيرها، في حين أن المناطق الجبلية محرومة من عدد كبير من هذه الخدمات، وفي أحسن الأحوال، من جودتها.
التحديد العلمي الدقيق عزّزه الائتلاف بمعايير رقمية صارمة لضمان عدم إقصاء أي منطقة مستحقة، محدداً “عتبة الإنصاف” في ارتفاع 800 متر، أو أن تشكل التضاريس الجبلية نصف مساحة الجماعة الترابية على الأقل. وهي معايير تهدف إلى شمل “العمود الفقري” للمغرب بأكمله، بدءاً من الكتل الأربع الكبرى (الريف، والأطلس بمراتبه الثلاث: المتوسط والكبير والصغير)، وصولاً إلى الامتدادات الجغرافية الأخرى كجبال الرحامنة والجبيلات والواحات الجبلية، تكريساً لمبدأ وحدة المجال وتكامل “مغرب الجبال”.
في الاقتصاد والحكامة: مشاريع نموذجية وهيئة عليا للتدبير
وبعيداً عن لغة الأرقام الصرفة، رسم الائتلاف ملامح “حزمة مشاريع نموذجية” للفترة ما بين 2026 و2028، تهدف إلى انتشال الجبل من عزلته. وتتصدر هذه الأولويات مشاريع فك العزلة الطرقية والرقمية، لضمان ربط الدواوير بشرايين الحياة وشبكات الاتصال الحديثة.
كما شدد النداء على ضرورة تعزيز العرض الصحي عبر وحدات متنقلة وأطر طبية مستقرة، ودعم “الاقتصاد الأخضر” الذي يثمن المنتجات المجالية والسياحة الإيكولوجية، كبديل تنموي مستدام. ولم يغفل الائتلاف الجرح الذي لم يندمل بعد، داعياً إلى “تدارك فوري” لآثار زلزال الأطلس الكبير، بما يضمن إعادة تأهيل شاملة وإنصافاً حقيقياً للمتضررين.
وفي نقد مبطن للغة الأرقام الرسمية، حذر الائتلاف مما أسماه “متلازمة صعود المؤشرات”، حيث تتحسن الأرقام في التقارير الحكومية دون أن يلمس المواطن الجبلي أي تغيير في واقعه المعيشي، مطالباً بحماية اجتماعية حقيقية وتمكين فردي ملموس.
وأمام تشعب المتدخلين، يرى الائتلاف أن الحل يكمن في الحكامة. ولهذا الغرض اقترح إحداث “سلطة وطنية عليا” لتنمية المجالات الجبلية باعتبارها مفتاح الحكامة، توضع مباشرة تحت إشراف رئاسة الحكومة لضمان الالتقائية بين القطاعات الوزارية، مدعومة بإطار تشريعي خاص للجبل (قانون الجبل). كما دعا إلى مأسسة الحوار عبر آلية تشاور دائمة بين المجتمع المدني والفاعل السياسي.
ويختم الائتلاف، الذي يضم طيفاً واسعاً من الجمعيات والفعاليات، نداءه برسالة واضحة: إن تحويل المناطق الجبلية من “هامش” إلى “أقطاب للتنمية المستدامة” هو مسؤولية جماعية، ومحك حقيقي لمصداقية الدولة في تدبير مواردها الطبيعية وحماية بيئتها الهشة في زمن التغيرات المناخية.
معادلة “الغنى والفقر”: لماذا يحتاج الجبل إلى قانون خاص؟
يستند الائتلاف في دفاعه المستميت عن “خصوصية التشريع” إلى مفارقة مؤلمة تصفها وثائقه بـ”ثنائية الغنى في الموارد والعجز في التنمية التي لازمت المناطق الجبلية طوال عقود”. فالمناطق الجبلية، في الواقع، هي “خزان المغرب الاستراتيجي” الذي يمد البلاد بشرايين الحياة من ماء ومعادن وغابات، لكنها ظلت لعقود تعيش عجزاً تنموياً مزمنا. ومن هنا، فإن المطالبة بوضع قانوني خاص ليست استجداءً للريع، بل هي محاولة لـ”تصحيح المعادلة”، وضمان عودة عادلة لجزء من خيرات الجبل لتمويل تنميته، بدلاً من أن يظل منتجاً للثروة ومستورداً للفقر.
ومن زاوية أخرى، يرى الائتلاف أن معاملة “القمم” بنفس قوانين “السهول” هي قمة الظلم المجالي. فقسوة المناخ ووعورة التضاريس تجعل تكلفة العيش والاستثمار في الجبل باهظة جداً مقارنة بغيره، وهي إكراهات لا يمكن حلها ببرامج حكومية متفرقة ومشتتة أثبتت محدوديته. لهذا، يشدد النداء على أن الحل لا يكمن في “الترقيع”، بل في “قرار سياسي شجاع” يترجم إلى قانون “مفصل على مقاس الجبل”، يعترف بخصوصيته ويقدم حلولاً جذرية تتناسب مع صعوبة واقعه.