الرئيسية

اعتقال بوز فلو.. السلطة تعود لتوتر علاقتها مع فن الراب

ليست هذه المرة الأولى في المغرب، التي يتم فيها اعتقال أو سجن فنان راب، بسبب كلماته. فقد تعرض الرابور وناشط حركة 20 فبراير، معاد بلغوات الملقب بالحاقد، للاعتقال ثلاث مرات، الشاب الذي عرف بنقده اللاذع للأوضاع السياسية في المغرب، سجن سنة 2012 بالتهم نفسها التي يتابع عليها بوز فلو من قبيل ’’إهانة موظف’’ و ’’إهانة هيئة منظمة’’.

عادل آيت واعزيز

قررت النيابة العامة، يوم الخميس 20 نونبر 2025، متابعة الرابور المغربي، جواد أسرادي، المعروف باسمه الفني بوز فلو pause flow، في حالة اعتقال وإحالته إلى السجن المحلي لصفرو، بتهمة إهانة هيئة منظمة، وإهانة موظفين عموميين، طبقا للفصلين 263 و265 من القانون الجنائي.

بعد أول جلسة محاكمة، يوم 27 نونبر الماضي، قررت الهيئة القضائية تمتيع الفنان بالسراح المؤقت، بكفالة مالية حددت قيمتها في 10 ملايين سنتيم، وإلى حدود الساعة، لم يتم أداء مبلغ الكفالة، ما حال دون تمتع بوز بالسراح المؤقت، بينما تم تأجيل الجلسة إلى يوم الجمعة 12 دجنبر الجاري.

واعتبر عضو هيئة دفاع بوز فلو، المحامي خالد عدلي، في تصريح له أمام المحكمة، أن اعتقال موكله غير قانوني، إذ “لم يرتكب أي جريمة مادية تمس سلامة الأشخاص أو النظام العام”، وأكد أنه “من وجهة نظر قانونية محضة، يجب رفع الاعتقال عنه”، وأن الصورة التي أعطيت للمحكمة من محاضر الضابطة القضائية “غير صحيحة”، وأضاف أن هذا النوع من المحاكمات يجب ألا يبقى في البلد بعد دستور 2011، كونها تسيء للصورة الحقوقية بالبلاد.

بوز فلو.. غضب الهامش

قبل اعتقاله، كان  بوز فلو pause flow يعمل من أجل إصدار ألبوم مصغر (Ep)، خلال الأشهر القادمة، اختار له عنوانا “EP SKETCH”، بعد أن أصدر أغنية منه بعنوان ALASKA يوم 7 نونبر العام الجاري، والتي وصلت إلى أزيد من مليون مشاهدة.  

تتميز أغاني بوز فلو بالقلق والغضب في آن واحد، حيث يستخدم أساليب ومضامين احتجاجية تعبِّر عن هامش غاضب، كما تعكس واقعا شعبيا يجابه الخطابات الدعائية، بلهجة مغربية صريحة تلامس موضوعاتها المشترك الهش اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا. 

لم يكن ما يكتبه بوز، مجرد كلمات استعراضية، بقدر ما هي ولادة من رحم غضب جماعي، مع “ريمات” (قوافي) وإيقاع يحملان قوة رفض وسخط على الفقر، والتهميش، والرقابة الاجتماعية، فهي ليست ترفا أو مجرد نصوص تلقى على عجل.

ولهذا تجد فئة واسعة من الشباب المغربي، نفسها في أغاني بوز فلو، الذي يتكلم عنهم وبهم، حيث تستعيد مشاريعه الفنية ذاكرة مشتركة عن تفاصيل حياتهم اليومية، ولغتهم المنكسرة، وخيباتهم المؤجلة، فيعطيهم الانطباع بأن ما ينتجه هي أصواتهم في أغانيه.

استعادة توتر قديم 

ليست هذه المرة الأولى في المغرب، التي يتم فيها اعتقال أو سجن فنان راب، بسبب كلماته. فقد تعرض الرابور وناشط حركة 20 فبراير، معاد بلغوات الملقب بالحاقد، للاعتقال ثلاث مرات، الشاب الذي عرف بنقده اللاذع للأوضاع السياسية في المغرب، سجن سنة 2012 بالتهم نفسها التي يتابع عليها بوز فلو من قبيل ’’إهانة موظف’’ و ’’إهانة هيئة منظمة’’.

عام 2014، قضت المحكمة الابتدائية، بعين السبع بالدار البيضاء، بالسجن ثلاثة أشهر نافذة في حق مغني الراب عثمان عتيق، الملقب بـ “ميستر كريزي”، الذي كان عمره آنذاك 17 سنة، بتهم تتعلق بنشر تعابير غير أخلاقية، والحث على استهلاك المخدرات، وذلك بعد إصداره أغنية حملت اسم: ’’حياتي ناقصة’’، والتي كانت تعبر عن قساوة العيش في الأحياء الهامشية للمدن.

في أواخر سنة 2019، جرى توقيف التلميذ والرابور ابن مدينة العيون، حمزة سباعر “ستالين”، البالغ من العمر 18 سنة حينها، على خلفية أغنية نشرها على موقع يوتيوب بعنوان “فهمنا”، تطرق فيها إلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية بالمغرب. وقد صدر في حقه حكم ابتدائي يقضي بسجنه أربع سنوات نافذة، بدعوى المس بمقدسات الوطن، قبل أن تخفض العقوبة لاحقا في المرحلة الاستئنافية إلى ثمانية أشهر سجنا نافذا.

وفي نهاية شهر شتنبر الماضي، أقدمت عناصر الأمن على توقيف الرابور حمزة رائد، المعروف فنيًا بلقب “RAID”، في واقعة أثارت موجة من الغضب والاستنكار في صفوف عدد من النشطاء ومحبي الفنان، خاصة أنها المرة الثانية التي يتم فيها توقيفه خلال 72 ساعة فقط. وقد وجهت إليه تهم تتعلق بـالتجمهر غير المسلح بدون ترخيص، والتحريض على ارتكاب جنايات وجنح عبر الوسائل الإلكترونية.

رائد الذي تعكس أغانيه نبض الشارع وانشغالات شريحة واسعة من الشباب. حكمت عليه المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بشهر واحد سجنا موقوف التنفيذ، مع تغريمه مبلغ 2000 درهم، وذلك على خلفية تضامنه مع احتجاجات “جيل زد”.

اعتقال بوز فلو يشعل “غوغل تريندز”

يظهر تحليل بيانات Google Trends في المغرب، ارتفاعا لافتا في محركات البحث، خاصة باللغة العربية (بوز)، ثم باللغة الفرنسية (Pause Flow)، ويعكس المبيان “انفجار” الاهتمام بأخبار الرابور، خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 19 نونبر، ليبلغ ذروة مفاجئة ومكثفة تزامنا مع تطورات قضيته، حيث قفز مؤشر البحث عن كلمة ’’بوز’’ باللغة العربية إلى 100 نقطة، وهو أعلى مستوى يمكن تسجيله على المقياس، في المقابل، بلغ البحث بالفرنسية ’’Pause Flow’’ حوالي 84 نقطة، وهو رقم مرتفع بدوره، لكنه يظل أقل من نظيره بالعربية.

ويشهد اسم الرابور (Pause Flow) تفاعلا دوليا لافتا، لا سيما في فرنسا، خلال شهر نونبر 2025، وهو ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام باعتقاله خارج المغرب، ويظهر المبيان تصاعدا حادا في نسب البحث انطلاقا من 20 نونبر، حيث بلغ البحث ذروته في فرنسا يوم 22 نونبر بتسجيل 100 نقطة، ما يعني أنه كان في صدارة الاهتمام الرقمي آنذاك. ويلاحظ أيضا تجدد الاهتمام يوم 27 نونبر، تاريخ أولى جلسات محاكمته، بنسبة مرتفعة قاربت 90، مما يشير إلى متابعة دقيقة ومستمرة لتطورات القضية.

 وفي يوم اعتقاله أيضا، بلغ الاهتمام بالرابور على منصة يوتيوب، ذروته على مستوى معدلات البحث، حيث سجلت الكلمة بالفرنسية أعلى نقطة اهتمام (100)، متبوعة بارتفاع مهم للكلمة بالعربية، كما تلاحظ موجة ثانية من الارتفاع في يوم الجلسة الأولى من محاكمته، ما يعكس تجدد الاهتمام والمتابعة الإعلامية.

 كما تشير بيانات موقع سوشيال بليد Social Blade، إلى ارتفاع قياسي لعدد المشتركين الجدد، في قناته الرسمية على يوتيوب، خلال شهر نونبر المنصرم، حيث وصل العدد إلى أزيد من 190 ألف مشترك، والمثير أكثر، أن يوم اعتقاله، شهد وحده انضمام أكثر من 10 آلاف مشترك جديد، مما يعكس حجم التفاعل الفوري مع الحدث، حيث ترجمه الجمهور إلى متابعة مباشرة لمحتواه، بينما تخطت عدد المشاهدات في قناته خلال الشهر الماضي، عتبة 28 مليون مشاهدة، وهو رقم قياسي مقارنة بالأشهر السابقة.

هذه المؤشرات الرقمية لا تعبر فقط عن تضامن جماهيري، بل تبرز كيف أصبحت قضايا الفنانين اليوم، عاملا مؤثرا في ملامح حضورهم الرقمي، وتكشف عن الدور المحوري للمنصات في تشكيل وقياس الرأي العام الفني والاجتماعي، كما أن هذا الحضور القوي في نتائج البحث الفرنسية يبرز البعد العابر للحدود لقضيته.

 ساحة الراب المغربي.. استياء عارم

عدد من مغني الراب المغاربة عبروا عن تضامنهم مع بوز فلو، رغم خلاف معظمهم مع بوز، ودخولهم في مبارزات معه “كلاش”، غير أنهم لم يترددوا في إعلان التضامن والمطالبة بإطلاق سراحه عبر حساباتهم الخاصة على منصة أنستغرام.

صاحب ألبوم “مغاربة تا للموت”، توفيق حازب، الملقب بـ الدون بيغ، عبر حسابه على إنستغرام، أكد أن ”حرية التعبير يخولها الدستور، ويجب إعادة النظر في اعتقالات الرابرز العبثية، متسائلا: من وراءها وما المراد منها؟”.

وقال بيغ في “سطوري” عبر حسابه على أنستغرام:’’حرية التعبير كي يخولها لينا الدستور اللي بغا يكول شي حاجة يكولها ما حد ما كي يضر حد بهضرتو. هاد الاعتقالات هاد روابا، خص يتعاد النظر فشكون وراها واشنو المراد منها. عندنا مشاكل كبر من أن القضاء يبقا يقلب على فنان اش كال فتراك ولا البوم. ولا يمكن بغاونا نرجعو نسمعو لفاطنا بنت الحسين كيف ما كان كالها واحد القاضي’’.

أما مهدي مهيب، الملقب بـ المورفين، وأشهر من دخل في مبارزات “كلاش” مع بوز، فقد وضع خلافه الفني معه جانبا، وقال عبر حسابه على أنستغرام، إن ”الأسلوب والآراء لا تهم، وعلى الفنان أن يكون قادرا على التعبير، والراب هو تعبير على الحياة اليومية”، معلنا حسب تعبيره على وقوفه مع إخوته “في القلم الذين يمرون من محنة صعبة”.

مؤازرة حقوقية وتضامن سياسي 

أعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع صفرو، في بلاغ توصلت منصة “هوامش” بنسخة منه، عن رفضها الشديد لقرار متابعة بوز فلو من طرف النيابة العامة، على خلفية إنتاجات فنية تعبيرية. وأكدت الجمعية تضامنها ودعمها لجواد أسرادي وحقه في التعبير، وحق جمهوره في اختياراته الفنية، مذكرة أن الفن رسالة نبيلة، ولم يكن أبدا مصدر خطر على أي مجتمع، مطالبة بإطلاق سراحه وإسقاط التهم الموجهة إليه.

وبدورها، اعتبرت شبيبة النهج الديمقراطي العمالي، في بلاغ أن اعتقال بوز فلو “محاولة جديدة لترهيب الفنانين وكل المعارضين”، وأنه “اعتداء على الحق في الفن الذي يشمل حرية التعبير الفني من الرقابة”، وطالبت بإطلاق سراحه فورا.

وأصدرت حركة الشبيبة الديمقراطية التقدمية، وهي شبيبة الحزب الاشتراكي الموحد، بيانا تضامنيا مع بوز فلو، معتبرة اعتقاله ومتابعته مؤشرا جديدا على التضييق الممنهج على الأصوات المنتقدة، وامتدادا للمقاربة التي تستهدف النشطاء والمدونين والفاعلين. وطالبت الحركة في بيانها الصادر يوم  26 نونبر،  بإطلاق سراحه الفوري وغير المشروط ووقف كل أشكال المتابعة في حقه.

التامني: “سياسة ترهيبية”

البرلمانية عن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، وجهت يوم 26 نونبر الماضي، سؤالا إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، بعنوان “سياسة تكميم الأفواه: شباب في السجون وصحافة تحت الحصار”، اعتبرت فيه أن اعتقال مغني الراب بوز فلو ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو عنوان عريض لسياسة ترهيب جيل زد، التي تتعامل مع الإبداع الرقمي والفن، بمنطق جنائي صرف بدل الاحتضان والحوار.

التامني أضافت أن هذه المتابعات، عقاب إداري مفضوح وسلاح لإخراس الأقلام المزعجة، وإقصاء للصحافيين الذين لا يسيرون في الركب، ووصفت، برلمانية فيدرالية اليسار، وزارة الثقافة والشباب والتواصل بأنها في حالة عطالة سياسية، وامتداد لعنوان ضعف الأداء الحكومي العام، والعجز عن تدبير الأزمات وحماية حقوق المواطنين.  

وتبقى قضية بوز فلو أكثر من متابعة قضائية، حيث ينظر إليها كاختبار جديد لحدود حرية التعبير في المغرب، ولقدرة  الراب على أن يظل فنا مزعجا، وصادما، ومحركا للأسئلة، فحين تستدعى الكلمات إلى قاعة المحكمة، لا تظل معركة الفن مرهونة فقط بالإيقاع، بل على الحق في أن يكون الصوت المزعج جزءا من النقاش العام، لا خارجه.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram